التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
-البقرة

تفسير صدر المتألهين

إعلم أن في هذه الآية نكات لطيفة، ومسائل غامضة، وعلوماً شريفة، وحِكماً عقلية، وأنواراً إلهية، وأسراراً ربوبية:
أما النكات:
فأولاها: إن من عادة الله سبحانه في هذا الكتاب، أن يخاطب جمهور المكلّفين بـ "يا أيّها الناس"، وأهل المعرفة والإيمان منهم بـ "يا أيّها الذين آمنوا"، وأهل الولاية والقرب بـ "يا عبادي"، تنبيهاً على تفاوت الدرجات، وتباين الرتب والمقامات؛ فإنّ لنوع الإنسان درجات متفاوتة في الحقيقة والذات عند أهل الشهود.
فمن الناس من هو في طبقة النفس الحيوانية، إلاّ أنه قابل للترقّي بالتكليف - وهم أكثر الناس -، ومنهم مَن تجاوزها وبلغ حدود النفس الناطقة، - وهم العلماء - ومنهم من بلغ إلى مرتبة العقل بالفعل، - وهم عباد الله الربّانيون -، فهذا الخطاب متوجّه إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم - إلاّ من هو خارج عن حدود التكليف من الأطفال والمجانين، لأن حالهم أنزل من حال الحيوان الغير المكلَّف.
ويؤيِّد ذلك، ما روي عن ابن عباس والحسن: إن ما في القرآن من: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} فإنه نزل بمكَّة، وما فيه من: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فإنه نزل بالمدينة.
وذلك لا يوجب تخصيص الخطاب بالكفّار والجاهلين، ولا أمرهم بالعبادة دون غيرهم، فإنّ الأمر متوجّه إلى الكل ما داموا في دار التكليف، لعدم خلوّهم عن نفس حيواينة حَريّةٍ للحمل والتكليف والرياضة والتأديب، وإلاّ لجَمحت.
والمأمور به، هو المشترك بين بدء العبادة وزيادتها، والمواظبة عليها وأصلها وكيفيّتها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها، بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء مطلقاً، وجوب ما لا يتمُّ الواجب المطلق إلاّ به وكان مقدوراً، وكما أن تحقّق الحدَث لا يمنع وجوب الصلاة، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه، والمطلوب من المؤمنين ازديادهم كمّاً وكيفاً فيها، وثباتهم ودوامهم عليها.
وثانيها: إن الله تعالى لمّا قدَّم أحكام فِرق المكلفين من المؤمنين والكفّار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأفعالهم البدنيّة والقلبيّة، ومجاري أمورهم العاجليّة والآجليّة، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من جملة الإلتفات التي تورِث الكلام رونقاً وبهاء، وتزيد السامع هزة ونشاطاً.
وما يختصّ منه بهذا المقام من اللطائف؛ إنه كما انك تشكو من أحد - مخاطباً لصاحبك -: "إن فلاناً فعل كذا وكذا"، ثم تتوجّه إليه مخاطباً إيّاه: "يا فلان ألزم الطريقة الحسنة، واكتسب السيرة المرضيّة"، فهذا الانتقال منك، والالتفات من الغيبة إلى مواجهة المقال، يؤثّر في قلبه ما لا يؤثّر فيه استمرارك على لفظ الغيبة.
ومنها: كأنّه تعالى يقول: إنّي قد جعلت واسطة بيني وبينك أوّلاً، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلّة شرف المخاطبة والمكالمة، وفيه إشعار بأنّه لنفوذ نوره ورحمته، أقرب من كل قريب بالشخص - وإن كان الشخص بعيداً منه لحجابه -.
ومنها: أنّه مشعر بأن العبد إذا اشتغل بالعبادة، زاد قرباً وحضوراً وأنساً وحبوراً، وذلك لوقوع الانتقال من الغيبة إلى الخطاب.
ومنها: إن في العبادة كلفة ومشقّة فلا بدّ من راحة، وهي تحصل بأن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين، ويخاطبهم بذاته ويقول: "أريد منكم الخدمة"، فيستطاب التكليف وتستلذّ العبودية.
ومنها: ما لأهل الإشارة أن يقولوا في تحقيق ذلك، وهو أن الله يخاطب ناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيّته وشهوده ومعاهدته: "أن لا تعبدوا إلاّ إيّاه"، فخالَفوا، ونقضوا عهده، وعبدوا الطواغيت من الأصنام، والدنيا، والنفس، والهوى، والشيطان، فزلّ قدمهم عن جادة التوحيد، ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك. فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب، وأخبرهم عن حالهم، وشكى عن فعالهم، ثمّ واجههم بالخطاب من الغيبة، ودعاهم إلى التوحيد والعبودية كفاحاً، لعلّهم يتّقون عن شرك عبادة الغير، ويوفون بعهد الربوبيّة وينجون من عذاب الدركات.
وثالثها: "يا" حرف وضع لنداء البعيد، وقد ينادي به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد، إما لعظمته - كقول الداعي: "يا ربّ" و "يا الله"، وهو أقرب إليه من حبل الوريد - أو لغفلته وسوء فهمه، أو للاعتناء بالمدعوّ له وزيادة الحثِّ عليه.
وهو مع المنادىٰ جملة مفيدة، لأنه نائب مناب فعل كـ "أدعو" ونحوه، وليس بمعنى "أدعو زيداً"، أو "أُنادي زيداً" - كما تُوهِّم - لفساده من وجوه:
أحدها: إن ذلك خبر يحتمل الصدق والكذب، وهذا لا يحتملهما لكونه إنشاءً.
وثانيها: إن النداء يقتضي صيرورة "زيد" في الحال، وقولنا: "أنادي زيداً" لا يقتضي ذلك.
وثالثها: إن "يا زيد" يقتضي صيرورة "زيد" مخاطباً بهذا الخطاب، و "أنادي زيداً" لا يقتضي ذلك، لجواز أن يخبر إنساناً آخر بأنّي أنادي زيداً.
رابعها: إن "أنادي زيداً" إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء كما لا يخفى.
نكتةٌ هٰهنا لأهل الإشارة:
وهي أن أقوى الكلمات مرتبةً الاسم، وأضعفها الحرف، فظنَّ قوم انه لا يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أعظم الموجودات هو الحقّ الأول، وأضعفها البشر، حيث قال:
{ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً } [النساء:28]. فقالت الملائكة: أيُّ مناسبة بينهما: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [البقرة:30]. فقيل: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لخدمة الربّ حال النداء والتضرع: { وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر:60].
واعلم أن "أيُّ" إسمٌ مبهم يقع على أجناس كثيرة، لكنه لابهامه لا يتمّ إلاّ بأن يوصف، كما أن المعنى الجنسي لا يتمّ إلاّ بفصل من الفصول، وصفته لفظة دالّة على ما دلّ عليه "أيُّ" مخصّصة له، اتّحادهما في المعني كاتّحاد المبهم والمحصّل، فلا بدّ وأن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتّصف به، حتى يصير وصلة إلى ندائه، فالذي يعمل فيه حرف النداء "أيُّ"، فهو منادى مفرد معرفة، إلاّ انه يبنى لأنه وقع موقع حرف الخطاب.
وإنما بُني على الحركة - مع أن الأصل في البناء السكون - ليعلم أنّه ليس بعريق في البناء، وإنما حُرِّك بالضمّ، لأنه كان في أصله التنوين، فلما سقط التنوين في البناء أشبه "قبلُ" و "بعْدُ" من الأسماء المقطوعة الغايات، فارتفع، وفيه وجوه أُخر توجد في مظانّها.
والإسم التابع له صفته، فهو مرفوع تبعاً له على حركة لفظه، ولا يجوز ها هنا النصب - وإن كانت أوصاف المنادى المفرد المعرفة يجوز فيها الوجهان - لأن هٰهنا المنادى هو الصفة في الحقيقة، و "أيُّ" ذريعة إليه لتعذّر الجمع بين حرفي التعريف، فإنهما كمثلين - إلاّ عند المازني وذلك خطأ منه كما قيل -، يدل على ذلك لزومها حرف التنبيه قبل الصفة، فصار ذلك كايذان باستيناف نداء، وأن لا يجوز الاقتصار على المنادى قبله - كما جاز في غيره -، فالتزم رفعها، وأقحمت بينهما "هاء" التنبيه تأكيداً وتعويضاً عما يستحقها "أيُّ" من المضاف إليه.
