التفاسير

< >
عرض

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
١٠
-البقرة

تفسير صدر المتألهين

إعلم أنّه كما انّ للأبدان صحّة ومرضاً ودواءً وغذاءً، فكذلك للقلوب صحّة ومرض ودواء وغذاء. وذلك لأنّ الصحّة عبارةٌ عن صفةٍ توجِب صدورَ الأفعال عن موضوعها مستقيمة سليمة، والمرض له صفةٌ توجِب وقوعَ الأفعال عنه مختلّة؛ ولما كنت حياة القلب إنّما هي بنور الإيمان بالله واليوم الآخر، كما انّ حياة البدن بقوّة الحسِّ والحركة، وكان الفعل الخاص به: إنما هو ذكر الله وطاعته وعبوديّته، كما إن الفعل الخاصّ بالبدن: الحسّ والحركة - كالأكل والشرب والجُماع والمشي وغيرها - فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعاً له من هذه الآثار، كانت تلك الصفات أمراضاً، وتلك الصفات بعضها سموم قتّالة: كالجهل المركّب، والنفاق، والجحود، والشكّ، والعناد، والحسد، واللداد وغير ذلك من الصفات المهلكات، فإنّها اذا استحكمت ورسخت في القلب، فهي غير قابلة للعلاج.
وبعضها ليست كذلك، كالصغائر من السيّئات، والتفاريق من الخطئيات.
واعلم أنّ الدنيا دار المرض، وليس على ظَهْر الأرض إلا المرضىٰ، كما ليس في بطنها إلاّ الأموات، وإنّما توجد الصحّة والسلامة المطلقة في العالَم الأعلى من طبقات الجنان، قال تعالى:
{ { إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء:89].
ومرضى القلوب ها هنا أكثر من مرضى الأبدان، والعلماء أطبّاء القلوب، وحكّام الشريعة قوّام دار المرضىٰ. وكل مريضٍ لم يقبل العلاج بمداواة العالِم، سُلّم الى الحاكم ليكفّ شرّه عن باقي الناس، كما يسلّم الطبيبُ المريضَ الذي لا يحتمي، أو الذي غلب علي الجنون الى القيّم ليقيّده بالسلاسل والأغلال، ويكفّ شره عن سائر الناس.
وإنّما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل:
أحدها: أنّ صاحب القلب المريض لا يدري أنّه مريضٌ.
وثانيها: أن عاقبتَه غيرُ مشاهَدةٍ في هذا العالَم، بخلاف مرض البدن فإنّ عاقبتَه - وهي موت البدن -، مشاهدة تنفر الطباع منه، وما بعد الموت غير مشاهَد لقلّة النفرة عن موت القلب الذي هو عاقبة مرضه، وإن علمها مرتكبُ الأمراض القلبيّة والكبائر الموبقة، فلذلك نراه يتّكل على فضل الله، ويجتهد في علاج البدَن.
وثالثها: وهو الداء العضال، وهو إمّا فقْد العلماء الذين هم الأطبّاء، كما في هذه الأعصار، أو فقد الإيمان بما يقول الطبيبُ، كما في عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأعصار ورثته (عليهم السلام).
فنقول: يحتاج المريض الى التصديق بأمور:
الأول: أنّ للمرض والصحّة أسباباً يتوصّل اليها بالاختيار على ما رتّبه مسبّب الأسباب. وهذا هو الايمان بأصل الطبّ، فإنّ من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج، فيزداد مرضُه الى أن يلحق به الهلاك، وهذا وِزانه في مرض القلوب هو الإيمان بأصل الشريعة، وهو أن للحياة الأخرويّة والسعادة الدائمة سبَباً هو الطاعة، وللموت الأخروي والشقاوة الأبديّة سبباً هو المعصية، وهذا - وهو الإيمان بأصل الشرايع - لا بدّ من حصوله إمّا عن تحقيق أو تقليد، وكلاهما من جملة الإيمان.
الثاني: أنّه لا بدّ أن يعتقد المريض في طبيب معيّن أنّه عالِمٌ بالطبّ، حاذقٌ فيه، صادقٌ فيما يخبر به ويعبِّر عنه، لا يلبَس ولا يكذب. فإنّ ايمانَه بأصل الطبّ لا ينفعه بمجرده دون هذا الإيمان. ووزانه فيما نحن فيه: العلمُ بصدق الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والإيمان بأنّ كل ما يقوله حقٌّ وصدقٌ، ولا كذبَ فيه ولا خُلف.
