التفاسير

< >
عرض

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
٥١
أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ
٥٢
فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
٥٣
فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٤
فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ
٥٦
وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
٥٧
وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
٥٨
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
٥٩
وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٦٠
-الزخرف

التبيان الجامع لعلوم القرآن

عشر آيات كوفي وشامي. واحدى عشرة في ما عداه، عدوا {مهين} ولم يعده الكوفيون والشاميون.
قرأ حفص عن عاصم {اسورة} بغير ألف. الباقون {أساورة} بألف. وقرأ حمزة والكسائي وخلف "سلفاً" بضم السين واللام. الباقون بفتحهما. فمن قرأ بالضم فيهما أراد جمع سليف أي جمع قد مضى من الناس. ومن قرأ "أسورة" أراد جمع سوار، وقال أبو عبيدة: وقد يكون أسوار جمع أسورة. ومن قرأ "سلفاً" بضم السين واللام جعله جمع سليف. وقال ابو علي: ويجوز أن يكون جمع (سلف) مثل أسد واسد، ووثن ووثن. ومن فتح فلأن (فَعَلا) جاء في حروف يراد بها الكثرة، فكأنه اسم من اسماء الجمع، كقولهم خادم وخدم. والفتح اكثر. وقد روي - بضم السين - وقرأ الكسائي ونافع وابن عامر "يصدون" بضم الصاد بمعنى يعرضون أي يعدلون. الباقون - بفتح الياء وكسر الصاد - بمعنى يضجون. وقيل: هما لغتان.
لما حكى الله تعالى عن قوم فرعون أنه حين كشف العذاب عنهم نكثوا عهدهم وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، نادى فرعون في قومه الذين اتبعوه على دينه، وقال لهم {يا قوم} على وجه التقرير لهم {أليس لي ملك مصر} أتصرف فيها كما أشاء لا يمنعني احد منه {وهذه الأنهار} كالنيل وغيرها {تجري من تحتي} أي من تحت أمري. وقيل: إنها كانت تجري تحت قصره، وهو مشرف عليها {أفلا تبصرون} أن ما ادعيه حق وأن ما يقوله موسى باطل. وقيل: قوله {من تحتي} معناه إن النيل كانت تجري منه أنهار تحت قصره. وقيل {من تحتي} من بين يديه لارتفاع سريره. ثم قال لهم فرعون {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} وقال قوم: معنى (أم) بل. فكانه قال: بل أنا خير من موسى، وقال قوم: مخرجها مخرج المنقطعة، وفيها معنى المعادلة لقوله {أفلا تبصرون} أم انتم بصراء، لأنهم لو قالوا نعم لكان بمنزلة قولهم انت خير. والاصل فى المعادلة على أي الحالين أنتم على حال البصر أم على حال خلافه. ولا يجوز ان يكون المعنى على أي الحالين أنتم على حال البصر أم حال غيرها فى أني خير من هذا الذي هو مهين، وإنما المعادلة تفصيل ما أجمله. وقيل له - ها هنا - بتقدير أنا خير من هذا الذي هو مهين أم هو إلا أنه ذكر بـ (أم) لاتصال الكلام بما قبله. وحكى الفراء (اما أنا) وهذا شاذ على انه جيد المعنى. والمهين الضعيف - في قول قتادة والسدي - وقيل: معناه فقير. وقيل يمتهن نفسه فى جميع ما يحتاج اليه ليس له من يكفيه، ولا يكاد يبين - وقال الزجاج للثة كانت فى لسانه. وقال قتادة: كانت فى لسانه آفة - وبه قال السدي. وقيل: إنه كان احترق لسانه بالجمر الذي وضعه فى فيه حين أراد أن يعتبر فرعون عقله لما لطم وجهه، وأراد أن يأخذ غير النار فصرف جبرائيل يده إلى النار، فدفع عنه القتل، وقال الحسن: كان فى لسانه ثقل، فنسبه إلى ما كان عليه أولا.
وقوله {فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب} معناه هلا إن كان صادقاً في نبوته طرح عليه أساورة من ذهب. فمن قرأ (أساورة) بألف أراد جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهو الذي يلبس فى اليد. وأما اسوار، فهو الرامي الحاذق بالرمي، ويقال أسوار - بالضم - ومن جعله جمع أسورة اراد أساوير، فجعل الهاء عوضاً عن الياء. مثل الزنادقة، فلذلك صرفه، لانه صار له نظير فى الآحاد. ومثله فى الجمع الزنادقة. والاسورة الرجل الرامي الحاذق بالرمي من رجال العجم.
وقوله {أو جاء معه الملائكة مقترنين} قال قتادة ومعناه متتابعين، وقال السدي معناه يقارن بعضهم بعضاً. وقيل معناه متعاضدين متناصرين كل واحد مع صاحبه ممالياً له على أمره. وقال مجاهد: معناه مقترنين يمشون معه.
وقوله {فاستخف قومه} يعني فرعون استخف عقول قومه، فأطاعوه في ما دعاهم اليه، لانه احتج عليهم بما ليس بدليل، وهو قوله {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ولو عقلوا وفكروا لقالوا ليس فى ملك الانسان ما يدل على انه محق لكون ملوك كثيرة يخالفونك مبطلين عندك، وليس يجب ان يأتي مع الرسل ملائكة، لأن الذي يدل على صدق الجميع المعجز دون غيره.
