التفاسير

< >
عرض

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٣٠
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ
٣١
فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ
٣٢
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ
٣٣
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ
٣٤
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦
وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
٣٧
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٣٨
هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٩
وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ
٤٠

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير وحده {بالسؤق} مهموزة. وقال ابن مجاهد: الرواية الصحيحة عنه {بالسوق} على فعول، ولما ضمنت الواو همزها، مثل وفيت وأفيت، فهذه رواية قنبل. وقرأ البزي {بالسوق} مثل أبي عمرو، جمع ساق مثل باح وبوح. والباحة والصرح والعرصة والفناء واحد. ومثله قارة وقور للخيل الصغير. ومن همز سوق فعلى لغة من قال: (أحب المؤفدين إلى موسى)، فهمز انشده ابو الحسن لابي حبة النميري، ولانه لما لم يكن بينها وبين الضمة حاجز صار كأن الضمة عليه فهمز.
اخبر الله تعالى انه وهب لداود سليمان. فقال {نعم العبد} كان سليمان {إنه أواب} أي رجاع إلى طاعة الله وطلب ثوابه. وقوله {إذ عرض} يجوز أن يتعلق بقوله {نعم العبد} أي نعم العبد حين عرض عليه، ويجوز ان يكون العامل فيه واذكر يا محمد إذ عرض على سليمان {بالعشي} يعني آخر النهار {الصافنات الجياد}والصافنات جمع صافنة، قال ابن زيد: صفن الخيل قيامها على ثلاث مع رفع رجل واحدة. يكون طرف الحافر على الارض وقال مجاهد: صفون الفرس رفع احدى يديه حتى يكون على طرف الحافر صفنت الخيل تصفن صفوناً إذا وقفت كذلك قال الشاعر:

الف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا

وقال الزجاج والفراء وغيرهما: كل قائم على ثلاث صافن. والجياد السراع من الخيل فرس جواد كأنه يجود بالركض، كأنه جمع جود كما يقال: مطر جود إذا كان مدراراً ونظيره سوط وسياط. والعرض إظهار الشيء بحيث يرى ليميز من غيره، ومنه قوله {وعرضوا على ربك صفاً} واصله الاظهار قال عمرو بن كلثوم:

واعرضت اليمامة واشمخرت كأسياف بأيدى مصلتينا

أي ظهرت وأعرض عني معناه أظهر جفوة بتوليه عني، وعرض الشيء إذا صار عريضاً.
وقوله تعالى {إني أحببت حب الخير} قال قتادة والسدي المراد بالخير - ها هنا - الخيل والعرب تسمي الخيل الخير، وبذلك سمي (زيد الخيل) أي زيد الخير، وقيل في ذلك وجهان:
احدهما - انه أراد احببت الخير، ثم اضاف الحب إلى الخير.
والثاني - انه أراد احببت اتخاذ الخير، لأن ذوات الخير لا تراد ولا تحب فلا بد من شيء يتعلق بها، والمعنى آثرت حب الخيل على ذكر ربي ويوضع الاستحباب موضع الايثار. كما قال تعالى
{ الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } أي يؤثرون، وقوله {عن ذكر ربي} معناه إن هذا الخيل شغلني عن صلاة العصر حتى فات وقتها، وهو قول علي عليه السلام وقتادة والسدي، وروي أصحابنا انه فاته الوقت الأول، وقال الجبائي: انه لم يفته الفرض، وإنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار ففاته لاشتغاله بالخيل. وقوله {حتى توارت بالحجاب} معناه توارت الشمس بالحجاب يعني بالغيبوبة وجاز الاضمار قبل الذكر، لانه معلوم قال لبيد:

حتى إذا القت يداً في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها

وقال ابو مسلم محمد بن بحر وغيره: وذكر الرماني أن الكناية عن الخيل وتقديره حتى توارت الخيل بالحجاب بمعنى أنها شغلت فكره إلى تلك الحال.
ثم قال لاصحابه {ردّوها عليّ} يعني الخيل فلما ردت عليه {طفق مسحاً بالسوق والأعناق} وقيل: ان الخيل هذه حربها من غنيمة جيش فتشاغل باعتراضها حتى غابت الشمس وفاتته العصر، قال الحسن: كشف عراقيبها وضرب اعناقها، وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة اخرى. وقيل: انه إنما فعل ذلك على وجه القربة إلى الله تعالى بأن ذبحها ليتصدق بلحومها لا لعقوبتها بذلك. وإنما فعل ذلك لانها كانت أعز ماله فاراد بذلك ما قال الله تعالى
{ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وقال ابو عبيدة: يقولون: مسح علاوته أي ضربها. وقال ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها. وقال ابو مسلم محمد بن بحر: غسل اعرافها وعراقيبها إكراماً لها، قال: لان المسح يعبر به عن الغسل من قولهم: تمسحت للصلاة.
ثم قال تعالى على وجه القسم {ولقد فتنا سليمان} ومعناه اختبرناه وابتليناه وشددنا المحنة عليه {والقينا على كرسيه جسداً} قال ابن عباس: القي شيطاناً اسمه صخر على كرسيه. وقال مجاهد: كان اسمه أصف. وقال السدي: كان اسمه خنفيق وكان ملكه في خاتمه يخدمه الجن والشياطين ما دام في يده، فلما أذنب سليمان نزع الله منه الخاتم، وجعل مع الجني فاجتمعت عليه الجن والشياطين. وقيل: انه كان ذنبه انه وطئ في ليلة عدة كثيرة من جواريه حرصاً على كثرة الولد. وقيل: كان ذنبه انه وطئ امرأته في الحيض.
وقوله {ثم أناب} يعني تاب إلى الله من خطيئته، فرد الله عليه الملك لان الجني لما اخذ خاتمه رمى به في البحر فرده عليه من بطن سمكة - ذكر ما قلناه المفسرون - والذي قاله المفسرون من أهل الحق ومن نزه الانبياء عن القبائح ونزه الله تعالى عن مثل ذلك هو انه لا يجوز أن يمكن الله تعالى جنياً ليتمثل في صورة نبي لما في ذلك من الاستبعاد. وإن النبوة لا تكون في الخاتم وانه تعالى لا يسلب النبي نبوته، وليس في الآية شيء من ذلك، وإنما قال فيها انه ألقى على كرسيه جسداً. وقيل في معنى ذلك الجسد اقوال:
منها - إن سليمان قال يوماً في مجلسه وفيه جمع كثير لاطوفن الليلة على مئة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله، وكان له في ما يروى عدد كثير من السراري، فاخرج الكلام على سبيل المحبة لهذا الحال، فنزهه الله عما ظاهره الحرص على الدنيا، لئلا يقتدى به في ذلك، فلم يحمل من نسائه إلا امرأة واحدة ولداً ميتاً، فحمل حتى وضع على كرسيه جسداً بلا روح، تنبيها له على انه ما كان يجب ان يظهر منه ما ظهر، فاستغفر الله وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع، لا على أن ذلك كان صغيرة، ومن قال من حيث انه لم يستثن مشيئة الله في ذلك، فقوله فاسد، لأنه وإن لم يذكر مشيئة الله لفظاً فلا بد من تقديرها في المعنى وإلا لم يأمن أن يكون خبره كذباً، وذلك لا يجوز على الانبياء عند من جوز الصغائر عليهم. قال الحسن وغيره لا يجوز على الانبياء.
ومنها - انه روي ان الجن لما ولد لسليمان ولد قالوا: لنلقين منه ما لقينا من سليمان، فلما ولد له ولد اشفق منهم، فاسترضعه في المزن، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتاً تنبيهاً على ان الحذر لا ينفع مع القدر.
ومنها - انه ذكر انه ولد لسليمان ولد ابتلاه بصبره في إماتة ولده على كرسيه. وقيل: انه أماته في حجره، وهو على كرسيه، فوضعه من حجره.
ومنها - ما ذكره ابو مسلم فأنه قال: يجوز ان يكون الجسد جسد سليمان وأن يكون ذلك لمرض امتحنه الله به، وتقديره والقينا منه على كرسيه جسداً لشدة المرض، كما يقولون: فلان لحم على وضم إذا كان ضعيفاً، وجسد بلا روح تغليظاً للعلة، وقوة الضعف.
ثم حكى ما قاله سليمان حين أناب إلى الله، فانه سأل الله تعالى وقال {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} أي لا تسلبنه كما سلبته في الدفعة الاولى، وقال ابو عبيدة معنى {لا ينبغي} لا يكون، وانشد لابن احمر:

ما ام غفر على دعجاء ذي علق تنفي القراميد عنها الاعصم الوقل
في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة لا ينبغي دونها سهل ولا جبل