الثالث: أنّه لا بدّ أن يُصغي الى الطبيب فيما يحذّره من تناول الفواكه والأشياء المضرّة على أكله، حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء، فتكون شدّة الخوف باعثاً له على الاحتماء، ووِزانُه من الدين: الإصغاء الى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى، والترهيب من ارتكاب الذنوب واتّباع الهوى، والتصديق بما يلقى الى سمعه من ذلك من غير شكّ وريبة، حتّى ينبعث به الخوف المقوي على الصبر، الذي هو الركن في العلاج.
والركن الآخر: هو العلْم بما ذكره الطبيب، فإنّ الشفاءَ لا يحصل إلاّ بالدواء، ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء إلاّ مناقضة أسباب الداء، فكلّ داء حصل من سبب، فدواؤه رَفْعُ ذلك السبب وحلّه وإبطاله، ولا يبطل الشيء إلاّ بضدّه، والضدّان متساويان في المعرفة والجهالة، فلا سبب للإصرار بالمعاصي إلا الجهل والغفلة، والشهوة والهوى، ولا يضادّ الغفلة إلاّ العلم، ولا يضادّ الهوى إلاّ الصبر على قطع الأسباب المحرّكة للهوى، والغفلة رأس الخطايا، قال الله تعالى:
{ { وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ } [النحل:108 - 109].
فلا دواء إذن لأمراض القلوب إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر، كما يجمع في السكنجبين بين حلاوة السكّر وحُموضة الخلّ، ويُقصد بكلّ واحد منهما غرض آخر في العلاج، بمجموعهما تنقمع الأسباب المهيّجة للصفراء، فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عن مرضه، فإنّه لا بدّ فيه أصلان: العلم والتقوى، والقرآن كلّه في بيانهما كما لا يخفى على أهل البصيرة.
وقد مرّ أنّ فائدة الأعمال الشرعيّة كلّها - وجوديّة كانت أو عدميّة - تصفية القلب عمّا يكدّره ويمرضه ويحجبه عن مطالعة الحقّ والعلم بالله وصفاته وأفعاله، هي الغاية القصوى لوجود الانسان وسائر الأكوان.
فصل
[مبدأ الخير والشر]
لما كانت الزيادة من جنس المزيد عليه، وقد علمت أنّ مرض القلب هو الصفات المضادّة لأفعاله وآثاره الخاصّة، التي أصلها الإيمان بالله، والمعرفة بآياته وكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر، فرئيس الأمراض القلبيّة هو الكفر بالله، والجهل بهذه الأمور، فقوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} محمولٌ على الكفر والجهل؛ فيلزم أن يكون الله فاعلاً للكفر والجهل.
وهذا ممّا استشكله جماعة كالثنويّة والمجوس، الذين جعلوا فاعلَ الشرور مبدعاً آخر غير فاعل الخيرات، وقالوا بأصلين قديمين، هما عندهم: النور والظلمة، أو يزدان وأَهْرِمَن. لأنّ هذا الإشكال بعينه هي الشبهة المشهورة، وهي: أن في العالَم خيراتٍ وشروراً، والموجود الممكنيّ لا بدّ فيه من مؤثّر، وينتهي الى مؤثّر قديم دفعاً للدور والتسلسل؛ والمؤثّر في الخيرات والشرور لا يمكن أن يكون مبدأ واحداً، وإلاّ لكان أمر واحد خيِّراً وشرّيراً معاً.
فخالِق الأنوار والخيرات هو القديم المسمّى بالنور عندهم، أو يزدان، وخالق الظلمات والشرور، هو القديم المسمّى بالظلمة عندهم، أو أهر من وقال تعالى دفعاً لهذا الاعتقاد:
{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ } [الأنعام:1]. وهكذا قالت القدرية الذين هم مجوسُ هذه الأمّة أنّ في هذا العالَم يوجد الكفر والمعاصي كما يوجد الإيمان والطاعات، والله تعالى منزّه أن يكون خالِق الكفر والمعصية، فكلّ معصيةٍ وكفرٍ فمنشأ صدروها وفاعلها وخالِقها هو الشيطانُ أو العبدُ، وإنّ الله تعالى هو فاعلُ الإيمان والطاعات، وقال تعالى رداً عليهم: { { وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات:96]. وقوله: { { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [الشمس:7 - 8].
وأمّا حلّ الشبهة فهو أنّ الفائضَ من الباري جلّ اسمه ليس إلاّ نور الوجود والرحمة، وهذا النور ينقلب ظلمة من جهة خصوصيّة بعض القوابل المظلمة بواسطة هيئات ردية غاسقة، كالشمس التي شأنها الإضاءة والتنوير للأشياء المحاذية لها، وإفادة الحياة وإنعاش الحرارة الغريزيّة للمركّبات، لكنها قد توجب اسوداد بعض الأجسام، وتعفين بعض الموادّ الفاسدة، لخصوصيّة عروض الهيئات المفسدة العائقة لها عن قبول الصلاح والاعتدال، والحكماء ذكَروا في رفع شهبة الثَنَويّة انّ الأشياء على خمسة احتملات.