ثم اخبر الله تعالى عنهم بأنهم كانوا قوماً فاسقين خارجين عن طاعة الله إلى معصيته. ثم قال {فلما أسفونا انتقمنا منهم} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: معنى اسفونا أغضبونا، لأن الله تعالى يغضب على العصاة بمعنى يريد عقابهم، ويرضى عن المطيعين بأن يريد ثوابهم بما يستحقونه من طاعاتهم ومعاصيهم كما يستحقون المدح والذم. وقيل الاسف هو الغيظ من المغتم إلا انه - ها هنا - بمعنى الغضب. ثم بين تعالى بماذا انتقم منهم، فقال {فأغرقناهم أجمعين} ثم قال {فجعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين} فالسلف المتقدم على غيره قبل مجيء وقته، ومنه السلف في البيع. والسلف نقيض الخلف. ومن قرأ - بضم السين واللام - فهو جمع سليف من الناس، وهو المتقدم أمام القوم. وقيل: معناه {جعلناهم سلفاً} متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. وقال قتادة: جعلناهم سلفاً إلى النار ومثلا أي عظة للآخرين. والمثل بيان عن أن حال الثاني كحال الأول بما قد صار فى الشهرة كالعلم، فحال هؤلاء المشركين كحال من تقدم فى الاشراك بما يقتضي أن يجروا مجراهم فى الاهلاك إن اقاموا على الطغيان.
ثم قال الله تعالى {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} قيل: المراد بذلك لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم فى قوله
{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } اعترض على النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك قوم من كفار قريش، فانزل الله تعالى هذه الآية. ووجه الاحتجاج في شبه المسيح بآدم أن الذي قدر أن ينشىء آدم من غير ذكر قادر على إنشاء المسيح من غير ذكر، فلا وجه لاستنكاره من هذا الوجه. وقيل: إنه لما ذكر المسيح بالبراءة من الفاحشة وانه كآدم في الخاصة، قالوا: هذا يقتضي ان نعبده كما عبده النصارى. وقيل: انه لما نزل قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } قالوا قد رضينا أن يكون آلهتنا مع المسيح. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال يوماً لعلي عليه السلام "لولا أني اخاف ان يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولا لا تمرّ بملاء إلا اخذوا التراب من تحت قدميك" انكر ذلك جماعة من المنافقين، وقالوا: لم يرض ان يضرب له مثلا إلا بالمسيح، فانزل الله الآية.
وقوله {يصدون} بكسر الصاد وضمها لغتان. وقد قرىء بهما مثل يشد ويشد وينم وينم من النميمة. وقيل: معنى يصدون - بكسر الصاد - يضجون أي يضجون سروراً منهم بأنهم عبدوا الأوثان كما عبد النصارى المسيح ومن ضمها أراد يعرضون.
ثم حكى عن الكفار انهم قالوا آلهتنا خير أم هو؟! قال السدي: يعنون أم المسيح. وقال قتادة: يعنون أم محمد صلى الله عليه وآله وقيل: معنى سؤالهم آلهتنا خير ام هو؟ انهم ألزموا مالا يلزم على ظن منهم وتوهم، كأنهم قالوا: ومثلنا في ما نعبد مثل المسيح، فأيهما خير أعبادة آلهتنا أم عبادة المسيح، على انه إن قال عبادة المسيح اقر بعبادة غير الله، وكذلك إن قال عبادة الأوثان. وإن قال ليس فى عبادة المسيح خير، قصر به عن المنزلة التي ليست لأحد من سائر العباد. وجوابهم عن ذلك إن اختصاص المسيح بضرب من التشريف والانعام عليه لا يوجب العبادة له كما لا يوجب ذلك انه قد أنعم على غيره النعمة. ووجه اتصال سؤالهم بما قبله انه معارضة لالهية الأوثان بالهية المسيح كمعارضة إنشاء المسيح عن غير ذكر بانشاء آدم عليه السلام من غير ذكر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله ما ضربوه يعني المسيح مثلا {إلا جدلا} أي خصومة لك ودفعاً لك عن الحق، لأن المجادلة لا تكون إلا وأحد المجادلين مبطلا. والمناظرة قد تكون بين المحقين، لأنه قد يعارض ليظهر له الحق.
ثم قال تعالى {بل هم قوم خصمون} أي جدلون فى دفع الحق بالباطل. ثم وصف المسيح عليه السلام فقال {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} أي ليس هو سوى عبد خلقناه وانعمنا عليه {وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} قال السدي وقتادة: يعني موعظة وعبرة لهم يعتبرون به ويتعظون به. ثم قال {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة} أي بدلا منكم معاشر بني آدم ملائكة في الارض {يخلفون} بني آدم غير انه انشأ بني آدم لاسباغ النعمة عليهم. وقرأ قالون عن نافع {آلهتنا} بهمزة واحدة بعدها مدة. الباقون بهمزتين على اصولهم، غير انه لم يفصل احد بين الهمزتين بألف، وانما حققهما اهل الكوفة وروح. ولين الباقون الثانية. وقال ابو عبد الله بن خالويه: هي ثلاث ألفات الأولى للتوبيخ والتقرير بلفظ الاستفهام والثانية الف الجمع والثالثة اصلية. والاصل {ءالهتنا} فصارت الهمزة الثانية مدة ثم دخلت الف الاستفهام.