التفاسير

< >
عرض

فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
٧٦
أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
٧٧
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
٧٨
قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
٧٩
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ
٨٠
أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ
٨١
إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٨٢
فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٣
-يس

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ رويس {يقدر} بالياء وجعله فعلا مستقبلا. وقرأ الكسائي وابن عباس {فيكون} نصباً عطفاً على {أن نقول.... فيكون} الباقون بالرفع بتقدير، فهو يكون.
هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التسلية له عن تكذيب قومه إياه، فقال {فلا يحزنك قولهم} وضم الياء نافع، وحزن وأحزن لغتان. والحزن ألم القلب بما يرد عليه مما ينافي الطبع، ومثله الغم، وضده السرور والفرح والمعني في صرف الحزن عن النبي صلى الله عليه وآله في كفر قومه هو أن ضرر كفرهم عائد عليهم، لانهم يعاقبون به دون غيرهم. ثم قال {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} أي ما يظهرونه وما يبطنونه فنجازي كلاً منهم على قدره لا يخفى علينا شيء منها. ثم قال منبهاً لخلقه على الاستدلال على صحة الاعادة والنشأة الثانية، فقال {أولم ير الإنسان} ومعناه أولم يعلم {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} ومعناه إنا نقلناه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظم ومن العظم إلى أن جعلناه خلقاً سوياً وجعلنا فيه الروح وأخرجناه من بطن أمه وربيناه ونقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله وصار متكلماً خصيماً عليماً، فمن قدر على جميع ذلك كيف لا يقدر على الاعادة، وهي أسهل من جميع ذلك؟! ولا يجوز أن يكون خلق الانسان ولا خالق له، ولا أن يكون واقعاً بالطبيعة، لانها في حكم الموات في أنها ليست حية قادرة، ومن كان كذلك لا يصح منه الفعل ولا أن يكون كذلك بالاتفاق لان المحدث لا بد له من محدث قادر وإذا كان محكماً فلا بد من كونه عالماً.
وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر، لان الله تعالى أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الأولى، وأنه يلزم من أقر بالأولى أن يقر بالثانية.
ثم حكى تعالى عن بعض الكفار انه {ضرب لنا} أي ضرب لله {مثلا ونسي خلقه} كيف كان في الابتداء {فقال من يحيي العظام وهي رميم} فقال قتادة، ومجاهد: كان القائل ابي بن خلف. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وابل السهمي. وقال ابن عباس: هو عبد الله بن أبي ابن سلول. وقال الحسن: جاء أمية إلى النبي صلى الله عليه وآله بعظم بال قد بلي، فقال يا محمد أتزعم ان الله يبعث هذا بعدما بلي!. قال: نعم، فنزلت الآية. والرميم هو البالي، فقال الله تعالى في الرد عليه {قل} يا محمد لهذا المتعجب من الاعادة {يحييها الذي أنشأها أول مرة} لأن من قدر على الاختراع لما يبقى من غير تغيير عن صفة القادر، فهو على اعادته قادر لا محالة {وهو بكل خلق عليم} أي عالم بكل جنس من أجناس الخلق. ثم وصف نفسه فقال {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} فبين أن من قدر على ان يجعل في الشجر الاخضر الذي هو في غاية الرطوبة ناراً حامية مع تضاد النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض وهو المزح والعفار وغير ذلك من انواع الشجر فيخرج منه النار وينقدح، فمن قدر على ذلك لا يقدر الاعادة؟! ثم نبههم على دليل آخر فقال {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} ومعناه من قدر على اختراع السموات والارض كيف لا يقدر على أمثاله؟! وقد ثبت أن من شأن القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس مثله وجنس ضده. ودخول الباء في خبر (ليس) لتأكيد النفي.
ثم قال تعالى مجيباً عن هذا النفي فقال {بلى وهو الخلاق العليم} أي هو خالق لذلك عالم بكيفية الاعادة.
ثم قال تعالى {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} والمعنى بذلك الاخبار عن سهولة الفعل عليه وانه إذا اراد فعل شيء فعله بمنزلة ما يقول للشيء كن فيكون في الحال، وهو مثل قول الشاعر:

وقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب

وإنما اخبر عن سرعة دمعه دون ان يكون قبولا على الحقيقة. {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} ومعناه تنزيهاً له عن نفي القدرة على الاعادة وغير ذلك مما لا يليق به الذي يقدر على الملك، وفيه مبالغة {وإليه ترجعون} يوم القيامة الذي لا يملك فيه الأمر والنهي سواه، فيجازيكم على قدر اعمالكم من الطاعات والمعاصي بالثواب والعقاب.