أحدها: الخير الذي لا شرّ فيه أصلاً.
والثاني: الشرّ الذي لا خير فيه أصلاً.
والثالث: ما تكون خيريّته غالبةً على الشريّة (فيه).
والرابع: عكس ذلك.
والخامس: ما يتساوى فيه الأمران. وذات الواجب الخيّر، لمّا لم يجز أن يصير مبدءاً للشرور، وجَب أن لا يصدر عنه من هذه الأقسام إلاّ قسمان، أي الأول الذي لا شريّة فيه، والقسم الثالث الذي خيريّته غالبة على شريّته، لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرٌّ كثير.
فنقول: الثنويّة القائلة بأن الله لا يصير مبدءاً لما فيه شرٌّ، أمكن إلزامهم، وقد تفاخَر أرسطو وزير إسكندر الرومي الملقّب عندهم بالمعلّم الأول بذلك الكلام.
فإن قال قائلٌ: انّه فقد جاز أن يصدر عن الأول تعالى خير محض مبرأ عن الشر؟
فيقال: إنّ هذا لم يكن جائزاً في مثل هذا القسم من القسمين المذكورين، وإن كان جائزاً في الوجود المطلق، على أنه ضربٌ منه غير هذا الضرب، وذلك ممّا قد فاض عنه تعالى: كالموجودات العلويّة، والملائكة السماويّة، والنفوس الشريفة، والعقول القادسة، وبقي هذا النمط في الإمكان، ولم يمكن ترك ايجاده لأجل ما يخالطه من الشرّ، لما علمت من أنّ تركَه شرّ الشرّين، فكونه خير الشرّين فالكلّ من عند الله.
وقد مرّ في المفاتيح انّه من الواجب في الحكمة أن يكون في العالَم مظاهر جميع الصفات الإلٰهيّة، فلا بدّ لكل من الوصفين المتقابلين من مظهرٍ، فالكفر ونتائجه ومباديه: كالشياطين ومن ضاهاهم من الأشرار، مظاهر القهر والغضب، والإيمان ونتائجه ومباديه: كالملائكة ومن والاهم من الأخيار، ومظاهر اللطف والمحبّة. ثمّ لا اعتراض في تخصيص كلّ بما يخصّه، لأن هذا الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد.
فإن قلت: ما ذكرتَه من التوحيد في الأفعال متحقّق ظاهر مهما ثبت انّ الوسائط والأسباب مسخّرات، وكلّ ذلك ظهر إلاّ في أفاعيل الإنسان وحركاته، فإنّه يتحرك إنْ شاء، ويسكن إن شاء، فكيف يكون مسخّراً في فعله؟
فنقول: اعلم أنّه لو كان الإنسان مع هذا بحيث يشاء إن شاء، ولا يشاء إن لم يشأ، لكان هذا مزلّة القدم وموضع الغلَط، ولكن علمته أنّه يفعل إذا شاءَ، وما يشاء يشاءُ، شاء أم لم يشأ فليست المشيّة إليه إذ لو كانت إليه لافتقرتْ الى مشيئة أخرى وتسلسل الأمر الى غير النهاية، وإذا لم تكن المشية اليه، بل مهما وُجدت المشيّة التي شأنها تصريف القدرة الى مقدورِها، انصرفت القدرة لا محالة؛ ولم يكن لها سبيلٌ الى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورةً بالقدرة، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة، والمشيّة تحدث ضرورةً في القلب، فهذه ضروريات مترتّبة بعضها على بعض، وليس للعبد أن يدفع وجودَ المشيّة، ولا انصراف القدرة وانبعاثها الى المقدور بعدها، ولا وجود بعث المشيّة للقدرة، فهو مضطرٌّ في الجميع.
فإن قلت: فهذا جبرٌ محضٌ، والجبر يناقض الاختيار، وأنت لا تنكر الاختيار وكونه سبباً للفعل، لا كما زعمته الأشاعرة القائلين بوجود الاختيار من غير أن يكون سببيّة، وهو المسمّى عندهم بالكسب.
