التفاسير

< >
عرض

وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٦
-النساء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

المعنى:
هذا خطاب لأولياء اليتامى، أمر الله تعالى بأن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. وهو قول قتادة، والحسن، والسدي، ومجاهد، وابن عباس، وابن زيد. وقد بينا أن الابتلاء معناه الاختبار فيما مضى. وقوله: {حتى إذا بلغوا النكاح} معناه: حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لأن في الناس من لا يحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهو قول أكثر المفسرين: مجاهد، والسدي، وابن عباس، وابن زيد. ومنهم من قال: إذا كمل عقله، واونس منه الرشد، سلم إليه ماله، وهو الاقوى. ومنهم من قال: لا يسلم إليه حتى يكمل له خمس عشرة سنة، وإن كان عاقلا، لأن هذا حكم شرعي، وبكمال العقل تلزمه المعارف لا غير، وقال أصحابنا: حد البلوغ إما بلوغ النكاح، أو الانبات في العانة، أو كمال خمس عشرة سنة. وقوله: {فإن آنستم منهم رشداً} معناه: فان وجدتم منهم رشدا وعرفتموه، وهو قول ابن عباس.
اللغة:
تقول: آنست من فلان خيراً إيناساً وأنست به أنساً: إذا ألفته. وفي قراءة عبد الله: فان أحسيتم يعني أحسستم، أي وجدتم، والاصل فيه: أبصرتم.
ومنه قوله:
{ آنس من جانب الطور ناراً } } أي أبصر، ومنه أخذ انسان العين، وهو حدقتها التي يبصر بها.
المعنى:
واختلفوا في معنى الرشد، فقال السدي، وقتادة: معناه عقلا وديناً وصلاحاً. وقال الحسن، وابن عباس: معناه: صلاحاً في الدين، وإصلاحاً للمال. وقال مجاهد، والشعبي: معناه العقل. قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخاً، حتى يؤنس منه رشده: العقل. وقال ابن جريج: صلاحاً، وعلماً بما يصلحه.
والاقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ما قال ابن عباس، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، للاجماع على أن من يكون كذلك لا يجوز الحجر في ماله، وان كان فاجراً في دينه، فاذا كان ذلك اجماعا فكذلك إذا بلغ، وله مال في يد وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلحاً لما له، وإن كان فاسقاً في دينه. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسداً في ماله، من حيث أنه إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسداً له، فكذلك في حال كمال العقل إذا صار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، وهو المشهور في أخبارنا.
ومن الناس من قال: لا يجوز الحجر على العاقل، ذكرناه في الخلاف. وقوله: {فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً} فهو خطاب لأولياء اليتيم، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم، وأونس منه الرشد، على ما فسرناه، أن يسلم إليه ماله، ولا يحبسه عنه. وقوله: {ولا تأكلوها إسرافاً} معناه بغير ما أباحه الله لكم. وقال الحسن، والسدي: الاسراف في الاكل. وأصل الاسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الافراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الافراط يقال منه: أسرف يسرف إسرافاً، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفاً، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يريد: فسهوت عنكم، واخطأتكم، كما قال الشاعر:

اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم منّ ولا سرف

يعني لا خطأ فيه، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطونها. وقوله: {وبداراً أن يكبروا} فالبدار والمبادرة مصدران، فنهى الله تعالى أولياء اليتامى أن يأكلوا أموالهم اسرافاً بغير ما أباح الله لهم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم، حذراً أن يبلغوا، فيلزمكم تسليمه إليهم، وبه قال ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد.
وأصل البدار الامتلاء. ومنه البدر القمر، لامتلائه نوراً، والبدرة: لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، وموضع "أن" نصب بالمبادرة، والمعنى: لا تأكلوها مبادرة كبرهم. وقوله: {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} يعني: من كان غنياً من ولاة أموال اليتامى فليستعفف بماله عن أكلها، وبه قال ابن عباس، وابراهيم. وقوله: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال عبيدة: معناه القرض، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، ألا ترى أنه قال: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم}
{ومن كان فقيراً} فاختلفوا في الوجه الذي يجوز له أكل مال اليتيم به إذا كان فقيراً، وهو المعروف، فقال سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبو العالية، وأبو وائل، والشعبي، ومجاهد، وعمر بن الخطاب: هو أن يأخذه قرضاً على نفسه فيما لا بد له منه، ثم يقضيه، وبينا أنه المروي عن أبي جعفر (ع). وقال الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح: يأخذ ما سد الجوعة، ووارى العورة، ولا قضاء عليه، ولم يوجبوا أجرة المثل، لأن أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في أخبارنا أن له أجرة المثل، سواء كان قدر كفايته، أو لم يكن. وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل هل له أن يصيب من ألبانها؟ فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، فأصبت من رسلها، غير مضر بغسل ولا ناهكه في الحلب.
معنى تلوط حوضها: تطينه، وتهنأ جرباها، معناه: تطليها بالهناء، وهو الخضخاض، ذكره الازهري، والرسل اللبن، والنهك: المبالغة في الحلب.
واختلفوا في هل للفقير من ولي اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله، فقال عمرو بن عبيد: ليس له ذلك، لقوله: {فليأكل بالمعروف} فخصه بالاكل، وقال الجبائي: له ذلك لأن قوله: {بالمعروف} يقتضي أن يأكل هو وعياله، على ما جرت به العادة في أمثاله، وقال إن كان المال واسعاً كان له أن يأخذ قدر كفايته، له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل لا غير، وإنما لم يجعل له أجرة المثل إذا كان المال كثيراً، لأنه ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته بالمعروف، وعلى ما قلناه من أن له أجرة المثل سقط هذا الاعتبار وقوله: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} خطاب لأولياء اليتامى، إذا دفعوا أموال اليتامى إليهم، أن يحتاطوا لأنفسهم بالاشهاد عليهم، لئلا يقع منهم جحود، ويكونوا أبعد من التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم، أو استقرضوه ديناً على نفوسهم، فان الاشهاد يقتضيه الاحتياط، وليس بواجب. وقوله: {كفى بالله حسيباً} معناه: كفى الله، والباء زائدة، وقال السدي: معناه: شهيدا ها هنا، وقيل: معناه: وكفى بالله كافياً من الشهود، ولأن أحسبنى معناه: كفاني، والمعنى: وكفى بالله شهيداً في الثقة بايصال الحق إلى صاحبه والمحسب من الرجال المرتفع النسب. والمحسب، المكفى. وولي اليتيم المأمور بابتلائه، وهو الذي جعل إليه القيام به، من وصي، أو حاكم، أو أمين،، ينصبه الحاكم. وأجاز أصحابنا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان ملياً، وفيه خلاف.