التفاسير

< >
عرض

إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
٨١
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ
٨٢
وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ
٨٣
إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٤
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ
٨٥
أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ
٨٦
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٨٧
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ
٨٨
فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ
٨٩
فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ
٩٠
-الصافات

التبيان الجامع لعلوم القرآن

هذا رجوع من الله تعالى إلى ذكر وصف نوح بأنه كان {من عبادنا المؤمنين} الذين يصدقون بتوحيد الله ووعده ووعيده وجميع أخباره. والعباد جمع عبد، وهو الذليل لملكه بالعبودية. والخلق كلهم عباد الله فمنهم عابد له ومنهم عابد لغيره تضييعاً منهم لحق نعمه وجهلا بما يجب له عليهم. والمؤمن هو المصدق بجميع ما اوجب الله عليه او ندبه اليه. وقال قوم: هو العامل بجميع ما أوجب الله عليه العامل بما يؤمنه من العقاب.
ثم اخبر تعالى انه أغرق الباقين من قوم نوح بعد إخلاصه نوحاً وأهله المؤمنين. ثم قال {وإن من شيعته لإبراهيم} فالشيعة الجماعة التابعة لرئيس لهم، وصاروا بالعرف عبارة عن شيعة علي عليه السلام الذين معه على اعدائه. وقيل من شيعة نوح إبراهيم يعني إنه على منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق. وقال الفراء: معناه وإن من شيعة محمد صلى الله عليه وآله لابراهيم، كما قال
{ أنا حملنا ذريتهم } أي ذرية من هو أب لهم، فجعلهم ذرية لهم وقد سبقوهم، وقال الحسن: معناه على دينه وشريعته ومنهاجه، قال الرماني: هذا لا يجوز، لانه لم يجر لمحمد ذكر، فهو ترك الظاهر، وقد روي عن اهل البيت عليهم السلام إن من شيعته علي لابراهيم. وهذا جائز إن صح الخبر المروي في هذا الباب، لأن الكناية عمن لم يجر له ذكر جائزة إذا اقترن بذلك دليل، كما قال { حتى توارت بالحجاب } ولم يجر للشمس ذكر ويكون المعنى انه على منهاجه وطريقته في اتباع الحق والعدول عن الباطل، وكان ابراهيم وعلي عليهما السلام بهذه المنزلة.
وقوله {إذ جاء ربه بقلب سليم} معناه حين جاء إلى الموضع الذي أمره الله بالرجوع اليه بقلب سليم عن الشرك بريء من المعاصي في الوقت الذي قال لابيه وقومه حين رآهم يعبدون الاصنام من دون الله على وجه التهجين لفعلهم والتقريع لهم {ماذا تعبدون} أي ايّ شيء تعبدون من هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقال لهم {أئفكاً آلهة دون الله تريدون} فالافك هو اشنع الكذب وأفظعه، والافك قلب الشيء عن جهته التي هي له، فلذلك كان الافك كذباً، وإنما جمع الآلهة مع أنه لا إله إلا إله واحد. على اعتقادهم في الالهية. وإن كان توهمهم فاسداً، لما اعتقدوا أنها تستحق العبادة، وكان المشركون قد اوغروا باتخاذ الآلهة إلى ان جاء دين الاسلام وبين الحق فيه وعظم الزجر.
وقوله {دون الله تريدون} معناه إنكم أتريدون عبادة آلهة دون عبادة الله، فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه، كما قال
{ وسأل القرية } أي أهلها، لان الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه. وهذه الاجسام ليست مما يحدث، فلا يصح إرادتها.
وقوله {فما ظنكم برب العالمين} قيل: معناه أي شيء ظنكم به أسوء ظن؟! وقيل معنى {فنظر نظرة في النجوم} أي انه استدل بها على وقت حمى كانت تعتاده {فقال أني سقيم} ومن أشرف على شيء جاز أن يقال انه فيه، كما قال تعالى
{ إنك ميت وإنهم ميتون } ولم يكن نظره في النجوم على حسب المنجمين طلباً للاحكام، لان ذلك فاسد، ومثله قول الشاعر:

اسهري ما سهرت أم حكيم واقعدي مرة لذاك وقومي
وافتحي الباب فانظري في النجوم كم علينا من قطع ليل بهيم

وقال الزجاج نظره في النجوم كنظرهم، لانهم كانوا يتعاطون علم النجوم فتوهموا هم أنه يقول مثل قولهم، فقال عند ذلك {إني سقيم} فتركوه ظناً منهم أن نجمه يدل على سقمه. وقال ابو مسلم: معناه إنه نظر فيها نظر مفكر فاستدل بها على أنها ليست آلهة له، كما قال تعالى في سورة الأنعام { فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي.... } تمام الآيات وكان هذا منه في زمان مهلة النظر. وهذا الذي ذكره يمنع منه سياق الآية، لان الله تعالى حكى عن ابراهيم أنه {جاء ربه بقلب سليم} يعني سليم من الشرك، وذلك لا يليق بزمان مهلة النظر. ثم أنه قال لقومه على وجه التقبيح لفعلهم {ماذا تعبدون أئفكاً آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين} وهذا كلام عارف بالله مستبصر، وكيف يحمل على زمان مهلة النظر. وقيل: في معنى قوله {إني سقيم} إني سقيم القلب مما أرى من أحوالكم القبيحة من عبادة غير الله وعدو لكم عن عبادته مع وضوح الأدلة الدالة على توحيده واستحقاقه للعبادة منفرداً بها. وقيل: إنه كان عرضت له علة في الحال، وكان صادقاً في ذلك. وقيل: معناه إن عاقبتي الموت، ومن كان عاقبته الموت جاز أن يعبر عن حال حياته بأنه مريض. وقيل: معناه إني سأسقم في المستقبل، وقيل: إنه أراد بقوله: سقيم مطعون، فلذلك تركوه خوفاً من أن يتعدى اليهم الطاعون.
فأما من قال: إنه لم يكن سقيماً وإنما كذب فيه ليتأخر عن الخروج معهم إلى عيدهم لتكسير أصنامهم وانه يجوز الكذب في المكيدة والتقية، فقوله باطل، لان الكذب قبيح لا يحسن على وجه.
فأما ما يرونه من أن النبي صلى الله عليه وآله قال
"ما كذب أبي إبراهيم الا ثلاث كذبات يحاجز بها عن ربه: قوله إني سقيم ولم يكن كذلك، وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله في سارة انها أختي وكانت زوجته" .
فأول ما فيه أنه خبر واحد لا يعول عليه. والنبي صلى الله عليه وآله أعرف بما يجوز على الأنبياء وما لا يجوز من كل واحد، وقد دلت الأدلة العقلية على أن الأنبياء لا يجوز أن يكذبوا في ما يؤدونه عن الله من حيث أنه كان يؤدي إلى ان لا يوثق بشيء من اخبارهم وإلى أن لا ينزاح علة المكلفين، ولا في غير ما يؤدونه عن الله من حيث أن تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم، فاذاً يجب ان يقطع على ان الخبر لا أصل له. ولو سلم لجاز أن يكون المعنى مع ظاهره مظاهر للكذب، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، لان قوله {إني سقيم} قد بينا الوجه فيه. وقوله {بل فعله كبيرهم} بيناه في موضعه. وقوله في سارة إنها اختي معناه إنها اختي في الدين، وقد قال الله تعالى إنما المؤمنون أخوة، وإن لم يكونوا بني أب واحد.
وقوله {فتولوا عنه مدبرين} اخبار منه تعالى أنه حين قال لهم إني سقيم أعرضوا عنه وتركوه وخرجوا إلى عيدهم وهو متخلف عنهم،