التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ
١٤٩
أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
١٥٠
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
١٥١
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٥٢
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ
١٥٣
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
١٥٤
أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
١٥٥
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
١٥٦
فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٥٧
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
١٥٨
سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٥٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٦٠
-الصافات

التبيان الجامع لعلوم القرآن

كلهم قرأ {أصطفى} بفتح الهمزة إلا ورشاً واسماعيل عن نافع، فانهما وصلاه على الخبر. وبه قرأ ابو جعفر قال ابو علي الفارسي: يجوز أن يكون على تقدير لكاذبون في قولهم قالوا: اصطفى، ويجوز ان يكون اصطفى النبات على ما يقولونه، والوجه قطع الهمزة، لأنه على وجه التقريع، ويقويه قوله {أم اتخذ مما يخلق بنات} قال قتادة والسدي: ان قريشاً كانت تقول: الملائكة بنات الله تعالى، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يستفتهم بمعنى ان يطلب الحكم منهم في هذه القضية على وجه التقريع لهم والتوبيخ على قولهم بأن يقول لهم ألرّبكم البنات؟! يعني كيف يقولوا لربك البنات يا محمد ولهم البنون؟ ومن أين علموا ان الملائكة إناثاً اشاهدوا خلق الله لهم؟! فرأوهم اناثاً؟ فانهم لا يمكنهم ادعاء ذلك.
ثم اخبر تعالى فقال {ألا إنهم من إفكهم} أي من كذبهم - في قول قتادة والسدي - هذا القول، وهو ان يقولوا {ولد الله. وإنهم لكاذبون} في هذا القول. ثم قال {آصطفى البنات على البنين} من قطع الهمزة أراد الانكار بلفظ الاستفهام، والمعنى كيف يكون هذا، وكيف يختار البنات على البنين، ومن وصل الهمزة اراد الاخبار بذلك، فالاصطفاء إخراج الصفوة من الشيء، وهي خالصه. وإنما يصطفي الله تعالى افضل الاشياء، ومن اصطفى الأدون على الأفضل مع القدرة على الأعلى كان ناقصاً. والله تعالى لا يليق بصفات النقص في اصطفاء النبات على البنين مع استحالة اتخاذ الولد عليه، لما في ذلك من معنى التشبيه، لأنه إنما يتخذ الولد من يجوز أن يكون مثل ذلك ولداً له، ولذلك لا يجوز أن يتخذ الشاب شيخا ولدا، ولا أن يتخذ الانسان بعض البهائم ولداً، لما لم يكن ذلك ممكناً، فاذا أستحال الولد عليه تعالى، فما هو مشبه به أولى بأن يستحيل عليه.
وأصل (اصطفى) (اصتفى) فقلبت التاء طاء لتعدل الحروف في الاطباق والاستعلاء بما هو من مخرج التاء، فالطاء وسط بين الحرفين لمناسبتها التاء بالمخرج، والصاد بالاستعلاء والاطباق.
قوله {مالكم كيف تحكمون} تهجين لهم بوضعهم الشيء في غير موضعه لأنهم وضعوه موضع الحكمة، وليس الامر كذلك إذ انتم على فاحش الخطأ الذي يدعو اليه الجهل. وقوله {أم لكم سلطان مبين} معناه هل لكم حجة ظاهرة وبرهان بين في ما تدعونه وتحكمون به. وسمي البرهان سلطاناً، لأنه يتسلط به على الانكار لمخالفة الحق والصواب. والبيان إظهار المعنى للنفس.
ثم قال على وجه الانكار عليهم {فأتوا بكتابكم} إن كان معكم حجة من كتاب انزله الله اليكم فهاتوه {إن كنتم صادقين} في هذا القول، فانهم لا يقدرون على ذلك ابداً.
ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم {جعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال الحسن: اشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. وقال قوم: بل لأنهم قالوا: إنه تعالى تزوج من الجن - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وقيل: سميت الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون. ومعنى الآية أن هؤلاء الكفار بجعلهم الملائكة بنات الله جعلوا بينه وبينهم نسباً، وهو قول مجاهد وقتادة.
ثم قال تعالى على وجه الرد عليهم {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} وقال مجاهد وقتادة: قال ذلك لانهم علموا أنهم يحضرون الحساب. وقال السدي: علموا أن قائل هذا القول يحضر الحساب والعذاب. ثم نزه تعالى نفسه عن قولهم وصفتهم، فقال {سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين} استثنى عباده الذين أخلصوا نفوسهم فوجهوا العبادة اليه تعالى ووصفوه بما يليق به من جملة الكفار القائلين بمالا يليق به.