التفاسير

< >
عرض

ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً
٦
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
٧
لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
-الأحزاب

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ بن كثير والكسائي وحفص عن عاصم {الظنونا} بألف في الوقف دون الوصل. وقرأ نافع وابو جعفر وابو بكر عن عاصم وابن عامر - بالالف - فيهما وقرأ ابو عمرو ويعقوب وحمزة - بغير الف - فيهما وفي المصحف بألف. من أثبت الالف أثبته لأجل الفواصل التي يطلب بها تشاكل المقاطع، ولأن الألف ثابتة في المصاحف، فاتبعوا المصحف، ومن حذف قال: لأن هذا الألف يكون بدلا من التنوين في حال الوقف، فاذا دخلت الألف واللام اسقطت التنوين، فسقط ايضاً ما هو بدل منه، ولأن مثل ذلك إنما يجوز في القوافي وذلك لا يليق بالقرآن، قال الشاعر:

اقلي اللوم عاذل والعتابا [وقولي ان اصبت لقد اصابا]

اخبر الله تعالى ان "النبي" صلى الله عليه وآله {أولى بالمؤمنين من أنفسهم} بمعنى احق بتدبيرهم، وبأن يختاروا ما دعاهم اليه. واحق بأن يحكم فيهم بما لا يحكم به الواحد في نفسه لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة الله، وهو اولى في ذلك واحق من نفس الانسان، لانها ربما دعته إلى اتباع الهوى، ولأن النبي صلى الله عليه وآله لا يدعو إلا إلى طاعة الله، وطاعة الله اولى ان تختار على طاعة غيره. وواحد الأنفس نفس، وهي خاصة الحيوان الحساسة المدركة التي هي انفس ما فيه. ويحتمل ان يكون اشتقاقه من التنفس، وهو التروح، لان من شأنها التنفس به، ويحتمل ان يكون مأخوذاً من النفاسة، لأنها اجل ما فيه واكرمه. ثم قال {وأزواجه أمهاتكم} والمعنى أنهن كالامهات في الحرمة، وتحريم العقد عليهن. ثم قال {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} أولوا الارحام هم أولوا الأنساب. لما ذكر الله أن ازواج النبي أمهاتهم في الحكم من جهة عظم الحرمة، قال {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} أي إلا ما بين الله في كتابه مما لا يجوز لازواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدعين أمهات المؤمنين. وقال قتادة: كان الناس يتوارثون بالهجرة فلا يرث الاعرابي المسلم المهاجر حتى نزلت الآية. وقيل: إنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. ثم نسخ ذلك، فبين الله تعالى أن "أولى الأرحام بعضهم أولي ببعض" أي من كان قرباه أقرب فهو أحق بالميراث من الأبعد، وظاهر ذلك يمنع أن يرث مع البنت والام احد من الأخوة والاخوات، لأن البنت والأم اقرب من الأخوة والاخوات، وكذلك يمنع أن يرث مع الاخت أحد من العمومة والعمات وأولادهم، لأنها اقرب، والخبر المروي في هذا الباب أن (ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر) خبر واحد مطعون على سنده، لا يترك لأجله ظاهر القرآن الذي بين فيه ان أولي الارحام الأقرب منهم اولى من الابعد {في كتاب الله من المؤمنين} الموآخين والمهاجرين.
وقوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} استثناء منقطع، ومعناه لكن إن فعلتم إلى أوليائكم معروفاً من المؤمنين وحلفائكم ما يعرف حسنه وصوابه فهو حسن، ولا يكون على وجه نهى الله تعالى عنه، ولا أذن فيه. وقال مجاهد معروفاً من الوصية لهم بشيء، والعقل عنهم والنصرة لهم، ولا يجوز أن يكونوا القرابة المشركين على ما قال بعضهم، لقوله
{ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابات الكفار. وعندنا ان ذلك جائز للوالدين والولد.
وقوله {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} يعني أن ما ذكره الله كان مكتوباً في الكتاب المحفوظ اثبته الله وأطلع عليه ملائكته لما لهم في ذلك من اللطف فلا يجوز خلاف ذلك، وقيل: مسطوراً في القرآن. و (من) يحتمل أمرين:
احدهما - أن يكون دخلت لـ {أولى} أي بعضكم اولى ببعض من المؤمنين.
والثاني - أن يكون التقدير، وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث.
وقوله {وإذ أخذنا من النبيين} تقديره واذكر يا محمد حين اخذ الله من النبيين ميثاقهم، قال ابن عباس: الميثاق العهد والميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا. وقوله {ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم واخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} يعني ما عهد الله تعالى إلى الانبياء المذكورين وأمرهم به من اخلاص العبادة له، وخلع الانداد من دونه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه، ونهاهم عن معاصيه، والاخلال بواجباته. وقال البلخي: معناه ما أمرهم الله به من أداء الرسالة والقيام بها.
وقوله {ليسأل الصادقين عن صدقهم} قال مجاهد: معناه فعل ذلك ليسأل الأنبياء المرسلين ما الذي أجاب به اممكم، ويجوز ان يحمل على عمومه في كل صادق، ويكون فيه تهديد للكاذب، فان الصادق إذا سئل عن صدقه على اي وجه قال فيجازي بحسبه، فكيف يكون صورة الكاذب.
ثم قال {وأعد للكافرين عذاباً أليماً} أي اعد لهم عذاباً مؤلماً، وهو عذاب النار - نعوذ بالله منها.
ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} أي في حال ما جاءتكم جنود يعني يوم الاحزاب، وهو يوم الخندق حيث اجتمعت العرب على قتال النبي صلى الله عليه وآله قريش وغطفان وبنو قريظة وتضافروا على ذلك {فأرسلنا عليهم} اي فارسل الله تعالى عليهم نصرة لنبيه ونعمة على المؤمنين {ريحاً} استقبلتهم ورمت في اعينهم الحصباء واكفئت قدورهم واطفئت نيرانهم، وقلعت بيوتهم واطنابهم وارسل الله عليهم {جنوداً} من الملائكة نصرة للمؤمنين، روى ذلك يزيد بن رومان {لم تروها} اي لم تروا الملائكة أنتم بأعينكم، لانها اجسام شفافة لا يصح إدراكها {وكان الله بما تعملون بصيراً} من قرء بالياء اراد ان الله عالم بما يعمله الكفار. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين.
ثم قال واذكر {إذ جاؤكم} يعني جنود المشركين {من فوقكم} وهم عيينة بن حصين بن بدر في اهل نجد {ومن أسفل منكم} وهم ابو سفيان في قريش وواجهتهم قريظة، وهو قول مجاهد: {وإذ زاغت الأبصار} أي اذكر إذ عدلت الابصار عن مقرها. قال قتادة معناه: شخصت من الخوف {وبلغت القلوب الحناجر} أي نأت عن أماكنها من الخوف. وقيل: قال المسلمون: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله. قال: نعم قولوا
"اللهم استر عورتنا وأمن روعتنا" فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصبا، فهزمهم الله بها، والحناجر جمع حنجرة، وهي الحلق، قيل: لأن الرئة عند الخوف تصعد حتى تلحق بالحلق {وتظنون بالله الظنونا} قال الحسن: كانت الظنون مختلفة، فظن المنافقون انه يستأصل، وظن المؤمنون انه سينصر. وقيل: كانت الريح شديدة البرد تمنع المشركين من الحرب وكانت الملائكة تفقد بعضهم عن بعض.