التفاسير

< >
عرض

فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ
١٧
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
١٨
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
١٩
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٠
-سبأ

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابو عمرو {ذواتي أكل خمط} مضافاً. الباقون {أكل خمط} منوناً. والاختيار عندهم التنوين، لأن الأكل نفس الخمط والشيء لا يضاف إلى نفسه، ومن أضاف قال (الخمط) هو جنس مخصوص من المأكولات، والأكل أشياء مختلفة فأضيفت إلى الخمط، كما تضاف الأنواع إلى الاجناس، والخمط ثمر الاراك وهو البربر أيضاً، واحدها بربرة وسميت به جارية عائشة. والبربر شجر السواك و (الأثل) شجر، واحدها أثلة.
وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {وهل نجازي} بالنون {إلا الكفور} نصباً أضافوا الفعل إلى الله تعالى. الباقون - بالياء - على ما لم يسم فاعله {الكفور} بالرفع، وقرأ ابو عمرو وابن كثير {بعد بين أسفارنا} بالتشديد من التبعيد. الباقون {باعد} من المباعدة على لفظ الأمر، إلا يعقوب، فانه قرأ {باعد} على لفظ الخبر، لانهم لما سألوا أن يبعد الله بينهم، ففعل ذلك بينهم جاز حينئذ الاخبار بأنه تعالى فعل ذلك. وقرأ اهل الكوفة {ولقد صدق} بتشديد الدال. الباقون بتخفيفها.
لما اخبر الله سبحانه عن "سبأ" وهي القبيلة من اليمن انه أنعم عليهم بالجنتين وبالبلدة الطيبة، وأمرهم بشكر نعمه {فأعرضوا} عن ذلك، فلم يشكروه وكفروه وجحدوا نعمه، ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه ورسله جازاهم الله على ذلك بأن ارسل عليهم سيل العرم، وسلبهم تلك النعمة وانزل بهم البلية، فالسيل الماء الكثير الذي لا يمكن ضبطه ولا دفعه، وقيل: انه كانت تجتمع مياه وسيول في هذا الوادي فسدوه بين جبلين بالحجارة والقار وجعلوا له ابواباً يأخذون منه ما شاءوا، فلما تركوا أمر الله بعث عليهم جرذاً فنقبه فأغرق الله عليهم جنتهم وأفسد ارضهم. وقيل: العرم: ماء كثير ارسله الله في السد فشقه وهدمه. قال الراجز:

اقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغله

وقيل: ان العرم المسناة التي تحبس الماء، واحدها عرمة وهو مأخوذ من عرامة الماء وهو ذهابه كل مذهب، قال الاعشى:

ففي ذاك للمؤتسي اسوة ومأرب قفى عليه العرم
رجام بنته لهم حمية إذا جاء ماؤهم لم ترم

وقيل: كان سببه زيادة الماء حتى غرقوا. وقيل: كان سببه نقب جرذ نقب عليهم السكر. وقيل العرم السكر. وقيل المطر الشديد. وقيل هو اسم وادي وقيل: هو الجرذ الذي نقب السكر، قال كثير:

ايادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم فلم يحل للعينين بعدك منظر

وقال آخر:

من صادر او وارد ايدي سبا

وقال جرير:

الواردون وتتم في ذرى سبأ قد عض اعناقهم جلد الجواميس

ثم قال {وبدلناهم بجنتيهم} التي فيها أنواع الفواكه والخيرات {جنتين} أخراوين وسماها جنتين لازدواج الكلام، كما قال { ومكروا ومكر الله } } و { يخادعون الله وهو خادعهم } {ذواتي أكل خمط} أي صاحبتي خمط فالاكل جني الثمار الذي يؤكل، والخمط نبت قد أخذ طعماً من المرارة حتى لا يمكن أكله - في قول الزجاج - وقال ابو عبيدة هو كل شجر ذي شوك. وقال ابن عباس والحسن: هو شجر الاراك، وهو معروف. والاثل الطرفا قال قتادة: بدلوا بخير الشجر شر الشجر، فالخمط شجر له ثمر مر. والاثل ضرب من الخشب كالطرفا، إلا انه أكبر. وقيل: الاثل التمر {وشيء من سدر قليل} أي فيهما مع الخمط، والاثل قليل من السدرة.
ثم قال {ذلك جزيناهم بما كفروا} في نعم الله {وهل نجازي} بهذا الجزاء {إلا الكفور} من كفر نعم الله، فمن قرأ بالنون فلقوله {جزيناهم}. ولا يمكن الاستدلال بذلك على أن مرتكب الكبيرة كافر من حيث هو معذب، لأن الله تعالى بين أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الاستئصال إلا من هو كافر، وإن جاز أن يعذب الفاسق بغير ذلك من العذاب. وقال الفراء: المجازاة المكافأة، ومن الثواب الجزاء، تقول: جازاه على معصيته، وجزاه على طاعته. وقال غيره: لا فرق بينهما.
ثم بين تعالى انه جعل بين سبأ، وبين القرى التي يارك فيها. قال قتادة ومجاهد: هي قرى الشام، وقال ابن عباس: هي بيت المقدس {قرى ظاهرة} قال قتادة: معناه متواصلة، لانه يظهر الثانية من الأولى لقربها منها {وقدرنا فيها السير} معناه جعل بين القرية الأولى والثانية مسيرة يوم لراحة المسافر ونزوله فيها {سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين} لا تخافون جوعاً ولا عطشاً ولا ظلماً من أحد، كأنه قيل لهم سيروا كذا، فقالوا {ربنا باعد بين أسفارنا} معناه إنهم نظروا وملوا النعمة، فقالوا لو كان جني ثمارنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، كما قالت بنو إسرائيل
{ فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها } بدلا من المن والسلوى {وظلموا أنفسهم} بارتكاب المعاصي {فجعلناهم أحاديث} فضرب بهم المثل فيقال (تفرقوا أيادي سبأ) أي تشتتوا أعظم التشتت قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الانصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الازد فلحقوا بعمان. وقيل: معنى {جعلناهم أحاديث} أي أهلكناهم والهمنا الناس حديثهم ليعتبروا {ومزقناهم كل ممزق} قال ابن عباس: مزقوا بين الشام وسبأ كل ممزق.
ثم قال تعالى {إن} في ما ذكر {لآيات} ودلالات {لكل صبار شكور} أي صبار على الشدائد شكور على النعماء.
ثم قال تعالى {ولقد صدق عليهم إبليس} صدق {ظنه} فيهم باجابتهم إلى معصية الله وقبولهم منه {فاتبعوه} باجمعهم {إلا فريقاً من المؤمنين} العارفين بالله وبوحدانيته، فخالفوه فلم يتبعوه. فمن شدد (صدق) اسند الفعل إلى إبليس وجعل الظن المفعول به، لان إبليس لما قال تظننا
{ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } فلما تبعه قوم على ذلك صدق ظنه. ومن خفف فالمعنى مثله، لانهما لغتان يقال: صدقت زيداً وصدقته، وكذبته وكذبته وينشد:

وصدقتني وكذبتني والمرء ينفعه كذابه

وقرأ ابو الهجهاج {إبليس} بالنصب {ظنه} بالرفع جعل الظن الفاعل وإبليس المفعول به، وذلك جائز عند النحويين. لانهم يقولون: صدقني ظني وكذبني إلا انه شاذ لا يقرأ به، وقيل: ان إبليس لما اغوى آدم قال ذريته أولى بأن أغويهم، وقال { لأحتنكن ذريته إلا قليلاً } قصدق ذلك ظنه حتى تابعوه. وقال { فبعزتك لأغوينهم أجمعين } وكانت أجابتهم له تصديقاً لظنه.