التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٠٢
-آل عمران

التبيان الجامع لعلوم القرآن

المعنى:
ذكر ابن عباس وطاوس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة. وقال قتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد: هي منسوخة بقوله.
{ فاتقوا الله ما استطعتم } وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) لأنهم ذهبوا إلى أنه يدخل فيه القيام بالقسط في حال الخوف، والامن، وأنكر أبو علي الجبائي نسخ الآية وذلك، لأن من اتقى جميع معاصيه، فقد اتقى الله حق تقاته. ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ، لأنه إباحة لبعض المعاصي. قال الرماني: والذي عندي أنه إذا وجه على {اتقوا الله حق تقاته} بأن تقوموا له بالحق في الخوف والامن لم يدخل عليه ما ذكره أبو علي. وهذا صحيح، لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله على كل حال ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس، كما قال { إلا من أكره وقلبه مطمئن الإيمان } وأنكر البلخي أيضاً نسخ الآية وقال: لأن في ذلك ايجاب الأمر بما لا يستطاع. قال الرماني: وهذا أيضاً لا يلزم، لأن {ما استطعتم} إنما هو من غير تحمل مشقة بتحريم التقية.
وقيل في معنى قوله: {حق تقاته} قولان:
أحدهما - قال ابن مسعود، والحسن، وقتادة: إن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). وقال الجبائي: هو أن يتقى جميع معاصيه. وظاهر الآية يقتضي أنه خطاب للمؤمنين خاصة، ويجوز أن يحمل من جهة المعنى على جميع المكلفين على التغليب، لأنه معلوم أنه يجب عليهم من ذلك مثل ما يجب على المؤمنين من اتقاء جميع معاصي الله.
اللغة:
وقوله: {تقاته} هو من وقيت. قال الزجاج: يجوز فيه ثلاثة أوجه تقاة ووقاة واقاة وحمله على قياس وجوه وأجوه وإن كان هذا المثال لم يجىء منه شيء على الأصل نحو تخمة ونكاة ونقاة غير أنه حمله على الاكثر من نظائره وجعل اختصاص هذا البناء في الاستعمال، لا يمنع من حمله على نظيره في القياس، لأن بازاء قوة الاستعمال قوة النظير في الباب.
المعنى، واللغة:
وقوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} معناه لا تتركوا الاسلام وإنما قال: {فلا تموتن} بلفظ النهي عن الموت من حيث أن الموت لا بد منه، فكأنه قال كونوا على الاسلام، فاذا ورد عليكم الموت صادفكم على الاسلام، فالنهي في الحقيقة عن ترك الاسلام، لئلا يهلكوا بالاقتطاع عن التمكين منه بالموت إلا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة تصرف الابدال، لحسن الاستعارة، وزوال اللبس، لأنه لما كان يمكنهم أن يفارقوه بالاسلام فترك الاسلام صار بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم. ومثله قولهم لا أراك ها هنا أي لا تكونن ها هنا، فان من كان ها هنا رأيته إلا أن هذا خرج مخرج النهي لغير المنهي عنه فتباعد عن الأصل، فالاول أحسن. لأنه أعدل. وروي عن أبي عبد الله (ع) {وأنتم مسلمون} بالتشديد، ومعناه إلا وأنتم مستسلمون لما أتى به النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنقادون له.