التفاسير

< >
عرض

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٩
-آل عمران

التبيان الجامع لعلوم القرآن

معنى الآية {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} للجزاء {إن الله لا يخلف الميعاد} في وعد ولا وعيد {فاغفر لنا} فان قيل هل في قوله: {إن الله لا يخلف الميعاد} متصل بالدعاء على جهة الحكاية أو استئناف. قلنا عنه جوابان:
أحدهما - أنه متصل بالدعاء، لأن حمل الكلام على الاتصال إذا صح المعنى أولى من حمله على الانفصال، لأن الاتصال أقرب إلى التشاكل، وأبعد من التنافر. الثاني - أنه على الاستئناف لأنه لو كان على الاتصال لقال انك لا تخلف الميعاد، فاختار أبو علي الجبائي هذا الوجه، وأجاز الزجاج الأمرين. وقد يجوز حمل الكلام تارة على المخاطبة وتارة على الغيبة تصرفاً في الكلام، كما قال:
{ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة } والآية دالة على أنه لا يخلف وعده، ولا وعيده، ولا ينافي ذلك ما يجوزه من العفو عن فساق أهل الملة، لأن ما يجوز العفو عنه إذا عفا كشف ذلك عندنا أنه ما عناه بالخطاب، وإنما الممنوع منه أن يعنيه بالخطاب وبأنه لا يعفو عنه ثم يعفو، فيكون ذلك خلفاً في الوعيد وذلك لا يجوز عليه تعالى.
والميعاد، والوعد إذا اطلقا تناولا الخير، والشر. يبين ذلك قوله:
{ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً } ولا يجوز أن يقال وعد بالخير فأما وعد بالشر، فيجوز. واللام في قوله: {ليوم لا ريب فيه} معناه في يوم وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من معنى اللام وتقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فلما حذف لفظ الجزاء دخلت على ما يليه فأغنيت عن في لأن حروف الاضافة متآخية، لما يجمعها من معنى الاضافة. وقد كان يجوز فتح أن في قوله: {إن الله لا يخلف} على تقدير {جامع الناس ليوم لاريب فيه} لـ {إن الله لا يخلف الميعاد} ولم يقرأ به.