قلت: لو انكشف لك الغطاء، لعرفتَ أنّ الإنسان في عين الاختيار مجبورٌ، فهو إذن مجبورٌ على الاختيار، وأنّه مضطر في صورة مختار. وهذا كما ورَد في الحديث الذي مرَ ذكره عن الصادق (عليه السلام): "لا جبرَ ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين" وهذا معنى ما قيل: الوجوبُ بالاختيار لا ينافي الاختيار، بل يؤكّده، يعني: أنّ الاضطرار في الاختيار يؤكّد وجودَ الاختيار؛ لأن الشيء ما لم يجب وجودُه لا يوجَد، فالاختيار أيضاً من جملة الأشياء الممكنة التي في وجودها أن تصير أولاً واجباً حتّى تتحقّق، وإذا وجَب الاختيار حتّى يوجَد، فقد سبقَه الاضطرار المؤكِّد لوجوده.
وإن أردتَ أن تفهم معنى الاختيار؛ - فإنّ أكثر الناس جاهلون بمعناه - فلنشرح إيّاه شرحاً وجيزاً فنقول: لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلاثة أوجه، إذ يقال: الإنسان يكتب بالإصبَع، ويتنفّس بالرئة والحنجرة، ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه، فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالَم - عالم الشهادة - وله ضروب أُخرى من الفعل في عالَم الغيب، ليس هذا المقام موضعُ بيانه، فإذن يُنسب اليه ها هنا الخرْقُ في الماء، والتنفّس والكتابة، وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحدٌ، ولكنّها تختلف وراء ذلك في أمور أخرىٰ، فأُعرب لذلك عنها بعباراتٍ ثلاث: فسمّي خرقه للماء - عند وقوعه على وجهه - فعلاً طبيعياً، وسمّي تنفّسه فعلاً إراديّاً، وسمّيت كتابته فِعلاً اختيارياً، والجبر ظاهرٌ في الفعْل الطبيعي، لأنه مهما وقف على وجه الماء انخرق لا محالة، فيكون الخرق بعد التخطّي من سطع الماء الى الماء ضرورياً، والتنفّس في معناه، فإن نسبة حركة الحنجرة الى ارادة التنفّس كنسبة خرق الماء الى ثقل البدن، فمهما كان الثقل موجوداً وجد الانخراق بعده، وليس الثقل اليه، فكذلك ليست الإرادة، ولذلك إذا قصد عين الإنسان بابرة طبق الأجفان بالاضطرار، ولو أراد أن يتركها مفتوحة لا يقدر، مع انّ تغميض الأجفان فعلٌ إرادي، لأنه مسبوق بشعور وإرادة، ولكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك، حديث الإرادة للتغميض ضرورة، وحدثت الحركة بها، ولو أراد أن يترك، لم يقدر عليه مع انّه فعل بالقدرة والإرادة، فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضرورياً.
وأما الثالث: وهو المسمّى بالاختياريّ - ويقال له القصد - فهو مظنّة الالتباس كالكتابة والمشي. وهو الذي يقال فيه: إن شاء فعلَ وإن لم يشأ لم يفعلْ، وتارةً يشاء وتارةً لا يشاء.
فيظنّ من هذا أنّ الأمر إليه، ومبناه الجهل بمعنى الاختيار، فليكشف عنه، وبيانه أنّ الإرداة مع العلم الذي يحكم بأنّ الشيء موافقٌ لك، فإنّ الأشياء تنقسم الى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنّه يوافقك من غير تردّد وتحيّر، والى ما يتردّد العقل فيه، فالذي يقطع به من غير تردّد - كما يقصد عينك بابرة أو بدنك بسيف - فلا يكون في علمك تردّد في أنّ دفع ذلك خيرٌ وموافقٌ لك، فلا جَرَمَ تنبعث الإرادة بالعلم، والقدرة بالإرادة، وتحصل حركة الأجفان بالدفع، وحركة اليد بدفع السيف، وذلك من غير رويّةٍ وفكرٍ.
ومن الأشياء ما يتوقّف التمييز والعقل فيه، فلا يدري أنّه موافق أم لا، فيحتاج الى رويّة وفكر حتّى يتبيّن أنّ الخير في الفعل أو الترك، فإذا حصل بالفكر انّ أحدهما خير، التحق ذلك بالذي يقطع به انّه خيرٌ من غير رويّة وفكر، وانبعثت الإرادة ها هنا كما تنبعث لدفع حوالة السيف والسنان من غير رويّة وفكر.
فإذا انبعثت الإرادة للفعل الذي ظهر للعقل انّه خيرٌ، سمّيت هذه الإرادة اختياراً، مشتقّاً من الخير، أي هو انبعاث الى ما ظهرَ للعقل انّه خير، وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلاّ الى ما انتظرت تلك الإرادة، وهو ظهور خيريّة الفعل في حقه، إلا أنّ الخيريّة في دفع السيف، ظهرت من غير رويّة بل على البديهة، وهذا افتقر الى الرويّة.
