التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٢
غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
٣
مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ
٤
كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
٥
-غافر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

خمس آيات في الكوفى وأربع فى ما عداه عدّ الكوفيون (حم) آية ولم يعدها الباقون.
قرأ اهل الكوفة إلا حفصاً وابن ذكوان {حاميم} بامالة الألف. الباقون بالفتح من غير امالة وهما لغتان فصيحتان. وقال قوم {حم} موضعه نصب، وتقديره اتل {حم} اقرأ {حم} وقال آخرون: موضعه جرّ بالقسم. ومن جزم قال: لانها حروف التهجي وهي لا يدخلها الاعراب، وقد فتح الميم عيسى ابن عمر، وجعله اسم السورة، فنصبه ولم ينون، لأنه على وزن (هابيل) ويجوز ان يكون فتح لالتقاء الساكنين. والقراء على تسكين الميم وهو الأجود لما بيناه.
وقد بينا اختلاف المفسرين واهل العربية فى مبادىء السور بحروف التهجي ومعناها، وأن اقوى ما قيل في ذلك انها اسماء للسور، وذكرناها في الأقوال، فلا نطول باعادته.
وقال قتادة والحسن: (حم) اسم السورة. وقال شريح بن أوفى العبسي:

يذكرني (حم) والرمح شاهر فهلا تلا (حم) قبل التقدم

وقال الكميت:

وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منا تقي ومعرب

وقوله {تنزيل الكتاب} أي هو تنزيل {من الله} أنزله على نبيه {العزيز} معناه القادر الذي لا يغالب ولا يقهر المنيع بقدرته على غيره ولا يقدر عليه غيره. وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى واصل الصفة المنع من قولهم: عزّ كذا وكذا أي امتنع، وفلان عزيز أي منيع بسلطانه او عشيرته أو قومه "والعليم" الكثير العلوم والعالم الذي له معلوم.
وقوله {غافر الذنب} جرّ بأنه صفة بعد صفة، ومعناه من شأنه غفران الذنب في ما مضى وفي ما يستقبل، فلذلك كان من صفة المعرفة {وقابل التوب} قال الفراء: إنما جعلها نعتاً للمعرفة وهي نكرة، لأن المعنى ذي الغفران، وذي قبول التوبة كقوله {ذي الطول} وهو معرفة وإن جعلته بدلا كانت النكرة والمعرفة سواء، ومعنى {قابل التوب} إنه يقبل توبة من تاب اليه من المعاصي بأن يثيب عليها ويسقط عقاب معاصي ما تقدمها تفضلا منه، ولذلك كان صفة مدح، ولو كان سقوط العقاب عندها واجباً لما كان فيه مدح و (التوب) يحتمل وجهين:
احدهما - ان يكون جمع توبة كدوم ودومة وعوم وعومة.
والثاني - ان يكون مصدر (تاب يتوب توباً).
وقوله {شديد العقاب} معناه شديد عقابه وذكر ذلك عقيب قوله {غافر الذنب} لانه أراد لئلا يعول المكلف على العفو بل يخاف عقابه أيضاً لأنه كما انه يغفر لكونه غافراً فقد يعاقب لكونه شديد العقاب. وفرق بين شدة العقاب وتضاعف الالام بان الخصلة الواحدة من الألم يكون اعظم من خصال كثيرة من ألم آخر كالالم في اجزا كثيرة من قرض برغوث.
وقوله {ذي الطول} قال ابن عباس وقتادة: معناه ذي النعم. وقال ابن زيد: معناه ذي القدرة. وقال الحسن: ذي التفضل على المؤمنين. وقيل (الطول) الانعام الذي تطول مدته على صاحبه كما أن التفضل النفع الذي فيه افضال على صاحبه. ولو وقع النفع على خلاف هذا الوجه لم يكن تفضلا. ويقال: لفلان على فلان طول أي فضل.
وقوله {لا إله إلا هو} نفي منه تعالى أن يكون معبود على الحقيقة يستحق العبادة غيره تعالى. ثم قال {إليه المصير} ومعناه تؤل الأمور إلى حيث لا يملك أحد الامر والنهي والضر والنفع غيره تعالى، وهو يوم القيامة، لأن دار الدنيا قد ملك الله كثيراً من خلقه الأمر والنهي والضر والنفع. ثم قال {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} معناه لا يخاصم في دفع حجج الله وإنكارها وجحدها إلا الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بآياته وأدلته. ثم قال لنبيه {فلا يغررك} يا محمد {تقلبهم في البلاد} أي تصرفهم لقولهم: لفلان مال يتقلب فيه أي يتصرف فيه. والمعنى لا يغررك سلامتهم وإمهالهم، فان عاقبتهم تصير إليّ ولا يفوتونني. وفي ذلك غاية التهديد.
ثم بين ذلك بأن قال {كذبت قبلهم} أي قبل هؤلاء الكفار {قوم نوح} بان جحدوا نبوته {والأحزاب من بعدهم} أيضاً كذبوا رسلهم {وهمت كل أمة برسولهم} وإنما قال برسولهم لأنه اراد الرجال. وفي قراءة عبد الله {برسولها ليأخدوه} قال قتادة هموا به ليقتلوه {وجادلوا بالباطل} أي وخاصموا في دفع الحق بباطل من القول. وفي ذلك دليل على ان الجدال إذا كان بحق كان جائزاً {ليدحضوا به الحق} أي ليبطلوا الحق الذي بينه الله واظهره ويزيلوه، يقال: أدحض الله حجته. وقال تعالى
{ حجتهم داحضة عند ربهم } أي زائلة. ثم قال {فأخذتهم} أي فأهلكتهم ودمرت عليهم {فكيف كان عقاب} فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك؟!