التفاسير

< >
عرض

وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
٢٤
-النساء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

القراءة:
قرأ الكسائي: "المحصنات"ومحصنات"، بكسر الصاد حيث وقع، إلا قوله: {والمحصنات من النساء} ها هنا فانه فتح الصاد. وقرأ أهل الكوفة إلا أبو بكر، وأبو جعفر: {وأحل لكم} - بضم الهمزة، وكسر الحاء - الباقون: بفتحها. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: "أحصن" بفتح الهمزة والصاد، الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.
المعنى:
قيل في معنى قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ثلاثة أقوال:
أحدها - وهو الأقوى - ما قاله علي (ع)، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو قلابة، وابن زيد، عن أبيه، ومكحول، والزهري، والجبائي: أن المراد به ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم، من سبي من كان لها زوج. وقال بعضهم، مستدلا على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري، أن الآية نزلت في سبي أوطاس، ومن خالفهم ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الأوثان، دخلوا في الاسلام.
الثاني - قال أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن مسعود - في رواية أخرى عنه - وسعيد بن المسيب، والحسن، وابراهيم: إن المراد به ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم ممن قد كان لها زوج، لأن بيعها طلاقها. وقال ابن عباس: طلاق الأمة ست: سبيها طلاقها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاقها. وحكي عن علي (ع)، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: أن السبي خاصة طلاقها، قالوا لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) خير بريرة بعد أن أعتقتها عائشة، ولو بانت بالعتق لما صح. وزعم هؤلاء أن طلاقها كطلاق الحرة.
الثالث - قال أبو العالية. وعبيدة، وسعيد بن جبير، وعطاء، واختاره الطبري: ان المحصنات العفائف، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر والبينة، أو ملك استخدام بثمن الأمة.
اللغة والاعراب:
وأصل الاحصان المنع. وسمي الحصن حصناً لمنعه من أراده من أعدائه، والدرع الحصينة أي المنيعة، والحصان الفحل من الأفراس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان العفيفة من النساء، لمنعها فرجها من الفساد. ومنه قوله:
{ التي أحصنت فرجها } وكذلك أحصنها الزوج، وبناء حصين ممتنع، وحصنت المرأة تحصن حصانة، والحاصن: العفيفة، قال العجاج:

وحاصن من حاصنات ملس من الأذى ومن قراف الوقس

وقال أبو علي الفارسي، قال سيبويه: حصنت المرأة حصناً وهي حصان، مثل: جبنت جبناً فهي جبان، وقالوا حصناً، كما قالوا: علما قال الازهري: يقال للرجل إذا تزوج: أحصن فهو محصن، كقولهم: ألفج فهو ملفج إذا أعدم وافتقر، وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل، بكسر العين، مثل أسمع فهو مسمع، وأعرب فهو معرب، وأفصح فهو مفصح، إلا ما ذكرناه والاحصان على أربعة أقسام:
أحدها - يكون بالزوجة، كقوله: {والمحصنات من النساء}.
والثاني - بالاسلام، كقوله:
{ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات } }. والثالث - بالعفة كقوله: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } }. الرابع - يكون بالحرية، كقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وقوله: {كتاب الله عليكم} يحتمل نصبه وجهين:
أحدهما - أن يكون مصدراً جرى على غير فعله وفيه معناه، كأنه قال: حرم الله ذلك كتاباً من الله، أو كتب كتاباً، كما قال:
{ صنع الله الذي أتقن كل شيء } فنصبه بقوله: { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } فكان ذلك دلالة على أنه قد صنعها فنصب على أنه مصدر، وقال الشاعر:

ورضت فذلت صعبة أي اذلال

لأن معنى رضت أذللت، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوباً على جهة الأمر، ويكون {عليكم} مفسراً، والمعنى: الزموا كتاب الله.
الثاني - على الاغراء، والعامل محذوف، لأن عليكم لا يعمل فيما قبله: وأنشد:

يا أيها المائح دلوى دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا

والمعنى هذا دلوي دونكا، وهو معنى قول الزجاج.
المعنى:
وقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} قيل في معناه أربعة أقوال:
أحدها - قال عبيدة السلماني، والسدي: أحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا باموالكم على وجه النكاح.
الثاني - قال عطاء أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم.
الثالث - قال قتادة: {ما وراء ذلكم} مما ملكت أيمانكم.
الرابع - ما وراء ذوات المحارم إلى الأربع، أن تبتغوا بأموالكم نكاحا، أو بملك يمين، وهذا الوجه أولى، لأنه حمل الآية على عمومها في جميع ما ذكر الله، ولا تنافي بين هذه الاقوال.
ومن فتح الهمزة حمله على أقرب المذكورين في قوله: {كتاب الله علكيم} ومن ضم حمله على {حرمت} وموضع {أن تبتغوا} نصب، ويحتمل نصبه على وجهين:
أحدهما - على البدل من ما.
والثاني - على حذف اللام من "لأن تبتغوا"، ومن قرأ بالضم جاز عنده الرفع والنصب، وقوله: {محصنين} أي عاقدين التزويج، غير مسافحين: عافين للفروج، فال مجاهد، والسدي: معناه غير زانين وأصله: صب الماء، تقول: سفح الدمع إذا صبه، وسفح الجبل أسفله، لانه مصب الماء منه، وسافح إذا زنا لصبه الماء باطلا. وقال الزجاج: المسافح والمسافحة الزانيان غير ممتنعين من أحد، فاذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن، فحرم الله الزنا على كل حال، على السفاح واتخاذ الصديق. وقوله: {فما استمتعتم به منهن} قال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: هو النكاح، وقال ابن عباس، والسدي: هو المتعة إلى أجل مسمى، وهو مذهبنا، لأن لفظ الاستمتاع إذا أطلق لا يستفاد به في الشرع إلا العقد المؤجل، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يقول بالمتعة، وفلان لا يقول بها، ولا يريدون إلا العقد المخصوص، ولا ينافي ذلك قوله:
{ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم } لأنا نقول: إن هذه زوجة، ولا يلزم أن يلحقها جميع أحكام الزوجات، من الميراث، والطلاق، والايلاء، والظهار، واللعان، لأن احكام الزوجات تختلف، ألا ترى أن المرتدة تبين بغير طلاق، وكذلك المرتد عندنا، والكتابية لا ترث، وأما العدة فانها تلحقها عندنا، ويلحق بها أيضاً الولد، فلا شناعة بذلك، ولو لم تكن زوجة لجاز أن يضم ما ذكر في هذه السورة إلى ما في تلك الآية، لأنه لا تنافي بينهما، ويكون التقدير: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم أو ما استمتعتم به منهن وقد استقام الكلام. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: أنهم قرأوا {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى} وذلك صريح بما قلناه، على أنه لو كان المراد به عقد النكاح الدائم لوجب لها جميع المهر بنفس العقد، لأنه قال: {فآتوهن أجورهن} يعني مهورهن، عند أكثر المفسرين، وذلك غير واجب بلا خلاف، وإنما يجب الأجر بكماله في عقد المتعة. وفي أصحابنا من قال: قوله: {أجورهن} يدل على أنه أراد المتعة، لأن المهر لا يسمى أجراً، بل سماه الله صدقة ونحلة، وهذا ضعيف، لأن الله سمى المهر أجراً في قوله { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن } وقال: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } ومن حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكباً لما يعلم خلافه، ومن حمل لفظ الاستمتاع على الانتفاع فقد أبعد، لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم من لا ينتفع بها شيء من المهر، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزمه نصف المهر، وإن خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء، وإن لم يلتذ ولم ينتفع.
وأما الخبر الذى يروونه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن المتعة، فهو خبر واحد لا يترك له ظاهر القرآن، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته فتارة يروون أنه نهى عنها في عام خيبر، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح، وقد طعن أيضاً في طريقه بما هو معروف، وأدل دليل على ضعفه قول عمر: (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) فأخبر أن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنه الذي نهى عنهما، لضرب من الرأي. فان قالوا. إنما نهى لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان نهى عنهما، قلنا: لو كان كذلك لكان يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهى عنهما، وأنا أنهى عنهما أيضاً، فكان يكون آكد في باب المنع، فلما لم يقل ذلك دل على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وصح ما قلناه. وقال الحكم بن عتيبة، قال علي (ع) لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذكر البلخي، عن وكيع، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود: قال كنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ونحن شباب، فقلنا يا رسول الله ألا نستخصي، قال: لا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، إلى أجل. وقوله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} قال الحسن، وابن زيد: أي تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره، أو هبة جميعه. وقال السدي وقوم من أصحابنا: معناه: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة التي تراضيتم عليها، فتزيدها في الأجر وتزيدك في المدة. وفي الآية دلالة على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، لأن قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} عام في جميعهن، ومن ادعى نسخه فعليه الدلالة، وما يروى من قوله (صلى الله عليه وسلم):
"لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها" خبر واحد لا ينسخ به القرآن، ولو كان معلوماً لما جاز أن ينسخ به القرآن عند أكثر الفقهاء، لأن نسخ القرآن لا يجوز عندهم بالسنة، وادعاؤهم الاجماع على الخبر غير مسلم، لأنا نخالف فيه. وقوله: {إن الله كان عليماً حكيماً} معناه عليما بما يصلح أمر الخلق، حكيما فيما فرض لهم من عقد النكاح الذى به حفظت الأموال، والانساب. قال البلخي: والآية دالة على أن نكاح المشركين ليس بزنا. لأن قوله: {والمحصنات من النساء} المراد به ذوات الازواج من أهل الحرب، بدلالة قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} بسبيهن ولا خلاف أنه لا يجوز وطي المسبية إلا بعد استبرائها بحيضة.