فالاختيار عبارةٌ عن إرادة خاصّة، هي التي انبعثت بإشارة العقل فيما له في إداركه توقّف، ولا يمكن أن تنبعث الإرادة إلاّ بحكم الحسّ والتخيّل، كما في القسم الأول منها، أو بحكم جزم من العقل كما في الثاني، فداعِية الإرادة - وهي كون الفعل موافقاً - مسخّرة لحكم العقل أو الحسّ، والقدرة مسخّرة للداعية، والحركة مسخّرة للقدرة، والكلّ يصدر بالضرورة فيه من حيث لا يدري، فإنما هو محلٌّ ومَجرى لهذه الأمور، فأما أن يكون فاعلاً فكلاّ.
فإذاً معنى كون الإنسان مجبوراً؛ أنّ جميع ذلك واردٌ عليه حاصل فيه من غيره لا منه، ومعنى كونه مختاراً؛ أنّه محلّ الإرادة لا غير، فاذاً هو مجبور على الاختيار. ففعل النار جبر محض، وفعل الله اختيار محض، لأنّ الاختيار والداعي فيه عين ذاته، وفعل الإنسان منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار.
[التوحيد الافعالي]
فإن قلت: فهل تقول: إنّ العلمَ ولّد الإرادةَ، والإرادة ولّدت القدرة، والقدرة ولّدت الحركة، وإنّ كلَ متأخّرٍ حدث من المقدّم؟
فإن قلت ذك، فقد حكمتَ بحدوث شيء لا من قدرة الله، وإن أبيت ذلك، فما معنى ترتّب البعض من هذا على البعض.
فاعلم أنّ الفرق حاصل بين ما منه الشيء وما به الشيء، فإنّ أجزاء الحركة والزمان حصَل بعضُها من بعض، ولم يحصل بعضها بسبب بعض، وكذلك المركّب - كالمعجون - حاصلٌ من أجزائه، وليس بحاصل بسبب أجزائه.
فالقول بأنّ بعض تلك الأمور حصل بسبب بعض آخر منها، جهلٌ محض، سواء عبّر عنه بالتولّد أو بغيره، بل حوالة جميعها على المعنى الذي يعبّر عنه بالقدرة الأزليّة، وهو الأصل الذي لم يقف كافّة الخلق على كُنه معناه إلاّ الراسخون، وليس عند غيرهم منه إلاّ مجرد لفظه، مع نوع تشبيه له بقدرتنا، وهو بعيدٌ عن الحقّ، وبيان ذلك يطول ولكن لا يتقدّم متقدّمٌ ولا يتأخّر متأخرٌ إلاّ بالحقّ واللزوم فكذلك جميع أفعال الله المترتّبة، فإنّ لها ضرباً آخر من التقدّم لبعضها على بعضٍ، غير التقدّم المسمّى عند الفلاسفة بالتقدّم بالطبع، وغير الذي سمّوه التقدّم بالعلّية، فإنّهما متّحققان بين المهيّات بعضها مع بعض بواسطة، وهذا الذي كلامنا فيه، تقدّم وتأخّر بين الموجودات التي هي أنوارٌ مترتّبة في الإفاضة عن الحقّ، أو بين مراتب تنزّلات الحقّ الأول، وقد سمّيناهما التقدّم والتأخّر بالحقيقة بالاعتبار الأول، والتقدّم والتأخّر بالحقّ بالاعتبار الثاني، وهذا ممّا لا يظهر إلاّ للخواصّ المكاشفين بنور الحقّ، ولا ينفع ذكره للحمقىٰ الجاهلين المجانين، إلاّ فتنة وتحريكاً لسلسلة جنونهم، وحلاّ لعقائد ظواهر الشريعة عن ألسِنتهم وأيديهم.
وبالجملة، فلولا الترتيب بين الموجودات، لبطل النظامُ، ولم تكن الغايات مترتّبة على الأشياء، ولكان فعلُ الله على ذلك التقدير الذي توهّمه جماعةٌ من الناس - كأصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم - عبثاً وتهذاراً وهباءً ولعباً، قال تعالى:
{ { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } [الدخان:38 - 39].
فكلّ ما بين السماء والأرض على ترتيب واجب وحقٍ لازم، لا يتصور أن يكون إلاّ كما حدَث، وعلى الترتيب الذي حدث، فما تأخَّر متأخّر إلاّ لانتظار ما يتوقّف عليه ويشترط به، والموقوف بعد الموقوف عليه، والشرط قبل المشروط.
وعكس هذا الترتيب وخلافُه محالان، والمحالُ لا يوصف بكونه مقدوراً، فلا يتأخّر العلم عن النظر إلا لفقد شرط الحياة، ولا تتأخّر عنها الارادة بعد العلم إلاّ لفقد شرط العلم، وكل ذلك على منهاج الواجب وترتيب الحقّ، ليس في شيء من ذلك لعبٌ واتّفاقٌ، بل كل ذلك بحكمة وتدبير.
وتفهيم ذلك عسيرٌ، على الأفهام غير يسير، وللفرق بين سبب به وسبب منه، وإطلاق الفاعل على كلّ من هذين المعنيين، نسب الله الأفعال في القرآن مرّة الى الملائكة، ومرّة الى العباد، ونسبَها مرّة الى نفسه، فقال في الموت:
{ { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } [السجدة:11] ثمّ قال: { { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } [الزمر:42]. وقال: { { فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } [مريم:17]. ثم قال: { { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } [الأنبياء:91]. والنافخ جبرائيل. وقال: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [الحجر:29]. وقال: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } [التوبة:14]. والتعذيب هو عين القتل، بل صرّح وقال: { { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } [الأنفال:17]. ثم قال: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال:17]. وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهراً، لكن معناه: رميتَ بالمعنى الذي يكونُ العبدُ رامياً، وما رميتَ بالمعنى الذي يكون الحقُّ رامياً، إذ هما معنيان مختلفان. وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وصف مَلَك الأرحام أنّه يدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده: ثمّ يصوّرها جسداً، فيقول: يا ربّ أذكَر أم أنثى أسويّ أم معوّج؟ فيقول الله ما شاء، ويخلق المَلَك.
وفي لفظ آخر: ويصوّر الملك فيها الروحَ بالسعادة والشقاوة.
وقال بعض السلف: إن المَلَك الذي يقال له الروح، هو الذي يولجُ الأرواح في الأجسام، وإنّه يتنفس بوضعه، فيكون كل نفَس من أنفاسه روحاً تلج في جسم.
وقال بعض العرفاء: ما ذكَره من مثل هذا المَلَك صفته، فهو حقّ بمشاهدة أرباب القلوب ببصائرهم، وأما كون الروح عبارة عنه، فلا يمكن أن يعمل إلاّ بالنقل. والحكم به تخمين مجرّد.
وكذلك ذكر الله في القرآن الأدلة والآيات في الأرض والسمٰوات وقال:
{ { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } [فصلت:53].
ثم قال:
{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [فصلت:53].
وقال:
{ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [آل عمران:18]. فبيّن أنّه الدليل على نفسه.
وليس ذلك بمتناقض، بل طرق الاستدلال، فكم من طالب عرف الحق بالنظر الى الموجودات، وكم من طالب عرف الحق بالنظر إليه، وبه كلّ الموجودات. كما قال بعضهم: عرفتُ ربّي بربّي، ولولا ربّي لما عرفتُ ربّي.
وقد وصف الله نفسَه بأنه المحيي والمميت، ثمّ فوّض الموتَ والحياة الى ملَكين، ففي الخبر: إن ملَكَ الموتِ وملكَ الحياة تناظرا، فقال ملك الموت: أنا أُميتُ، وقال ملك الحياة: أنا أُحيي الأمواتِ. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سُخِّرتما له من الصُّنع. فإنّي أنا المميتُ وأنا المحيي. لا مميتَ ولا محيي سواي.
فالمحقّق أضافَ الكلّ الى الله، لأنه عرف الحقّ والحقيقة.
ولمّا جرى بيتُ لَبيد على لسان بعض الأعراب، قصداً أو اتّفاقاً، صدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقال: أصدق بيتٍ قاله شاعر، قول لبيد:

ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ

أيّ كلّ ما لاَ قِوامَ له بنفسه، وإنّما قِوامه بغيره، فو باعتبار نفسه باطلٌ، وإنّما حقيّته وحقيقته بغيره لا بنفسه، فإذاً لا حقّ بالحقيقة إلا القيّوم الحقّ الذي ليس كمثله شيء، فإنّه قائم بذاته، وكل ما سواه قائمٌ بقدرته، فهو الحقّ وما سواه باطلٌ، ولنرجع الى ما كنّا بصدده.
فصل
[رد احتجاجات المعتزلة]
إعلم أنّ المعتزلة لما كان أصل اعتقادهم أنّ فاعلَ الكفر والجهل والظُّلمة وسائر الشرور الواقعة في هذا العالَم هو غير الله؛ أشكلَ عليهم قوله: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}، قالوا: لا يجوز أن يكون مراد الله منه الكفرَ والجهلَ لوجوه مذكورة في التفسير الكبير من غير جواب، ونحن نذكرها ونجيب عنها:
الأول: أنّ الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك، لقالوا للنبي (صلّى الله عليه وآله): إذا فَعل الله الكفُر فينا، فكيف يأمرنا بالإيمان؟
والجواب: أولاً: بالنقض، لأنّ ما ذكروه جارٍ بعينه في مثل قوله:
{ { وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } [الجاثية:23]. وقوله: { { يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } [فاطر:8] وقوله: { { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً } [الكهف:57]. إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنه تعالى أبعدَ الكفار والمنافقين عن دار كرامته، وصدّهم عن سبيله، وجنَّبهم عن الجنّة.
وثانياً: إن المنافقين إذا قالوا ذلك، فللبني (صلّى الله عليه وآله) أن يقول: إنّما طرأَ عليكم من الله الظُّلمة والحجاب، لشؤم ما فعلتم أولاً من الانكار والجحود والتمادي على الجهْل والكفر، كما قال تعالى:
{ { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [البقرة:74]. وقوله: { بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [النساء:155]. وقوله: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } [المائدة:13].
الثاني: إنه تعالى لو كان فاعلاً للكفر، لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، فكان لا يبقى كون القرآن حجّة.
والجواب: منع هذه الملازمة. وأي علاقة لزوميّة بين ايجاد الكفر في النفوس المظلمة الجاحدة لآيات الله، وبين اظهار المعجزة على يد الكاذب؟
الثالث: إنّه تعالى ذكَر هذه الآيات في معرض الذمّ لهم على كفرهم، فكيف يذمّهم على شيء خلقَه فيهم؟
والجواب: إنّ هذا بعينه مصادرةٌ على المطلوب الأول، فإنّ أصل الكلام في أنّ الله فاعل الكلّ أم لا.
الرابع: قوله تعالى: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فإن كان تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأيّ ذنب لهم حتّى يعذبهم؟
والجواب: بما مر سابقاً، أن العقوبات للجرائم، من باب التوابع والثمرات لبذور المعاصي والسيّئات، والله منزّه عن الانفعال والتغيّر في الصفات، كالغضب ونحوه، فكان حاصل الجواب عن قول من قال "إذا كان الكلّ به ومنه وإليه، فكيف غضب على نفسه وذمّ فعله"؟ ما قد ذكر سابقاً من تقسيمه عباده وبحسب المشية الى ما سبق لغاية الحكمة، والى من استوقف دونها، فاستعير للنسبة الأولى اسم الرضاء، وللثانية عبارة الغضَب، وأُردف الأول بخلعه الثناء زيادةً في القبول والرضاء. وأُردف الثاني بنقمة اللعن والذمّ زيادةً في النكال، فهو المعطي للجمال والمثني، وهو المعطي للنكال والمردي، فيكون بالحقيقة هو المجمل والمثني والمثنىٰ عليه في جميع الأحوال، والحمد لله على كلّ حال.
الخامس: إنّه تعالى أضافه اليهم بقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وعلى هذا وصَفهم تعالى بانّهم مُفسِدون في الأرض، وأنّهم هم السفهاء، إذا خلَوا الى شياطينهم قالوا انّا معكم، فدلّ على أنّ المراد منه شيءٌ آخر.
والجواب: بمثل ما مرّ، وهو أنّ إظلام قلوبهم وتسويدها بالكفر، مسبَّب عن كذبهم وتكذيبهم للرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإفسادهم في الأرض، واستهزائهم بالمؤمنين، وهذه أيضاً أسباب لاشتداد مرضهم وازدياد كفرهم.
فصل
[تأويلات المعتزلة]
ثمّ قالت المعتزلة: إذا ثبت أنّ المراد ليس ما هو الظاهر من قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}، فلا بدّ من التأويل فيه، وهو من وجوه:
الأول: بحمل المرض على الغمّ لأنه يقال: مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى: أنّ المنافقين لمّا رأوا ثبات أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) واستعلاء شأنه يوماً فيوماً وذلك كان يؤثّر في زوال رياساتهم، فهؤلاء لما اشتدّ عليهم الغمّ وصف الله تعالى ذلك، أي زادهم غمّاً على غمّهم بما يزيد في أمر الرسول وتعظيم شأنه.
الثاني: إنّ مرضَهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، وتكرير الوحي، وتضاعف النصر، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة:
{ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } [التوبة:125]. والسورةُ لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رِجساً عند نزولها لمّا كفروا بها قبل ذلك. وكقوله: { { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً } [المائدة:64]. وقوله: { فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } [فاطر:42]. وكقولك لمن نصحتَه فلم يقبل وتمادى في فساده: ما زادتك نصيحتي الاّ شراً وفساداً. فكذا هؤلاء المنافقين، لمّا كفروا وازداد كفرهم عند التكليف والدعوة من الله الى شرائع دينه، اضيفت زيادة كفرهم إليه تعالى.
