التفاسير

< >
عرض

لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٨٩
-المائدة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ "عاقدتم" بالألف ابن عامر، و "عقدتم" بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. والباقون بالتشديد. ومنع من القراءة بالتشديد الطبري، قال: لانه لا يكون إِلاَّ مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا ليس بصحيح لان تعقيد اليمين إِن يعقدها بقلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيداً، وهو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة. وقال أبو علي الفارسي من شدد احتمل أمرين:
أحدهما - أن يكون لتكثير الفعل القوله {ولكن يؤاخذكم} مخاطباً الكثرة، فهو مثل
{ وغلقت الأبواب } }. والآخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لا يراد به فعل من اثنين. وقال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، وهو أنه اذا كرر اليمين على محلوف واحد فاذا حنث لم يلزمه إِلا كفارة واحدة. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره قوي.
ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعلل والقليل إِلا ان فعَّل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، وقالوا: عقدت الحبل والعهد واليمين عقداً ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى به القسم، قال الشاعر:

قوم اذا عقدوا عقداً لجارهم

ويقال: أعقدت العسل فهو معقد وعقيد. وحكى أبو اسحاق عقدت العسل. والأول أكثر.
فأما قراءة ابن عامر فيحتمل أمرين:
أحدهما - ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه الله) و (عاقبت اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. ويحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعداً، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، ولما كان عاقد في المعنى قريباً من عاهد عدَّاه بـ (على) كما يعدى عاهد بها. قال الله تعالى
{ ومن أوفى بما عاهد عليه الله } والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. ويجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضي راجعاً كما لا يقتضيه في قوله { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } }. وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما - قال ابن عباس: إِن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك فنزلت الآية.
وقال ابن زيد
"نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إِن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل ان لم يأكلا، فأكل عبد الله بن رواحة واكلا معه، وأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك فقال له: أحسنت" . ونزلت هذه الآية. واللغو في اللغة هو ما لا يعتد به قال الشاعر:

أو مائة تجعل أولادها لغواً وعرض المائة الجلمد

أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقاً أي لا يعتد به بأولادها. ولغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل: لا والله وبلى والله على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وهو قول أبي علي الجبائي. وقال الحسن وأبو مالك: هو اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف ولا كفارة في يمين اللغو عند أكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه.
بين الله تعالى بهذه الاية أنه لا يؤآخذ على لغو الأيمان وأنه يؤآخذ بما عقد عليه قلبه ونواه.
وقوله {فكفارته} (الهاء) يحتمل رجوعها الى أحد ثلاثة أشياء. أحدها - الى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان. الثاني - على اللغو. الثالث - على حنث اليمين لانه مدلول عليه. والأول هو الصحيح، وبه قال الحسن والشعبي وأبو مالك وعائشة. وقوله {إِطعام عشرة مساكين} إِنما ذكر بلفظ المذكر تغليباً للتذكير في كلامهم لأنه لا خلاف أنه لو أطعم الاناث لأجزاه، ويحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. وقد حده أصحابنا أن يعطي كل واحد مدِّين أو مدَّاً، وقدره رطلان وربع منفرداً، أو يجمعهم على ما هذا قدره ليألكوه. ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، وهو قول أبي علي، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.
وهل يجوز اعطاء القيمة؟ فيه خلاف، والظاهر يقتضي أنه لا يجزى والروايات تدل على إِجزائه، وهو قول أبي علي وأهل العراق. وانما ذكر الكفارة في الآية ولم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. واما العقاب فلأنه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلأجل ذلك لم يبين. وعندنا أن حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر.
وقوله {من أوسط ما تطعمون} قيل فيه قولان:
أحدهما - الخبز والأدم دون اللحم، لأن أفضله الخبز واللحم والتمر، وأوسطه الخبز والزيت أو السمن، وأدونه الخبز والملح. وبه قال ابن عمر والاسود وعبيدة وشريح.
الثاني - قيل: أوسطه في المقدار إِن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب العسر واليسر، فبقدر ذلك - هذا قول ابن عباس والضحاك - وعندنا يلزمه أن يطعم كل مسكين مدين، وبه قال علي (ع) وعمر وابراهيم وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد. وقال: يكفيه مد - ذهب اليه زيد ابن ثابت والشافعي والطبري وغيرهم - وروي ذلك في أخبارنا.
وقوله {أو كسوتهم} فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص، وعند الضرورة قميص، وقال الحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وابراهيم: ثوب. وقوله {أو تحرير رقبة} فالرقبة التي تجزي في الكفارة كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة والمؤمنة أفضل، لأن الآية مطلقة مبهمة. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن وغيره، ومعنى فتحرير رقبة عتق رقبة. وقيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال الفرزدق:

ابني عدانة انني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال

أي أعتقتكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وهذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا خلاف وعندنا أنها واجبة على التخيير. وقال قوم إِن الواجب منها واحد لا بعينه. والكفارة قبل الحنث لا تجزي وفيه خلاف.
وقوله {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء وخبره فكفارته، ويجوز أن يكون رفعاً بالخبر، ويكون تقديره فكفارته صيام. وحد من ليس بواجد هو (من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته) وهو قول قتادة والشافعي. وصوم الثلاثة أيام متتابعة، وبه قال ابن كعب وابن عباس ومجاهد وابراهيم وقتادة وسفيان وأكثر الفقهاء. ويقويه أنه في قراءة ابن مسعود وابي {صيام ثلاثة أيام متتابعات}. وقال مالك والحسن: التتابع أفضل والتفريق يجوز. فاما اذا قال القائل: إِن فعلت كذا فلله علي أن أتصدق بمئة دينار، فان هذا نذر عندنا، وعند أكثر الفقهاء، - يلزمه به مئة دينار. وقال أبو علي عليه كفارة يمين - لقوله {ذلك كفارة أيمانكم} وهو عام في جميع الأيمان. وهذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر يلزمه الوفاء به لقوله
{ أوفوا بالعقود } واليمين على ثلاثة أقسام:
أحدها - عقدها طاعة وحلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف كقوله: والله لا شربت خمراً، ولا قتلت نفساً.
الثاني - عقدها معصية وحلها طاعة كقوله: والله لا صليت ولا صمت، فاذا جاء بالصلاة والصوم، فلا كفارة عليه - عندنا - وخالف جميع الفقهاء في ذلك واوجبوا عليها عليه الكفارة.
الثالث - أن يكون عقدها مباحاً كقوله: والله لا لبست هذا الثوب فمتى حنث تعلق به الكفارة بلا خلاف. وقوله {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} معناه حنثتم.
وقوله {واحفظوا أيمانكم} قيل في معناه قولان:
أحدهما - احفظوها أن تحلفوا بها، ومعناه لا تحلفوا.
الثاني - احفظوها من الحنث، وهو الاقوى، لأن الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف - وانما الواجب ترك الحنث، وذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لأنها لو انعقدت للزم حفظها، واذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على ما بيناه.
وقوله {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} معناه إِن الله يبين لكم آياته وفرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم أموركم ونعمه عليكم وتسهيله عليكم المخرج من الاثم بالكفارة. فأما إِقسام الأيمان وما ينعقد منها وما لا ينعقد وشرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه مشروحة لا نطول بذكرها الكتاب.