التفاسير

< >
عرض

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ
٨٨
-المائدة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

سبب نزول هذه الآية والتي قبلها على ما قال عكرمة وأبو قلابة وأبو مالك وابراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك: إِن جماعة من الصحابة منهم علي (ع) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبد الله بن عمر، همَّوا بصيام الدهر وقيام الليل، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم. فروي " أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت: يا رسول الله إِئذن لي في الترهب فقال: لا إِنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فقلت: يا رسول الله أتأذن لي في السياحة قال: سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله فقلت: يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال: ليس منا من خصا واختصا إِنما اختصاء أمتي الصوم" .
وقوله {وكلوا} لفظه لفظ الأمر والمراد به الاباحة أباح الله تعالى للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالاً طيباً، فالرزق هو ما للحي الانتفاع به وليس لغيره منعه منه. وقال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ومن ذلك قيل: رزق السلطان الجند اذا جعل لهم عطاء جارياً في حكمه في كل شهر أو في كل سنة. قال الرماني: وكلما خلقه الله في الأرض مما يملك، فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إِلا أنه وإِن كان رزقاً لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الأملاك، ولا يجوز أن يكون الرزق حراماً، لأن الله منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراماً اذا حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لا يحل، قال وما افترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لأن المشرك يملك ما في يده، فاذا غلبنا عليه بطل ملكه، وصار رزقاً لنا في هذه الحال، قال: وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان، وأذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إِن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا.
وعندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إِنما نقول: إِن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما ما لنا منعه منه إِما بأن يكون ملكاً لنا أو أذن لنا فيه، فلا يكون رزقاً له بالاطلاق، وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقاً له وعقاباً للمشرك، والأصل فيه قوله تعالى
{ وما من دابة في الأرض إِلا على الله رزقها } فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه.
فان قيل: اذا كان الرزق لا يكون إِلا حلالاً فلم قال: {حلالاً}؟
قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال
{ وكلم الله موسى تكليماً } } وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح { ومما رزقناهم ينفقون } }. وقوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} استدعاء إلى التقوى بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ما أحله الله لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهو الله تعالى.
وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غير ذلك من المدح والذم وغير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي {أنتم به مؤمنون} وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض.