التفاسير

< >
عرض

وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
٦٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٦٣
ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٦٤
ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٦٥
-يس

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس {جبلا} بضم الجيم والباء خفيفة اللام. وقرأ نافع وابو جعفر وعاصم بكسر الجيم والباء مشددة. وقرأ ابو عمرو وابن عامر بضم الجيم ساكنة الباء خفيفة. هذه كلها لغات والمعنى واحد. قال النوري يقال: جُبلاّ وجِبلاّ وجبلا وجُبلا. وحكى غيره التشديد.
لما حكى الله تعالى ما يقوله الكفار يوم القيامة ويواقفهم عليه من انه عهد اليهم أن لا تعبدوا الشيطان وانه عدوهم، حكى انه كان أمرهم أيضاً بأن يعبدوا الله وأن عبادته صراط مستقيم، فوصف عبادته تعالى بأنه طريق مستقيم من حيث كان طريقاً مستقيماً إلى الجنة. وانه لا تخليط فيه ولا تعريج. ثم قال {ولقد أضل منكم} يعني أضل عن الدين الشيطان منكم {جبلا كثيراً} أي خلقاً كثيراً وإضلاله إياهم هو إغواؤه لهم، كما أضل السامري قوم موسى لما دعاهم إلى عبادة العجل، فكان الاضلال على هذا الوجه قبيحاً، فأما إضلال الله تعالى للكفار عن طريق الجنة إلى طريق النار او إضلالهم بمعنى الحكم عليهم بالضلال، فهو حسن. وأمر الشيطان بالضلال الذي يقع معه القبول إضلال كما يسمى الأمر بالاهتداء الذي يقع عنده القبول هدى.
وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في إرادة الله اضلالهم، لان ذلك اضر عليهم من إرادة الشيطان واشد عليهم في إيجاد العداوة قبل أن يكفروا. و (الجبل) الجمع الذين جبلوا على خليقة، وجبلوا أى طبعوا. وأصل الجبل الطبع ومنه جبلت التراب بالماء إذا صيرته طيناً يصلح أن يطبع فيه، ومنه الجبل لأنه مطبوع على الثبات {أفلم تكونوا تعقلون} أنه يغويكم ويصدكم عن دين الحق فتنتبهون عليه، فهو بصورة الاستفهام ومعناه الانكار عليهم والتبكيت لهم.
ثم يقول الله لهم {هذه جهنم التي كنتم توعدون} بها في دار التكليف حاضرة تشاهدونها {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} معناه الزموا العذاب بها، وأصل الصلو اللزوم فمنه المصلي الذي يجيء في أثر السابق للزومه أثره والصلوان مكتنفا ذنب الفرس للزومها وموضعها. وقولهم: صلى على عادتها للزومه الدعاء، وسميت الصلاة صلاة للزوم الدعاء فيها. وقوله {بما كنتم تكفرون} أي جزاء على كفركم بالله وجحدكم لوحدانيته وتكذيبكم انبياءه.
ثم اخبر تعالى بأنه يختم على افواه الكفار يوم القيامة فلا يقدرون على الكلام والنطق {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} قيل: في معنى شهادة الأيدى قولان:
احدهما - إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها.
والثاني - انه يجعل الله فيها كلاماً ونسبه اليها لما ظهر من جهتها، وقال قوم: انه يظهر فيها من الامارات ما تدل على ان اصحابها عصوا وجنوا بها أقبح الجنايات فسمى ذلك شهادة، كما يقال: عيناك تشهد لسهرك، وقال الشاعر:

امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويداً قد ملأت بطني

وغير ذلك مما قد بيناه في ما تقدم، وكل ذلك جائز، وقال آخر:

وقالت له العينان سمعاً وطاعة وحدّرتا كالدر لما يثقب