التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٦
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ
٨
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٩
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
١٠
-لقمان

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {ويتخذها} نصباً، الباقون رفعاً من قرأ بالنصب عطفه على {ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها} أي يشتري لهو الحديث للامرين. ومن رفع عطف على قوله {يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله... ويتخذها هزواً} ومن قرأ {ليضل} - بضم الياء وكسر الضاد - أراد يفعل ذلك ليضل غيره. ومن - فتح الياء - أراد ليضل هو نفسه بذلك.
اخبر الله تعالى ان {من} جملة {الناس من يشتري لهو الحديث} أي يستبدل لهو الحديث. وقيل في معناه قولان:
احدهما - انه يشتري كتاباً فيه لهو الحديث.
الثاني - انه يشتري لهو الحديث عن الحديث. واللهو الأخذ في ما يصرف الهم من غير الحق، تقول: لهى فلان يلهو لهواً، فهو لاه، وتلهى تلهياً وألهاه إلهاء، واللهو واللعلب والهزل نظائر. والحديث الخبر عن حوادث الزمان. وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: لهو الحديث الغناء، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقال قوم: هو شراء المغنيات. وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله تحريم ذلك. وقال قتادة: هو استبدال حديث الباطل على حديث الحق. وقيل: كلما كان من الحديث ملهياً عن سبيل الله الذي أمر باتباعه إلى ما نهى عنه، فهو لهو الحديث. وقيل: الآية نزلت في النضر ابن الحارث بن كلدة كان اشترى كتباً فيها أحاديث الفرس: من حديث رستم واسفنديار، فكان يلهيهم بذلك ويطرف به، ليصد عن سماع القرآن وتدبر ما فيه.
وقوله {ليضل عن سبيل الله} أي ليتشاغل بما يلهيه عن سبيل الله. وقال ابن عباس: سبيل الله قراءة القرآن، وذكر الله، لان حجة الله قائمة عليه بالدواعي التي تزعجه إلى النظر فيما يؤديه إلى العلم بالواجب ليعمل، فيتشاغل ليخف ذلك الازعاج. ومن قرأ بالضم أراد ليضل غيره بذلك.
وقوله {ويتخذها هزواً} أي يتخذ سبيل الله سخرية، فلا يتبعها ويشغل غيره عن اتباعها. والضمير في قوله {ويتخذها} يجوز أن يكون راجعاً إلى الحديث، لأنه بمعنى الاحاديث، ويجوز أن يكون راجعاً إلى {سبيل الله} والسبيل يؤنث ويذكر. ويجوز أن يكون راجعاً إلى (آيات الله) في قوله {تلك آيات الكتاب}.
ثم اخبر تعالى أن من هذه صفته {له عذاب مهين} أي عذاب بذله. والاذلال بالعداوة هو الهوان. فأما اذلال الفقر والمرض، فليس بهوان، ولا إذلال على الحقيقة. وإذلال العقاب لا يكون إلا هواناً، وإن كان العذاب على وجه الامتحان، فلا يكون هواناً أيضاً.
ثم اخبر تعالى عن صفة هذا الذي يتخذ آيات الله هزواً ويشتري لهو الحديث أنه {إذا تتلى عليه آياتنا} التي هي القرآن {ولى مستكبراً} أي اعرض عنها تكبراً عن استماعها. والكفر فيها، كأنه {لم يسمعها} من حيث لم يفكر فيها، ولم يعتبر بها و {كأن في أذنيه وقراً} أي ثقلا يمنع من سماعه. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبشر من هذه صفة {بعذاب أليم} أي مؤلم موجع.
ثم اخبر تعالى عن صفة المؤمنين المصدقين بتوحيد الله وصدق انبيائه فقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي صدقوا بالله ونبيه وفعلوا الطاعات {لهم جنات النعيم} يوم القيامة يتنعمون فيها {خالدين فيها} أي مؤبدين في تلك البساتين {وعد الله حقاً} أي وعده الله حقاً، لا خلف لوعده {وهو العزيز} في انتقامه {الحكيم} في أفعاله، إذ لا يفعل إلا ما فيه المصلحة ووجه من وجوه الحكمة.
ثم اخبر تعالى عن نفسه بأنه {خلق السماوات} فأنشاها واخترعها {بغير عمد ترونه} أي ليس لها عمد يسندها، لانه لو كان لها عمد لرأيتموها فلما لم تروها دل على أنه ليس لها عمد، لأنه لو كان لها عمد لكانت اجساماً عظيمة حتى يصح منها إقلال السموات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر، فكان يتسلسل. فاذاً لا عمد لها، بل الله تعالى سكنها حالا بعد حال بقدرته التي لا توازيها قدرة قادر. وقال مجاهد: لها عمد لا ترونها، هذا فاسد لأنه لو كان لها عمد لكانت أجساماً عظيمة، لانه لا يقل مثل السموات والارض إلا ما فيه الاعتمادات العظيمة. ولو كانت كذلك لرأيت، وكان يؤدي إلى ما ذكرناه من التسلسل.
ثم قال {وألقى في الأرض رواسي} يعني الجبال الثابتة {أن تميد بكم} وقيل معناه لئلا تميد بكم، كما قال الراجز:

والمهر يأبى أن يزال ملهيا

بمعنى لا يزال. وقال قوم: معناه كراهة أن تميد بكم {وبث فيها من كل دابة} أي فرق فيها من كل دابة أى من كل ما يدب على الارض {وأنزلنا من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً {فأنبتنا فيها} بذلك الماء {من كل زوج كريم} أى من كل نوع حسن النبت طيب الريح والطعم.