وقال ابو عبيدة: أي لا يكون فوقها سهل ولا جبل احصن منها.
فان قيل: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي الشح والضن لانه لم يرض بأن سأل الملك، حتى اضاف إلى ذلك ألا يكون لأحد بعده مثله؟! قلنا قد ثبت أن الانبياء لا يجوز أن يسألوا بحضرة قومهم ما لم يأذن الله لهم في ذلك، فعلى هذا لم لا يجوز ان يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكاً لا يكون لغيره كان لطفاً له في الدين، وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب اليه، لانه يكون مفسدة لغيره ولا صلاح له فيه، ولو أن احدنا صرح بمسألة بهذا الشرط بأن يقول: اللهم اجعلني ايسر اهل زماني وارزقني ما لا يساويني فيه احد إذا كانت المصلحة لي في ذلك لكان هذا جائزاً حسناً، ولم يكن منسوباً إلى بخل، فلا يمتنع أن يسأل النبي ايضاً مثل ذلك.
وقيل: انه لا يمتنع أن يسأل النبي مثل هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن بمحضر من قومه بعد ان يكون الشرط فيه مقدراً.
وقيل فيه وجه أخر، وهو انه عليه السلام إنما سأل ان يكون ملكه معجزة لنبوته يبين بها من غيره ممن ليس بنبي. وقوله {لا ينبغي لأحد من بعدي} معناه لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث اليه، ولم يرد من بعدي إلى يوم القيامة من النبيين.
وقيل: انه لا يمتنع ان يكون المراد انه سأل ملك الآخرة وثواب الجنة الذي لا يناله المستحق إلا بعد أنقطاع التكليف. ومعنى {لا ينبغي لأحد من بعدي} لا يستحقه بعد وصولي اليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به الثواب لانقطاع التكليف.
ثم بين بعد ذلك انه اعطاه ما سأله فقال {فسخرنا له الريح} أي ذللناها له، والتسخير التذليل {تجري بأمره} يعني الريح تتوجه إلى حيث شاء {رخاء} قال قتادة معناه طيبة سريعة، وقال ابن زيد: لينة. وقال ابن عباس: مطيعة، وبه قال الضحاك والسدي والرخاء الريح: اللينة وهو رخاوة المرور سهولته ووصفت باللين، لانها إذا عصفت لم يتمكن منها، وإذا لانت أمكنت.
وقوله {حيث أصاب} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: معناه حيث أراد، يقول القائل: اصاب الله بك الرشاد أي اراد الله، والمعنى انها تنطاع له كيف أراد، وقال الحسن: كان يغدو من أبله، ويقيل بغزوين ويبيت بكابل. والاصابة لحاق البغية، يقال اصاب الهدف بالسهم يصيبه إصابة. ومنه الصواب إدراك الحق بالميل اليه، وقوله {والشياطين} نصبه بالعطف على مفعول {فسخرنا} وتقديره وسخرنا له الشياطين كل بناء وغواص ونصب (كل) على البدل من الشياطين وهو بعضه فالغواص هو الذي يغوص في الماء أي ينزل فيه تقول: غاص يغوص غوصاً فهو غائص وغوصه تغويصاً وكل الشياطين يغوصون له في البحار وغيرها من الانهار بحسب ما يريد منهم ويبنون له الأبنية العجيبة التي يعجز الناس عن مثلها. وقال قتادة: كانوا يغوصون في البحار يستخرجون له الحلي منها، وغير ذلك {وآخرين مقرنين في الأصفاد} الاصفاد واحدها صفاد، وهو الغل وجمعه اغلال. وقال السدي: السلاسل تجمع اليدين إلى العنق والصفد الغل. والصفد العطاء، وبعضهم يقول: اصفدني قال الاعشى:

[تضيفته يوماً فقرب مقعدي] واصفدني على الزمانة قائداً

وذلك انه ارتبط من شكره بمثل الغل، و {مقرنين} هم الذين قرن بعضهم إلى بعض بالسلاسل.
ثم قال تعالى {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قال الحسن: معناه هذا الملك الذي اعطيناك، فاعط ما شئت وامنع ما شئت. وقال قتادة والضحاك: معناه لا تحاسب على ما تعطي وتمنع منه يوم القيامة ليكون اهنأ لك ومعناه ليس عليك تبعة. وقيل: معناه بغير مقدار يجب عليك إخراجه من يدك، ويكون بغير حساب، فامنن او أمسك وقال الزجاج: المعنى سخرنا لك الشياطين عطاء لك منا فاطلق منهم من شئت واحبس من شئت فلا حساب عليك منه.
ثم قال تعالى {وإن له} يعني سليمان {عندنا لزلفى} أي لقربى زيادة على ما أعطيناه في الدنيا {وحسن مآب} أي وحسن مآل في العاقبة.