وإنما كثُر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة، للايذان بهذه التأكيدات والمبالغات بأن كل ما نادى الله به عبادَه من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدّمين أمورٌ عظام وأشياء مهمّة يجب التفطُّن لها والاهتمام باستماعها والإقبال عليها بقلوبهم، وأكثر الناس عنها غافلون أحقّاء بأن ينادى بآكد النداء.
ورابعها: إن الجموع وأسمائها المحلاّة باللاّم للعموم حيث لا عهد، واستدلّوا عليه بصحّة الإستثناء منها، والتوكيد بما يفيد العموم، كقوله تعالى:
{ فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [الحجر:30]. وباستدلال الصدر الأول بعمومها شائعاً ذائعاً من غير نكير؛ فثبت أن الناس يعمُّ الموجودين وقت النزول لفظاً، ومن سيوجد معنى لما تواتَرَ من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، ان مقتضى خطابه وأحكامه شامل للعصر الأول ولمن سيوجد إلى قيام الساعة، وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة - كما وقع الإسناد عن ابن عباس أو علقمة، فيدخل سائر الناس بالتبيعيّة.
تبصرة:
وفي هذا المقام كلام محقّق، وهو أنه قد ثبت بالبراهين النيِّرة وشواهد أهل البصيرة، إن الكميّة الإتّصالية الزمانية، وهويّاتها الامتدادية، وما يطابقها وما يوازيها من الحوادث والزمانيات، وما معها من الجواهر والأعراض، والصور والأشخاص، كلها حاضرة عند الباري جلّ اسمه وأهل القرب منه، وكلها مساوية الحضور لديه، متوافقة المُثول بين يديه، لا تقدّم ولا تأخّر ولا تفاوت لها في القرب والبعد الزمانيّين، ولا في الحضور والغيبة المكانييّن، فكل ما ثبت مالها بقياس بعضها إلى بعض، بالقياس إلى علمه المحيط بالكل الموجب لحضور الجميع عنده على نسبة واحدة، فالخطاب منه تعالى موجَّه إلى الجميع (و) إن كان ظهوره بلسان جبرئيل عليه السلام مختصَّاً بزمان الرسول (صلى الله عليه وآله) - وهذا مما لا يكشف إلاّ لأهل البصيرة -.
فصل
وأما المسائل:
الأولى: إن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ} أمر للكل بالعبادة، فهل هو أمر بكل العبادة - أم لا؟
المختار عندنا أنه أمر بما تيسَّر من العبادة، كما قال:
{ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ } [المزمّل:20]. وهو متفاوتٌ حسب تفاوت المكلفين قوةً وضعفاً، لقوله تعالى: { لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } [التوبة:91] - الآية. وقوله: { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } [النور:61] - الآية. "ولوجوب صلاة الليل على النبي (صلى الله عليه وآله) واستحباب صوم الوصال له دون غيره، لقوله (صلى الله عليه وآله): لست كأحدكم" .
واستُدِلَّ على عدم دلالة الأمر على وجوب كل المأمور به، بأن معنى "اعبدوا" مثلاً ادخلوا هذه الماهية في الوجود، لأن الفعل يتضمن مفهوم الحدَث ومعناه لا غير، فإذا أتى المكلَّف بفرد من أفراد المٰهيَّة، فقد أدخل المٰهيَّة في الوجود، لأن كل فرد مركب من المٰهيَّة مشتمل عليها، لأن كل فرد مركب من المٰهيَّة وقيد، ومتى وجد المركب فقد وجد جزءآه، فالآتي بفرد من العبادات آتٍ بالعبادة، فهو آتٍ بما اقتضاه قوله: {ٱعْبُدُواْ} فقد خرج عن العهدة فيما هو مقتضى هذا الأمر بحسب الدلالة عليه.
ولك أن تقول - إن أردت تعميمه حسبما مرّت الإشارة إليه -: إن الأمر بالعبادة لا بدّ وأن يكون لأجل كونها عبادة، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليّة الوصف، لا سيّما إذا كان مناسباً للحكم، كإظهار الخضوع والتعظيم لله هٰهنا المناسب لهذا الحكم، فإذا ثبت عليه الوصف، فأينما حصل وجب حصول الحكم لا محالة.
المسئلة الثانية
إن الحكم بدخول الكفار تحت الأمر بالعبادة فيه إشكال، وهو أن كون الإنسان عابداً متوقّف على كونه مؤمناً، فالتكليف بالعبادة للكفار متوقّف على كونهم مأمورين بالإيمان، لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، وذلك ممتنع، والموقوف على الممتنع ممتنعٌ أيضاً، فكونهم مأمورين بالعبادة ممتنعٌ. أما وجه امتناع الأول، فلأن الأمر بمعرفة الله لهم، إمّا حال كفرهم وجهلهم، أو حال عرفانهم؛ فالأول يوجب التناقض، والثاني تحصيل الحاصل - وكلاهما محالان.
أما وجه امتناع الثاني، فهو ظاهر، لتحقق الملازمة بينهما.
وأيضاً، يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين لأنهم يعبدون الله، فأمرهم بالعبادة تحصيل الحاصل.
والجواب: إن مراتب الإيمان مختلفة متفاوتة كمراتب العبادة، وأقلّها ما هو حاصل لكل أحد بالفطرة الأولى التي فُطر الناس عليها، وذلك يكفي لتوجُّه الخطاب وورود التكليف وقيام الحجّة، فالأمر التكليفي بالعبادة متوجّه إلى الكفار مشروطاً بتقديم المعرفة المستأنفة، كاشتراط الصلاة للمحدث بتقديم الطهارة، واشتراط أداء الدين للمديون بالسعي إليه، فكما أن الطهارة والسعي واجبان على من وجب عليه الصلاة محدثاً، وأداء الدين ساكناً، فكذا الكافر، يصح أن تجب عليه العبادة بهذا التكليف، وشرط الإتيان بها الإيمان أولاً، ثم الإتيان بها.
وكذا هذا الأمر متوجّه إلى المؤمنين بفعل الزيادة لها، والاستمرار فيها، والمواظبة عليها، والاجتهاد في استخراج أدلتها، والتوسّل بها إلى زيادة المعرفة والقرب، ومعلوم أن كل ذلك عبادة.
المسئلة الثالثة
إن لمنكر التكاليف وجوهاً من الشُبه، ها نحن نذكرها مع الإشارة إلى الجواب عنها:
الأولى: إنّ التكليف (إما أن يتوجه) حال استواء دواعي العبد إلى الفعل والترك، أو حال رجحان دواعي أحدهما؟ فعلى الأول، يستحيل وقوع المأمور به، والتكليف غير واقع ولا جائز عند الأكثر، لأن الممكن ما لم يترجّح وجوده لم يقع، إذ من تجويز الترجيح من غير مرجّح ينسدّ اثبات الصانع، وعلى الثاني، فالمرجوح ممتنع الوقوع، وإلاّ لزم ترجيح المرجوح، فالراجح واجب الوقوع، فالتكليف بالراجح تكليف بايجاد ما يجب وقوعه، وبالمرجوح بما يمتنع وقوعه، وكلاهما مستحيلان.
والثانية: أن المكلّف به، إنْ علِم الله في الأزل وقوعه، فخلاف معلومه محالٌ، فلا فائدة في ورود الأمر، وإن علِم لا وقوعه، فالتكليف به تكليف بالمحال، وكلاهما عبث وسفَهُ، والله منزَّه عنهما، وإنْ لم يعلم - لا هذا ولا ذاك - فهو قول بالجهل في حقّه، فهو باطل.
