التفاسير

< >
عرض

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١١٠
-المائدة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ حمزة والكسائي وخلف "ساحر" بألف ها هنا وفي أول سورة يونس، وفي هود، وفي الصف. وأفقهم ابن عامر وعاصم في يونس.
وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه من صفة يوم القيامة كما ان ما قبله من صفتها ومن خطاب الرسل بالمسألة والتذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق التوبيخ من اممهم وتبشير من يستحق البشارة منهم.
العامل في {إِذ} يحتمل أحد أمرين: أحدهما - الابتداء عطفاً على قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} قال وذلك {إذ قال} فيكون موضعه رفعاً كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه وفعلنا اذ صاح بك صائح فاجبته وتركتني.
الثاني - اذكر اذ قال الله. وقال بعضهم ان معناه ماذا أجبتم على عهد عيسى. قال الرماني: هذا غلط، لانه من صفة (يوم القيامة) وعندي لا يمتنع أن يكون المراد بذلك اخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) اذ قال الله لعيسى بن مريم إِذكر، أي أخبر قومك ما أنعمت به عليك وعلى أمك، واشكر ذلك اذ أيدتك بروح القدس. وروح القدس هو جبرائيل وحسن قوله {إذ قال} ولم يقل (يقول) لانه عطف على ما قبله لانه قدم ذكر الوقت. وتأييد الله هو ما قواه به وأعانه على أمور دينه، وعلى رفع ظلم اليهود والكافرين عنه. ووزن {أيدتك} فعلتك من الايد على وزن قربتك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك من الايد. وقرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الايد. وروح القدس جبرائيل قال الحسن والقدس هو الله.
وقوله {تكلم الناس في المهد} أي انك تكلم الناس في حال ما كنت صبياً في المهد - والمهد حجر أمه، في قول الحسن - وفي حال ما كنت كهلا. قال أبو علي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ما أرسله الله به إلى عباده، وما يدعوهم اليه من طاعة الله وتصديق رسله، لانه كان بين لهم عند كلامه في المهد
{ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً } فبين لهم في هذا وفي وقت ما صار كهلا ان الله بعثه نبيا ولم يتكلم أحد من الانبياء في المهد سواه ولم يبعث أحد عندما ولد غيره، فذكره هذه النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك.
ونصب قوله {كهلا} يحتمل أمرين:
أحدهما - على ان يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيراً وكهلا.
الثاني - أن يكون عطفاً على موضع في المهد، أي وتكلمهم كهلا بالرسالة.
وقوله {وإذ علمتك الكتاب} يعني واذكر {إذ}. وقيل في معنى {الكتاب} قولان:
أحدهما - انه اراد الخط الكتابة.
الثاني - الكتب فيكون على طريق الجنس ثم فصله بذكر التوراة والانجيل.
وقوله {والحكمة} يعني العلم بما في تلك الكتب.
وقوله {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} أي واذكر ذلك أيضا كل ذلك تذكير له بنعمه عليه والخلق هو الفعل المقدر على مقدار يعرفه الفاعل، فعلى هذا جميع أفعاله تعالى توصف بأنها مخلوقة، لانه ليس فيها شيء على وجه السهو والغفلة، ولا على سبيل المجازفة. ومعنى ذلك أنه خلق من الطين كهيئة الطير أي تصور الطين بصورة الطير الذي تريد. وسماه خلقاً لانه كان يقدره.
وقوله {بإذني} أي تفعل ذلك باذني وأمري.
وقوله {فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني} معناه انه نفخ فيها الروح، لأن الروح جسم ويجوز أن ينفخها المسيح بامر الله. والطير يؤنث ويذكر فمن أنث أراد الجمع ومن ذكر فعلى اللفظ. والطير واحده طائر مثل ضائن وضأن وراكب وركب. وقد قالوا (أطيار) مثل صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد، ويمكن أن يكون (أطيار) جمع طير مثل ثبت واثبات وبيت وابيات.
قال أبو علي وقد ينفخها في الجسم على ما أخبر الله به جبرائيل، وعلى ما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يبعث اليه ملكا عند تمام مئة وعشرين يوما فينفخ فيه الروح ويكتب أجله ورزقه وشقي هو أم سعيد، وبين بقوله {فيكون طيراً بإذني} أنه اذا نفخ المسيح (ع) فيها الروح قلبها الله لحماً ودماً، وخلق فيها الحياة فصارت طائراً باذن الله وإِرادته لا بفعل المسيح (ع) فلذلك قال {فيكون طيراً بإذني}.
وقوله {وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني} معناه إِنك تدعوني حتى أبرىء الاكمه، وهوالذي خلق أعمى. وقال الخليل: يكون الذي عمي بعد ان كان بصيراً والأصل الاول. والأبرص معروف ونسب ذلك الى المسيح لما كان بدعائه وسؤاله.
وقوله {وإِذ تخرج الموتى بإذني} أي اذكر اذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك وأخرجهم من القبور حتى يشادهم الناس أحياء. وانما نسبه إلى عيسى لما بينا من أنه كان بدعائه.
وقوله {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات} أي اذكر إِذ كففت هؤلاء عن قتلك وإِذ أيدتك حين جئتهم بالبينات مع كفرهم وعتوهم مع قولهم ان ما جئت به من الآيات سحر مبين. ويجوز أن يكون كفهم بألطافه التي لا يقدر عليها غيره، ويجوز أن يكون كفهم بالمنع والقهر كما منع من أراد قتل نبينا (صلى الله عليه وسلم) وقيل لأنه ألقى شبهه على غيره حتى قتلوه ونجا.
ومن قرأ (ساحر) أراد أن عيسى ساحر مبين أي ظاهر بين. والسحر هو الباطل المموه بالحق. وقوله في أول الآية {اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} أي اخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم، لانهم ادعوا عليه أنه إِله وأنه لم يكن عبداً منعما عليه، ثم عدد النعم نعمة نعمة على ما بينا. وقال الطبري: انما عدد الله تعالى هذه النعم على عيسى (ع) حين رفعه اليه فلذلك قال {إِذ قال الله}.