الثالث: أن يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخوف لأنّ قلوبَهم كانت قويّة، إمّا لقوّة طمعهم فيما كانوا يتحدّثون به انّ ريح الإسلام تهبّّ حيناً ثم تسكن، ولواءَه يخفق أياماً ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر، وإظهار دينه الحقّ على الدين كله. وإمّا لجرأتهم وجسارتهم في الحرب فضعفت جبناً، حين قذف في قلوبهم الرُّعب، وشاهَدوا شوكة المسلمين وامد الله لهم بالملائكة.
ومعنى الزيادة: أنّه كلّما زاد الله رسولَه نصرةً وتبسّطاً في البلاد، ازدادوا حسداً وبُغضاً، وازدادت قلوبهم ضعفاً ويأساً عمّا طمعوا فيه، وجبنا وخوراً، وأن يحمل المرض على تغيّر مزاج القلب وتألّمه، وذلك لأنّ الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك؛ فربما صار ذلك سبباً لتغيّر مزاج قلبه ومرضه، قالوا: وحملُ اللفظ على هذا الوجه حملٌ له على حقيقته، فكان أَوْلىٰ من سائر الوجوه.
فصل فيه حكمة عرشية
[اللذة والألم]
قوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال صاحب الكشّاف: يقال: ألم فهو اليم، كوجع فهو وجيعٌ، وهذا على طريقة قولهم، جَدّ جدُّه، والألم في الحقيقة للمؤلم، كما أنّ الجدّ للجادّ.
أقول: إنّ المؤلم بالحقيقة، هو الألم الحاصل في القلب دون السبب الخارجي، كما انّ صورة اللذّة الحاصلة في النفس عند إدراك الملائم النفسي أو البدني، هي الملذّة بالحقيقة، لا ما خرج عن التصوّر، وليس الملذّ والمؤذي بالحقيقة إلاّ المرتسم في القلب، - أعني النفس - لا الموجود في الخارج، وكلّما ارتسمت في النفس صورة العذاب أو مقابلها يفعل فعلها وإن لم يكن سبب من خارج، فإنّ السبب الذاتي هو هذا المرتسم، والخارج سببٌ بالعرض، أو سبب السبب، فالأوّل: كما في اليقظة، فإن الصور الملذّة أو المؤذية المرتسمة في النفس تبتدئ من الصور الماديّة الخارجيّة، وقد ثبت في العلوم الحقيقيّة، أنّ تأثيرها على سبيل الاتّفاق والإعداد، وانها أسباب بالعرَض، والثاني: كما في النوم، فإنّ الصور الملذّة أو المكرهة قد تبتدئ من داخل باطن النفس إليها حتّى تنتهي الى مشهد الحسّ المشترك، فتدركها النفس، وقد لا تكون كذلك، بل تنتقل صور مخزونات النفس بعضها الى بعض، فإذا ابتدأت من داخل النفس، فيكون سبب ارتسامها من عالَم الغيب، والأسباب الموجودة في عالَم الغيب سببيّتها تكون ذاتية، فيكون الملذّ والمؤذي في النوم أو ما يجري مجراه كالموت والبرزخ، هي الصورة المرتسمة في النفس، وسبب ارتسامها ملذّ ومؤلم بالواسطة.
فصل
[في قوله تعالى: بما كانوا يكذبون]
قوله: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، صريحٌ في أنّ عذابهم الأليم معلّل بكذبهم، على قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وذلك يقتضي أن يكون كلّ كذب قبيحاً حراماً. وفيه رمز آخر الى قبحه، حيث علّل به استحقاق العذاب، وترتّب عليه دون الكفر مع وجوده، ونحوه قوله تعالى:
{ مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ } [نوح:25]. وانّهم كانوا كفرَة إلا انّه خصّت الخطيئات بالسببيّة، استعظاماً لها، وتنفيراً عن ارتكابها.
والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وهو حرامٌ كلّه، أمّا ما يروى عن إبراهيم (عليه السلام) أنّه كذِب ثلاثة كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمّي به.
والمراد بكذبهم قولهم:
{ { آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [البقرة:8]، والجاحظ لا يسمّيه كذباً إلاّ إذا علم كون المخبَرِ عنه على خلافه، وهذه الآية حجّة عليه.
وقرأ الباقون: يُكذّبون، من كذّبه، نقيض صدّقه، لأنهم كانوا يكذّبون الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقلوبهم، وإذا خلوا الى شياطينهم.
أو من كذب الذي هو مبالغة كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدّق مشدّداً، ونظيرهما: بان الشيءُ وبيّن. وقلص وقلّص، أو بمعنى الكثرة كقولهم: موّتت البهائم وبرّكت الإبل.