والثالثة: إنّ ورود الأمر بالتكليف إما لفائدة، أو لا لفائدة؛ فإن كان الأول، فهي عائدة إلى المعبود، أو إلى العابد؛ والأول محالٌ، لأنه كامل الذات بذاته لا بغيره؛ وإن كان الثاني، فهي إما عاجلة أو آجلة؛ والأول باطلٌ، لأن التكاليف كلها مشاقّ وآلام في الدنيا؛ والثاني عبثٌ، لأن جميع الفوائد محصورة في دفع الألم وحصول اللذة، والله قادر على تحصيلهما للعبد ابتداء من غير توسيط العبادة والمشقّة، فيكون توسيطها عبثاً، وهو ممتنع على الحكيم؛ وكذلك حكم الشقّ الثاني.
والرابعة: إنّ العبد غير موجِد لأفعاله، لِما تقرَّر أن المؤثِّر في الوجود هو الله، ولأن العبد غير عالِم بتفاصيل ما يفعله، ومن لا يعلم شيئاً بتفاصيله لا يكون موجِداً له، فالأمر له بذلك تكليف بالممتنع، وهو محال.
ولكل من هذه الشُبه جواب تحقيقي عقلي مذكور في طيّ مسائل أخرى سابقة، فعليك باستخراجه.
والأشاعرة أجابوا عن الكل، بأنه يحسن عندنا من الله كلّ شيء سواء كان تكليفاً بما لا يطاق أو غيره، لأنه خالقٌ مالكٌ، والمالك يتصرف في عبده حيث يشاء، ولا اعتراض لأحد عليه في ملكه.
وأجيب أيضاً: بأن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكليف، فهذا تكليف بعدم التكليف، وإنّه متناقض.
الخامسة: إنّ المقصود من التكليف، إنما هو تطهير القلب - على ما دلّت عليه ظواهر القرآن - فلو قدّرنا إنساناً مشتغل القلب دائماً بالله تعالى، بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى، وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء القياسيّين قالوا: إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف، وجب اتّباع الحكم المعقول، لا اتّباع الظواهر.
والجواب عنه: أن المقصود من التكليف، وإن كان تطهير القلب وجلاءَه لتجلّي صورة المعرفة الإلهيّة، إلاّ أن الإنسان لا سبيل له إلى ذلك إلاّ بسبق أفعال وأعمال دينية توجب ذلك، وكل أحد نفسه مغمورةً في أول الكون في عمق بحر الطبائع، والِجةً في غياهب ظلمات الدنيا، مغشَّاةً بأغشية الحجب الجسمانيّة، ملطّخةٌ بالأخباث النفسانية، كالشهوة والغضب والأكل والجماع والنوم والهمّ والغمّ، وما يجري مجراها من خطرات الوهم وهواجس النفس، وغير ذلك.
وليس أيضاً اشتغال القلب بالله، والتشوّق إليه، ممّا يمكن حصوله إلاّ عقيب العبادات، وبعد إطالة النظر في تحصيل المعارف الإلهيّة، لا كما زعمه عوام الصوفيّة وغيرهم، فأنّىٰ يتيسّر ذلك إلاّ بعد إقامة مراسم العبوديّة، وإطاعة أوامر الشريعة ونواهيها.
المسئلة الرابعة
إن مخالفة التكاليف وترك العبادات من العبد، لماذا يصير منشأ للعذاب وباعثاً له تعالى على العقاب، مع أن ذاته مستغنٍ عن طاعة العبد، منزَّه عن لذّة الإنتقام، متعالٍ عن الغرض الحاصل له من تعذيب المجرم والإيلام؟
والجواب: إن تكليف الله عباده، يجري مجرى تكليف الطبيب، فإذا غلبت عليه الحرارة أمَره بشرب المبرِّدات، وهو غنيُّ عن شربه، لا يضرّه مخالفته ولا ينفعه موافقته، كما اعترف به المعترض، ويساعدنا عليه، ولكن النفع والضرّ يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله، وإنما الطبيب مرشِدُ فقط، فإنْ وُفّق المريض حتى وافق الطبيب، يشفى ويتخلّص من ألم المرض، وإن لم يوفّق وخالف، تمادى به المرض وهلك؛ وبقاؤه وهلاكه سيّان عند الطبيب لاستغنائه عن بقائه وفنائه.
فكما أن الله خلق للشفاءِ سبباً مفضياً إليه، فكذلك للسعادة الأُخرويّة سبباً وهو الطاعة، ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل الأخلاق، ورذائل الأخلاق مشقيات للنفس، مهلكات في الآخرة، كما أنّ رذائل الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا، والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة، كالسموم بالإضافة إلى الحياة الدنيا، وللنفوس طبيبُ كما أن للأجساد طبيباً، والأنبياء عليهم السلام أطبّاء النفوس، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكية للقلوب، كما قال تعالى:
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّٰهَا } [الشمس:9 - 10].
ثم نقول: إن المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض، فبالحقيقة لم يتماد مرض الممراض بمخالفة الطبيب لأجل عين المخالفة، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة الذي أمره الطبيب به، فكذلك التقوى التي أشار إليها قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} هي الاحتماء الذي ينفي عن القلوب أمراضها، وأمراض القلوب تفوِّت حياة الآخرة، كما تُفوِّت أمراض الأجساد حياة الدنيا.
فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكاليف، فإن الطاعات أدوية نافعةٌ، والمعاصي سموم ناقعةٌ، وتأثيرها في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان، لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. كما لا يسعد هٰهنا إلا من أتى بمزاج معتدل، وكما يصح قول الطبيب للمريض: "قد عرّفتك ما يضرّك وما ينفعك، فإنْ وافقتني فلنفسك، وإنْ خالفتني فعليها"، كذلك قال تعالى:
{ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } [الإسراء:15].
وأما العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات، فليس ذلك من الله غضباً وانتقاماً على نحو غضبنا وانتقامنا، بل لأنه رتَّب الأسباب على المسبّبات، فخلق نفس الإنسان على وجه تكمِّلها وتنجيها الفضائل، وتهلكها وتشقيها الرذائل، والله تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل، والإرواء من غير شُرب، والإنشاء للولد من غير مضاجعة ووقاع، ولكن قد رتَّب الأسباب والمسببات لحكمة خفيَّة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم.
هذا ما ذكره بعض العلماء، وبه يخرج الجواب أيضاً عن الشبهة الثالثة لمنكري التكاليف.
المسئلة الخامسة
لمَّا كانت الفائدة في قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أنّه لا يستحق العبادة إلا بذلك، فما الفائدة في قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، وخلْقُ الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة لهم؟
قلنا فيه وجوه:
أحدها: إن المراد تعدّد منشأ العلم بالصانع ومأخذه، لا إثبات مقتضى العبادة وموجبها.
وثانيها: إن مَنْ قبلكم كالأصول والأسباب لوجودهم، فخلْقها يجري مجرى الإفضال على الفروع، فكأنّه يقول: كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بخلْق آبائك وأصولك.
وثالثها: إزالة شبهة أنّ الموجِد للناس آباؤهم وأمّهاتهم.
ورابعها: إزالة شبهة عبَدَة الملائكة والهياكل العلويّة.
المسئلة السادسة
إن كلمة "لعلّ" في قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} للترجّي أو الإشفاق، ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة، وهو على الله محال، فلا يجوز رجاء الله تقواهم، لأنه عالِم الغيب والشهادة.
وأجيب: إن الترجّي راجع إلى العباد، لا إلى الله كقوله تعالى:
{ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } [طه:44]. أي اذهبا أنتما إلى فرعون على رجائكما وطمعكما في ايمانه، ثم الله عالِمٌ بما يؤول إليه أمره، أي اعبدوا ربكم راجين للتقوى.
أقول: الأولىٰ أن يقال: "لعلّ" أينما وقع في القرآن، كان واقعاً على أنه من لسان الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو بحسب علمه تعالى التفصيلي الواقع في أخيرة المراتب، فإنّ لعلمه تعالى مراتب، كما إن لقدرته مراتب أعلاها ما هو عين ذاته، لأن ذاته بذاته مبدء انكشاف جميع الأشياء على ذاته في الأزل على وصف الوجوب الذاتي مقدساً عن التغيّر، وأدناها ما هو عين الممكنات، ويجري فيه التغيّر والإمكان، والإختيار والإبتلاء وغيرها من سمات الحدثان، ولكن بالقياس إلى ما في هذه الدرجة من الموجودات - لا بالقياس إلى ذاته الأخدية -.
وهذا مما يحتاج دركه على التحقيق إلى علوم كثيرة مع نور بصيرة، ويمكن إدراكه على سبيل التقريب، بأن الله عزّ وجلّ، خلق عباده ليستعبدهم بالتكليف، وركّب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلّة في اقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الإختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتَّقوا لترجيح خيرهم على شرِّهم، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجّحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله تعالى:
{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [هود:7]. وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن لمّا كان بناء الأمر على الإمكان والإختيار والقوّة والصحّة - دون الإلجاء والإضطرار -، أطلق لفظ "الترجّي" من هذا الوجه، وإن كان بناء أمرهم بحسب الأسباب القصوى وصورة ما في الكتاب والقضاء هو التحقيق.
وهذا مستقيم، سواء تعلق قوله: "لعلّكم" بـ "خَلَقكم" أو بـ "اعبدوا"، وحمله على "أن يخلقكم راجين للتقوى" ليس بسديد أصلاً.
وقيل: "لعلّ" قد يجيء بمعنى "كي" ووُجِّه بأنها للإطماع، وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنّه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع في فعل يجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به، وأيضاً فمِن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطّنون أنفسهم لانجازها، على أن يقولوا: عسى ولعلّ، مثل قوله تعالى:
{ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } [الإسراء:79]. وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شكٌ في الفوز والنجاح بالمطلوب.
أو جاء على طريق الإطماع دون التحقيق، لئلا يتَّكل العباد مثل:
{ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [التحريم:8]. وهذه مَجازات والتحقيق ما انفلق صبح نوره.
قال القفّال: في "لعلّ" معنى التكرير والتأكيد، إذ اللام فيه للتأكيد، كما في نحو قولهم: "لقَد"، ولقولهم: "علَّك أن تفعل كذا" و "علّ" يفيد التكرير، ومنه "العَلّ بعد النهْل"، فقول القائل: "افعلْ كذا لعلَّك تظفر بحاجتك" معناه: افعل فإنّ فعلك له يؤكّد طلبك ويقويك عليه.
المسئلة السابعة
إذا كانت العبادة تقوى، فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} جارٍ مجرى قوله: اعبدُوا ربّكم لعلّكم تعبُدون و "اتّقوا ربّكم لعلّكم تتّقون.
والجواب: المنع من اتّحاد مفهوميهما، وذلك لأن أصل لفظ "التقوى" في اللغة هو "الوقوى" بالواو، وهو مصدر كالوِقاية، فأبدلت "الواو"تاءً" كما هو في "الوكلان" و "التكلان" ونحوهما، فقيل: "تقوى" فإذاً لمّا حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصي والشرور من قوة عزمه، وتوطين قلبه على تركها، فيوصف حينئذ بأنه متّقي، ويقال لذلك العزم والتوطين: "تقوى".
والتقوى، أطلق في القرآن على ثلاثة أشياء:
أحدها: بمعنى الهيبة والخشية، قوله تعالى:
{ وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ } [البقرة:41]. وقال: { وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } [البقرة:281].
والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران:102]. وقال ابن عبَّاس: "أطيعوا الله حق إطاعته". وقال مجاهد: "أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر".
الثالث: بمعنى التنزيه للقلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين، ألاَ ترى أن الله تعالى يقول:
{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون } [النور:52]. ذكَر الطاعة والخشية ثم التقوى، فعلمنا أنّ حقيقة التقوى سوى الطاعة والخشية، وهو تنزيه القلب عما ذكر.
وعند أهل الله: تنزيه القلب عن الإلتفات بغير الله.
وقال بعض الشيوخ: منازل التقوى ثلاثة، تقوى عن الشرك، وتقوى عن البدعة، وتقوى عن المعاصي الفرعية؛ ولقد ذكرها الله تعالى في آية واحدة وهو قوله:
{ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ } [المائدة:93]. فالتقوى الأولى تقي القلب عن الشرك، والإيمان الذي ذكر في مقابله التوحيد؛ والتقوى الثانية عن البدعة، والإيمان ذكر معها اقتداء الشريعة واجتماع الأمّة؛ والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية والإقرار في هذه المنزلة، فيقابلها الإحسان - وهي الطاعات والإقامة عليها -.
وقد جاءت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال، وهو ما روي في المشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه قال:
"إنَّما سمّي المتَّقون متّقين لتركهم ما لا بأس به حذراً عما به بأس" . فإن أردت أن تجمع بين تلك المعاني وبين ما جاء في الخبر في حدّ جامع ومعنى بالغ، فلَك أن تقول: التقوى هي الاجتناب عما يُخاف منه ضررٌ في الدين؛ ثم الذي يخاف الضرر منه في أمر الدين قسمان، محض الحرام والمعصية، وفضول الحلال - لأنّ الانهماك فيه أيضاً يجرّ إلى الحرام المحض، لأنّه يوجب شَرَهَ النفس وطغيانها وتمرّدها وعصيانها -، فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه، فليجتنب عن فضول الحلال لئلاّ يقع في الحرام، حتى يصير ذلك وقاية له عن كل شرّ.
والشرُّ ضَرْبان: شرٌّ بالإصالة كالمحرّمات، وشرٌّ لا بالإصالة كالشهوات المباحة، فالتقوى عن الأولى تقوى فرضٍ يجب بتركها عذاب النار، والثانية تقوى زَجْرٍ وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب الطويل، واللوم والتعيير.
فصل
وأما العلوم الشريفة، فبيان استدعاء الآية لها واشتمالها عليها؛ أن الله لمّا أمرنا بعبادة الربّ، أردفه بما يدلّ على وجود الصانع، وهو خلْق نفوسنا، وخلْق من سبق وجوده على وجودنا، وهذا مما يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله، إلاّ بالنظر والاستدلال والتدبّر في مبادئ المطالب، وأوائل البراهين، والعلم بكيفيّة وجود الخلائق، والإطلاع على حقائق الآفاق والأنفس.
وطعَن قوم من المعطِّلة والحشويَّة في هذه الطريقة وقالوا: "الاشتغال بنمط البراهين لتحقيق اليقين بدعة"، وقوم منهم أنكروا هذا العلم، وزعموا أن الإنسان مكلَّف بالعمل لا بالمعرفة، ولا ينكرون سائر العلوم، بل جعلوا بعضها واجبةً وبعضها مستحسَنةً. ونحن بحمد الله تعالى خالفنا سيرتهم، وهدمنا بنيانهم، وكسرنا أصنامهم الجاهليّة في رسالة سمّيناها كسر أصنام الجاهليّة، فلنذكر في بيان صحّة طريقنا وجوهاً نقليّة وعقليّة في عدّة إشراقات.
الاشراق الأول:
في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم وهو من وجوه:
الأول: إن أجلّ العلوم رتبة، وأعلاها منزلة، وأرفعها درجة، وأعظمها ثمرة، العلم بذات الله الجليلة، وصفاته العالية، وأسمائه الحسنى، لأن العلم تابع للمعلوم، والمعلوم إذا كان أشرف الموجودات، فالعلم بذلك أشرف العلوم، وليس في المعلومات - موجوداً كان أو معدوماً - أشرف وأعلى من ذات الله القديمة، وصفاته وأسمائه، فيجب أن يكون العلم بها أشرف العلوم - وهذا مما لا شبهة فيه -.
الثاني: إن العلم إما دينيّ أو غير دينيِّ، ولا شكّ أن الدينيّ أشرف؛ والعلم الدينيِّ؛ إما علم بالأصول أو بالفروع؛ والأول أشرف، إذ ما عداه يخدمه وتتوقّف صحّته على علم الأصول؛ لأن المفسِّر يبحث عن معاني كلام الله المجيد، وذلك فرع على وجود الصانع واختياره وعلمه وقدرته وكلامه، وأما المحدِّث، فإنّه إنّما يبحث عن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكل ذلك فرع على العلم بوجود الرسول، والعلم بكيفيّة نبوّته ورسالته وصدقه؛ والفقيه، إنّما يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على التوحيد والنبوّة؛ فثبت أن هذه العلوم كلّها مفتقرة إلى العلم بالأصول، وظاهر أن علم الأصول غنيٌّ عنها.
وإن سألت الحقّ، فجميع العلوم مفتقرةٌ إلى العلم الكلّي الإلهي، وهو غير مفتقر إليها، فهو علمٌ حرٌّ مخدوم الكلّ، وسائر العلوم عبيده وخدمه، لأن موضوعات العلوم تكون مسلّمة فيها على سبيل الوضع، وإنّما يقام البرهان على وجودها ووجود مباديها في العلم الأعلى.
قال المحقّقون: مسائل كلّ علم بمنزلة قياسات استثنائيّة تثبت مقدّماتها الاستثنائية في العلم الأعلى، فهو أشرف العلوم.
الوجه الثالث: إن شرف كلّ علم وعمل، وجلالة كل درك وفعل، إمّا بشرف موضوعه، وإمّا بحسن صورته، وإما بفضيلة فاعله، وإما بكمال غايته ونباهة الثمرة الحاصلة له؛ وهذا العلم مشتمل على الكلّ.
وذلك لأن علم الهيئة - مثلاً -، أشرف من الطبِّ نظراً إلى الموضوع، لأنّ موضوع الهيئة هو الأجرام الكريمة البسيطة الرفيعة عن أرجاس العنصريّات، وموضوع الطبِّ، هو بدن الإنسان المركَّب من الأخلاط العِفنة والأضداد المستحيلة، القابل للأمراض والأوجاع، المتسارع إلى الموت والفساد، فيكون موضوع الهيئة أشرف من موضوع الطبّ.
والفقْه أشرف منهما، باعتبار الغاية - وإن كان أدون منهما بحسب الموضوع، لأن موضوعه فعْل المكلَّف - ومن الهيئة بحسب الأدلّة والمبادئ، لأن أدلّتها مقدّمات يقينيّة وأدلّة الفقه ظنّية.
ثم لا شكّ أن الأسباب الأربعة في المعارف الربوبيّة: ففاعلها القوّة النظريّة والبصيرة العقليّة المنوَّرة بنور الله، المؤيّدة من عنده، وهي أشرف أجزاء الجوهر النطقي المضاهي عند صيرورتها منوّرة بالفعل في التقدّس والتنوّر لجواهر الملائكة العقليّة، وهم سكّان حظائر القدس، المجاورون للحضرة الإلهيّة والجنّة العقليّة.
وغايتها الوصول إلى الحضرة الإلهيّة والقرب من بارئ الكلّ، ومحرّك ملكوت السموات والأرض بالتشويق العقليّ والمحبّة الإلهيّة.
وأمّا موضوعها، فهو ذات الباري وذوات الملائكة والكتب والرسل، ولا شبهة أنها أشرف الموضوعات العلميّة والعمليّة.
وأمّا الصورة، فهي هيئة المعرفة الراسخة في النفس الإنسانيّة والقلب المعنويّ، الحاصلة من حضور صورة الكلّ - التي بها يصير الإنسان عالَماً عقليّاً مضاهياً للعالَم بجميع أجزائه الكلية وأسبابه القصوى، آخذاً من المبدء الأعلى إلى الجواهر العقليّة، ثمّ النفسيّة، ثمّ الاجرام الكليّة، والأنواع الحاصلة بفيض الإبداع، العائدة إليه؛ سيّما النوع الإنساني المشتمل على النفوس النبويّة والولويّة العائدة إلى الله تعالى بعد مرورها على الطبقات والوسائط - حضوراً عقلياً مقدّساً عن وصمة التغيّر والزوال والاضمحلال أبد الآبدين ودهر الداهرين، مرتبطاً وجودها بوجود الخير الأعظم، والجمال الأتمّ، والجلال الأرفع، مستهلكاً وجودها في وجوده، مضمحلاًّ نورها في نوره الساطع وضوئه الشامخ - تعالى كبرياؤه -.
الوجه الرابع: إن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضدّه - فكلّما كان الشيء أخسّ ضدّاً كان أشرف وجوداً - وضدّ علم الأصول وعلم الإلهيّات هو الكفر والبدعة والسفسطة، وهي من أخسّ الأشياء بعد العدم، فوجب أن يكون هذا العلم من أشرف الأشياء بعد الوجود المبرّأ عن شوب النقص والعدم - وهو وجود الباري جلّ اسمه -.
الوجه الخامس: إن هذا العلم، مما لا يتطرّق إليه النسخ والتغيير، ولا يختلف باختلاف الأزمنة والدهور، ولهذا اتّفق عليه جميع الأنبياء عليهم السلام، ولم ينقل من أحد منهم خلاف في هذه الأصول، فجميعهم متّفقون في إثبات المبدء وإثبات المعاد، وحقيّة الملائكة، والكتب والرسل والأولياء لله - بخلاف سائر العلوم -، فوجب أن يكون أشرف العلوم.
الوجه السادس: إن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها، أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهيّة والعلوم السياسيّة، وهذا ممّا لا يخفى على مَن له اطّلاع على علم القرآن، ويدلّ عليه أنه جاء في فضائل:
{ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1]، و: { آمَنَ ٱلرَّسُولُ } [البقرة:285]، وآية الكرسي، وآية السخرة، وسورة الحديد، ويٰس، وما يشابهها، ما لم يجئ مثله في آية الحيض وآية المداينات وآيات القتال؛ وذلك يدلّ على فضيلة العلم الإلهي.
الوجه السابع: إن عدد الآيات الواردة في الأحكام قليل لا يبلغ إلى ستمائة آية، وأمّا البواقي ففي بيان التوحيد، والنبوّة، وإثبات المعاد، والردّ على عبدَة الأوثان وأصناف المشركين؛ وأمّا الواردة في القصص، فالمقصود منها معرفة حكمة الله وقدرته كما قال:
{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } [يوسف:111]. فدلّ على أن هذا العلم أشرف وأفضل.
الوجه الثامن: إن الله أول ما دعى المكلفين من خَلْقه، إنّما دعاهم إلى النظر والإعتبار الموصل إلى توحيد ذاته، ومعرفة صفاته بالدلالات الواصلة والعلامات الباهرة الزاهرة، الدالّة على وحدانيّته، وتنزيه ذاته وصفاته عن مشابهة خلْقه، وقطَع عذرهم، وأزاح علتهم، وأمَر بالنظر والإعتبار في كتابه المنزّل من السماء بأكثر من أربعمائة آية تصريحاً وتلويحاً، ومدح الناظرين والمباحثين والمجادلين الذين عرفوه وبيّنوه للخَلْق، وقمعوا شُبه المعاندين، ودعوا الناس إلى معرفته بآياته، فقال عزّ وجلّ:
{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } [آل عمران:7]. - على قراءة العطف - إخباراً عن رفع مراتبهم، وقال: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } [آل عمران:18]. وقال: { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ } [العنكبوت:43]. وقال: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } [سبأ:6] تنبيهاً على أن غير الذي أوتي العلم والحكمة من عند الله، ليس ممن يرى حقّية الرسالة وطريقة الهداية.
وحكى أيضاً عن خيار رسله وأمناءِ وحْيه إلى خلقه، استعمالهم النظر والبحث والمجادلة مع من ضلّ وترَك الطريق الأمثَل.
فقد حكى في قصّة نوح عليه السلام عن الكفار قولهم:
{ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [هود:32]. ومعلومٌ أن تلك المجادلة، ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعيّة، بل كانت في التوحيد والنبوّة، فالمجادلة في نصرة الحقّ في هذا العلم هي حرفة الأنبياء عليهم السلام.
وقال في قصّة إبراهيم:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة:258]. قال تعالى في اخباره عن نظره واعتباره: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } [الأنعام:76]. الآيات - فردّ المِثْل إلى المِثْل، والنظير إلى النظير، فأخرج هذه الأجرام عن الربوبيّة بعلَّة اشتراكها في الأفول، والإمكان، والزوال والانتقال في الأحوال، وسَمَّىٰ استدلاله حُجّة، وأضافه إلى نفسه فقال عزَّ وجل: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } [الأنعام:83]. انه تعالى بهذا العلم، رفع بدرجة إبراهيم عليه السلام، فقد ظهر من القرآن أنَّ له عليه السلام مقامات:
أحدها: مع نفسه وهو قوله:
{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً } [الأنعام:76] الآيات. وهذه طريقة استدلال الحكماء والمتكلّمين بإمكانها، أو بتغيُّرها وحدوثها، على حاجتها إلى من فطَرها وأقام وجودها، فمدح الله عليه بقوله: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ } [الأنعام:83] - الآية.
وثانيها: حاله مع أبيه وهو قوله:
{ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } [مريم:42].
وثالثها: حاله مع قومه، تارة بالقول والتعليم، وأخرى بالزَجر والتوبيخ؛ أما بالقول فقوله:
{ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } [الأنبياء:52] وأما بالفعل بقوله: { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } [الأنبياء:58].
ورابعها: حاله مع ملك زمانه في قوله:
{ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ } [البقرة:258]. - الآية - وكلّ من سلمت فطرته، عَلِم أن علْم الأصول ليس إلاّ تقرير هذه الأدلة، ودفع الأسئلة والمناقضات عنها.
فهذا كلّه بحث ابراهيم عليه السلام في المبدء، وأما بحثه في المعاد فقوله:
{ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } [البقرة:260]. إلى آخره - ويندرج فيما قصده جميع علوم المعاد.
وأمّا موسى عليه السلام، فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوّة، أما التوحيد، فاعلم أن موسى عليه السلام إنما كان يقول في أكثر الأمر على دلائل آبراهيم عليه السلام، وذلك لأنّه تعالى حكى في سورة طٰه:
{ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه:49-50]. وهذا هو الدليل الذي ذكره ابراهيم عليه السلام: { رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ } [البقرة:258]، فلمّا لم يكتف فرعون بذلك، وطالبه بشيء آخر، قال موسى: { رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } [الشعراء:28] فهذا هو الذي قال ابراهيم عليه السلام: { فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } [البقرة:258]، فهذا ينبهك على أن التمسُّك بهذه الدلائل، حِرفة هؤلاء المعصومين، وأنّهم كما استفادوها عن عقولهم، فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين.
وأما استدلال موسى عليه السلام على النبوّة بالمعجرة، ففي قوله:
{ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ } [الشعراء:30]. وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق.
فقد ظهر لك ان طريقتهم التمسّك بالحجّة والبرهان، ولذلك أمر الله بذلك رسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وقال:
{ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } [البقرة:135]. وقال: { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [الحج:78]. فيقتضي أمره تعالى أن يحتجَّ كما يحتجّ، ويستدلّ كما يستدلّ؛ وقال أيضاً عزَّ وجلَّ لرسوله ابتداءً: { ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل:125].
أما اشتغال نبيِّنا بالدلائل على التوحيد والنبوّة والمعاد، فأظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل، فإنّ القرآن مملوء منه، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مبتلى بجميع فِرَق الكفار:
الأولى: الدهريّة، الّذين كانوا يقولون بدهر هذا العالم قالوا:
{ وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } [الجاثية:24]، والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل.
والثانية: الذين ينكرون القادر المختار، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات، وأصناف الحيوانات، مع اشتراك الكلّ في الطبائع بتأثيرات الأفلاك، وذلك يدلّ على وجود القادر.
الثالثة: الذين أثبتوا شريكاً مع الله، وذلك الشريك، إمّا أن يكون علوياً أو سفليّاً؛ أما الشريك العلوي، كمثل من جعل الكواكب مؤثّرات في هذا العالَم، كالصابئة، والله تعالى أبطله بدليل الخليل عليه السلام في قوله:
{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ } [الأنعام:76]، وأما الشريك السفلي فالنصارى، قالوا بإلهيَّة المسيح، وعبدَة الأوثان قالوا بإلهيَّة الأوثان؛ والله تعالى أكثرَ من الدلائل على فساد قولهم.
الرابعة: الذين طعنوا في النبوّة، وهم فريقان:
أحدهما: الذين طعنوا في أصل النبوّة، فهم الذين حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا:
{ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } [الإسراء:94].
والثاني: الذين سلَّموا أصل النبوَّة، وطعنوا في نبوَّة محمد (صلى الله عليه وآله)، وهم اليهود والنصارى، والقرآن مملوء من الردَّ عليهم، ثم إنّهم طعنوا تارة بالطعن في القرآن، فأجابه بقوله:
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة:26]. وتارة بالتماس سائر المعجزات بقوله: { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } [الإسراء:90]. وتارة بأن هذا القرآن ينزل نجماً نجماً وذلك لطَرْق التهمة إليه، فأجاب الله عنه بقوله: { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } [الفرقان:32].
الخامسة: الذين نازَعوا في الحشر والنشر، والله تعالى أورد على صحَّة ذلك، وعلى إبطال قول المنكرين أنواعاً كثيرة من الدّلائل.
السادسة: الذين طعنوا في التكليف، تارة بأنّه لا فائدة فيه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله:
{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [الإسراء:7]. وتارة بأنّ الحق هو الجبر، وأنّه ينافي صحَّة التكليف، وأجاب الله تعالى عنه بأنّه: { لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } [الأنبياء:23].
فثبت أن هذه الحِرفة هي حِرفة كلّ الأنبياء والرسل عليهم السلام، وعلم أن الطاعن فيها إما كافر أو جاهل.
وكذلك أمر الله أمة نبيِّنا بايضاح الحجَّة، ونهاهم عن التقليد، وذمَّهم عليه، فقال لكافَّة المؤمنين:
{ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [العنكبوت:46]. فأمره سبحانه وأمَّته بايضاح طريق الحق بالجدال، وكشف بطلان أهل الضلال، والفصل بين الحقّ والباطل بالعلم، ونهى عن التقليد، وذمَّ أهله، وأمَرهم بالمسير إلى النظر والمعرفة في قوله: { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ } [الأعراف:185]. { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } [الروم:8]. وأمَرهم بالمسافرة لطلب العلم واليقين، وخوَّفهم بالزجر عن اتّباع أسلافهم الماضين، والقول في دينه بغير دليل، فقال جلَّ جلاله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } [لقمان:21]. وقال أيضاً في إخباره عن أمثال هؤلاء وردّهم ما أتي به النبيّون بقولهم: { إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } [الزخرف:23]. فعيَّرهم الله ووبَّخهم به، وجعله من أعظم ذنوبهم.
فثبت بذلك أن المعرفة الإلهية أجلّ أنواع العلوم، وأعلاها كلّها درجة، وأعظمها، ولأنّ معرفة الله أصل الدين الذي يتّحد طريقه، ويؤمن سالكه، ويكفر تاركه، ولا يعذر من أخطأ في اجتهاده وعدَل عنه.
ولهذا قال (صلى الله عليه وآله):
"افترقت بنو اسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين كلّها في النار إلاّ واحدة" . وقال (صلى الله عليه وآله) في فروع الدين: "الاختلاف بين أُمّتي رحمة" . وقال: "اجتهدوا فكلٌّ ميسّر لما خُلِق له" . وقال: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد" .
ففرَّق صلوات الله عليه وآله بين أصل الدين من الخطر العظيم والثواب الجسيم - ومن طلَب العظيم خاطَر العظيم -، ولا يكون في هذا العلم كلّ مجتهد مصيباً، ولا المخطئ في اجتهاده مأجوراً - بل يكون مأزوراً باتّفاق العلماء -، بخلاف فروع الدين.
وإنّما كان كذلك، لأنَّ الاختلاف في أصول الدين، إنّما يرجع إلى ذات واحدة، فمحالٌ أن تكون الذات الواحدة على صفات يقولها الصفاتيّة، وعلى ما يقوله المعتزلة، وعلى التي يقولها المشبّهة، وعلى ما يقوله المعطّلة، ومحال أيضاً أن يرد الشرع بالاعتقاد لكلّ فريق على الوجه الذي ذهب إليه كل فريق، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله):
"الناجية منها واحدةٌ" وهي التي قد أصابت الحقّ.
ولا كذلك [الـ] فروع، لأن التكليف في ذلك يرجع إلى أعمال العباد، فيجوز أن تختلف التكاليف في حقِّ كل واحد منهم، ويرد الشرع ابتداء بذلك، كصوم يوم واحد من رمضان. يجب على واحد أن يصوم، ويتحتَّم عليه صومه كالصحيح المقيم، ويجب على الآخر أن يفطر، ويتحتَّم عليه افطاره كالحائض، ويخيَّر الآخر بين الصوم والافطار، كالمسافر عند جمع، والمريض أيضاً، واليوم يومٌ واحد، ويختلف حكمه باختلاف أحوال المكلَّفين من غير تناقض وتضادّ -، كذلك حكم المجتهدين من العلماء، إذا أدّى اجتهاد كلّ واحد منهم في حكم الحادثة التي لا نصّ فيها إلى خلاف ما أدّى إليه اجتهاد الآخر، فيكون كلّ واحد منهم متعبّداً مكلَّفاً فيما أدّى إليه اجتهاده باتّفاق الأمّة، ولهذا المعنى كانت شرائع الرسل صلوات الله [عليهم] مختلفة، وأديانهم في التوحيد والمعاد متّفقة، وإذا ثبت ذلك، فثبت أنّ هذا العلم أشرف من سائر علوم الدين - فضلاً عن سائر العلوم -، وأن اقتناءَه فرض عين، فمِن شأن العاقل أن يحتاط لنفسه، ويطلب ماله فيه نجاة العقبى، والفوز بالدرجة القصوى، فإن أمور الدنيا زائلة، وعذاب الله شديد - نسأل الله العصمة والتسديد.
الإشراق الثاني
في أنّ هذا العلم هو الفرض على العين لا على الكفاية، وسائر العلوم إما فرض على الكفاية، أو ليس بفرض أصلاً، وأنّ المراد من قوله (صلى الله عليه وآله):
"طلب العلم فريضة على كل مسلم" وقوله: "اطلبوا العلم ولو بالصّين" هو هذا العلم دون غيره.
وقد وقع الاختلاف بين الناس في العلم الذي هو فَرْضُ عَيْن، وتحزّبوا أكثر من عشرين فرقة، ويطول الكلام بتفصيلها، وحاصله أن كلّ فريق نزَّل الوجوب العيني المستفاد من الحديث على ما هو بصدده، فقال المتكلّم: "هو علم الكلام، إذ به يدرك التوحيد ويعلم ذات الله وصفاته". وقال الفقيه: "هو علم الفقه، إذ به تعرف العبادات وما يحرم ويحلّ في المعاملات". وقال المفسِّرون والمحدِّثون: "هو علم الكتاب والسُّنة، إذ بهما يُتوصّل إلى العلوم كلّها".
وقال المتصوِّفة: "هو هذا العلم"، وقال بعضهم: "هو علم العبد بنفسه وبحالها ومقامها من الله". وقال بعضهم: "هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس، وتمييز لمّة الملك من لمّة الشيطان". وقال أبو طالب المكّي: "هو العلم بما تضمّنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام، وهو قول الرسول:
"بني الإسلام على خمس" لأن الواجب هذه الخمس، فيجب العلم بكيفيّة العمل فيها".
قال بعض العلماء: الذي ينبغي أن يقطع المحصّل ولا يستريب فيه العاقل، هو أنّ العلم ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إذا عمّ وجوبه إلا علم المعاملة، فهي التي كلف العبد العاقل البالغ إيّاها.
وهي على ثلاثة أقسام: اعتقادٌ، وقولٌ، وفعلٌ، فإذا بلغ الرجل العاقل الاحتلام والسنّ أول نهار مثلاً، فأول واجب عليه تعلّم كلمتي الشهادة وفهم معناها، وليس يجب عليه كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلّة، ويكفيه أن يصدّق به ويعتقد جزماً من غير اختلاج وريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث وبرهان؛ إذ اكتفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلّم دليل، فإذا فعل ذلك، فقد أدّى واجب وقته وفَرْضَ عينه في المعرفة.
ثم يجب عليه العلم بكيفيّة ما يجب عليه ويحرم في كل وقت، كالصلاة وهي حاضر الوقت، والصيام وهو ممكن التراخي إلى سنة، والزكاة، والحجّ، والجهاد، وكلّ منها يمكن أن لا يجب على العبد في مدّة عمره، فلا يجب عليه العلم بكيفيّتها وجوباً عينيّاً؛ وأما الاعتقادات وأعمال القلوب، فيجب علمها عليه بحسب الخواطر والسوانح.
وما ذكره الصوفيّة من فهم خواطر العدوّ ولمّة المَلَكِ فهو أيضاً [يجب] ولكن في حقّ من يتصدّى له، وإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفكّ عن أمراض القلب ودواعي الشرّ - من الحسد والرئاء وهواجس الشيطان ووساوس الهوى - فيلزمه أن يتعلّم ما يرى نفسه محتاجاً إليه، وكيف لا يجب وقد قال (صلى الله عليه وآله):
"ثلاثٌ مهلكات: شحٌ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه" ، ولا ينفكّ عنها بَشرٌ، فإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدّها وأسبابها وعلاماتها، ومعرفة معالجتها، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، فالعلم بجميع ما ذكرناه من فروض الأعيان، وقد تركه كافّة الناس اشتغالاً بما لا يعني.
وممّا ينبغي أيضاً أن يبادر إليه: الإيمان بالجنّة والنار، والحشر والنشر، حتى يؤمن ويصدّق به، وهو ممّن يتمّم كلمتي الشهادة، فإنّه بعد التصديق بكونه رسولاً، ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلِّغها، وهو أن من أطاع الله فله الجنّة، ومن عصاه فله النار؛ وإذا تنبهت لهذا التدريج، علمت أنّ المذهب الحقّ هو هذا، فإذن تبيّن أنه المراد بالعلم المعرّف باللام في الحديث المذكور" - انتهى كلامه.
ثم ذكر بيان العلم الذي هو فرض كفاية؛ فقسّم أولاً العلوم إلى الشرعيّة وغير الشرعيّة، وجعل كلاًّ منهما منقسماً إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفرض، وجعل الفقه من الأولى، والطبّ من الثانية من فروض الكفايات، وجعل كلاًّ منهما مندرجاً تحت علوم الدنيا، وجعل الفقهاء كالأطباء من علماءِ الدنيا، واستدلّ على ذلك ببيانات صحيحة واضحة حيث قال:
"فإن قلت: فلِمَ ألحقتَ الفقه بعلم الدنيا وعلماءَه بعلماءِ الدنيا؟
فاعلم أن الله أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريّته من سلالة من طين، ومن ماء دافق، وأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر، ثم إلى العَرْض، ثم إلى الجنّة والنار، فهذا مبدؤهم وهذه منازلهم؛ وخلَق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول الناس ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات وتعطّل الفقهاء، لكنّهم تناولوا بالشهوات فتولّدت منها الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، وإلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالِم بقانون السياسة، ولَعَمري هو متعلق بالدين، ولكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة".
ثمَّ قال: "فإن قلت: هذا - إن استقام - ففي ما سوى ربع العبادات، فما تقول فيها؟
فاعلم أن أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التي من أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام والصلاة والحرام والحلال؛ فإذا تأمّلت منتهى نظر الفقيه فيها، علمت أنه لا يتجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، فإذا عرفت الأمر في هذه الثلاثة ففي غيرها أظهر.
أما الإسلام: فيتكلم الفقيه فيما يصح منه ويفسد، وفي شروطه، وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان، وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه بعزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرباب السيوف والسلطنة عنها حيث قال:
"هلاّ شققت عن قلبه؟" في الذي قتل مَن تكلّم بالإسلام معتذراً بأنّه "كان ذلك من الخوف"، بل يحكم الفقيه بصحّة إسلام مثله، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءَهم وأموالهم" ، وجعل (صلى الله عليه وآله) أثر ذلك في الدم والمال، وأمّا الآخرة فلا تنفع فيها الأقوال، بل أنوار القلوب وأسرارها، وليس ذلك من فنّ الفقيه، وإن خاض فيه كان كما لو خاض في علم خارج عن فنّه كالطبّ والكلام.
وأمّا الصلاة: فالفقيه يفتي بالصحّة إذا أتى بصورة الأعمال وظاهر الشروط - وإن كان غافلاً من أولها إلى آخرها، مشغولاً بالفكر في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير - وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة.
وأما الزكاة: فالفقيه ينظر إلى ما يقطع مطالبة السلطان، حتى أنه إن امتنع فأخذ السلطان منه، فهو حكم بأنّه برئت ذمته.
وحُكي أن أبا يوسف كان يهب مالَه لزوجته في آخر الحول، ويستوهب مالَها لإسقاط الزكاة، فذلك من فقهه في الدنيا، ولكن مضرّته في الآخرة أعظم من كلّ خيانة، ومثل هذا العلم هو الضارّ.
وأما الحلال والحرام: فالورع عن الحرام من الدين، وله مراتب؛ أدناها: هو الاحتراز عن الحرام الظاهر الذي يشترط في عدالة الشهود.
الثانية: ورع الصالحين، وهو التوقّي من الشبهات، قال (صلى الله عليه وآله):
"دعْ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك" وقال: "الإثم خوان القلوب" .
الثالثة: ورع المتّقين، وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف أداؤه إلى الحرام، قال (صلى الله عليه وآله): "لا يكون الرجل من المتّقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس" وذلك مثل التورّع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر المؤدّي إلى المحظور.
الرابعة: ورع الصدّيقين، وهو الإعراض عما سوى الله، خوفاً من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله.
فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الأول - وهو ورع الشهود والقضاة - فإذن، جميع طرق الفقه ترتبط بالدنيا، ومن تَعلَّمه لا ليعمل - بل ليتقرّب بتعاطيه إلى الله - فهو مجنونٌ".
"فإن قلت: فَصِّلْ لي عِلْم الآخرة تفصيلاً يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله؟
فاعلم أنّه قسمان: عِلْم مكاشفة، وعِلْم معاملة.
أما الأول؛ فهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: مَن لم يكن له نصيب من هذا العلم، أخاف عليه سوء الخاتمة؛ وأدنى النصيب منه التصديق به والتسليم لأهله، وأقلّ عقوبة من ينكره أنه لا يرزق منه شيئاً، وهو علم الصدّيقين والمقرّبين - أعني علم المكاشفة -، فهو عبارة عن نورٍ يظهر في القلب عند تطهّره وتزكيته من صفاته المذمومة، وتنكشف من ذلك النور أمور كان يَسمع من قبل أسماءها ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فيتّضح إذ ذاك، حتّى تحصل المعرفة بذات الله وأسمائه وبكلماته التامّات، وبأفعاله، ومعنى الوحي، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفيّة معاداة الشياطين للإنسان، وكيفيّة ظهور المَلَك للأنبياء، وكيفيّة وصول الوحي إليهم، ومعرفة ملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب؛ وكيفيّة تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمّة الملك ولمّة الشيطان، ومعرفة الآخرة، والجنّة والنار، وعذاب القبر، والصراط، والميزان، والحساب، ومعنى قوله:
{ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } [الإسراء:14]. ومعنى قوله: { وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [العنكبوت:64]. ومعنى "لقاء الله"، و "النظر إلى وجهه الكريم"، ومعنى القرب منه، والنزول في جواره، ومعنى مرافقة الملأ الأعلى ومقارنة النبيّين، ومعنى تفاوت الدرجات في الجنان حتى يرى بعضهم بعضاً، كما يرى الكواكب اللاتي في جوِّ السماء، إلى غير ذلك مما يطول تفصيله".
ثم قال: "وأمّا علْم المعاملة، وهو من علم أحوال القلب، ومعرفة ما يُحمد وما يُذمّ من صفاته، وكيفيّة إزالة الذمائم والأمراض منه حتى يزول عن مرآة القلب صداها وخبثها بقاذورات الدنيا، وترفع عنها الأغطية والأغشية، وتتّضح له جليّة الحقّ في الأمور التي تتعلّق بعلم المكاشفة اتّضاحاً يجري مجرى العيان الذي لا يُشك فيه.
وهذا ممكن في حقّ الإنسان، فالعلم بهذه المعاملة هو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، والمُعرِض عنها هالكٌ بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما إن المُعرِض عن الأعمال الظاهرة، هالكٌ بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى إصلاح الدنيا، وهذا بالإضافة إلى إصلاح الآخرة.
ولو سُئل فقيه عن هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلاً، أو عن التوكّل، أو عن وجه الاحتراز عن الرئاءِ، لتوقّف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق بالرمي والرهانة، لسرَد عليك مجلّدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يُحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمّن يقوم به، فلا يزال يتعب ليله ونهاره في حفظه ودرسه، ويغفل عمّا هو مهمّ نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: "اشتغلت به لأنّه علم الدين وفرض الكفاية" فيلبّس على نفسه وعلى غيره في تعلّمه.
والفِطن يعلم أنّه لو صدَق لاشتغل بعض الاشتغال بسائر فروض الكفايات التي كانت أهمّ من ذلك، ولم يفتْ عنه كثيرٌ من فروض الأعيان، فهل لهذا سببُ إلاّ أنّ غير ما هو بصدده ليس يتيسَّر التوصُّل به إلى تولّي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيام، وتقلّد القضاء والحكومة، والتقدّم به على الأقران، والتسلّط به على الأعداء؟! هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوءِ، فنعوذ بالله من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن، ويضحك الشيطان".
ثم قال: "كان جمع من علماء الظاهر مقرّين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب، وكان الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب، ويسأله: "كيف يفعل في كذا وكذا"؟ فيقال له: "مثلك يسأل هذا البدوي؟!" فيقول: "هذا وفق لما علمناه". وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي، ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما، فكانا يسألانه: "كيف نفعل؟".
انتهى ملخّص ما ذكره في هذا المقام، تأييداً لما نحن بصدده من تحقيق المرام، وإزالة الشكوك والأوهام عن ضمير الطلبة، ممَّن سُلمت فطرته من اللجاج والتعنُّد والتعصُّب للأقوام، دون المطرودين من باب دار السلام، ومَن حقَّ القولُ عليهم من الله ذي الجلال والإكرام.
الإشراق الثالث:
في دفع شُبه الخصوم واعتراضاتهم على وجوب النظر ولهم في ذلك مقامات:
الأول: إن النظر لا يفيد العلم؛ واستدلّوا عليه بوجوه:
أحدها: إنّا وجدنا العلماء قد تفكّروا واجتهدوا فحصّلوا عقيب أنظارهم علوماً جزموا بها، ثم ظهر لهم ولغيرهم أنها كانت أغلاطاً باطلة؛ فعلى هذا لا يمكن الجزم بصحّة ما يستفاد من النظر؛ وحكاية الإمام الرازي مع بعض الصوفيّة مشهورة..................... والنظم الذي صدر منه في أواخر عمره دالٌّ على ذلك هو قوله:

نهاية اقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال

وثانيها: أن المطلوب إن كان مشعوراً به استحال طلبه، وتحصيل للحاصل، وإن كان غير مشعور به فطلب المجهول المطلق محالٌ.
والجواب: إنه معلوم بوجه وهو منشأ الطلب، ومجهول من وجه وهو الذي يؤدي إليه الطلب.
وثالثها: إن العلم بكون النظر مفيداً للعلم، إن كان ضرورياً، وجب اشتراك العقلاء فيه بلا خلاف - وليس كذلك -، وإن كان نظرياً، يلزم إثبات جنس الشيء وماهيّته بفرد منه، ومن أنكر الماهية أنكر كل فرد منها، وذلك محال، لاستلزامه إثبات الشيء من نفسه؛ ويلزم اجتماع النفي والإثبات في شيء واحد أيضاً، لأنه من حيث إنّه وسيلة إليه معلوم، ومن حيث إنّه مطلوب حاصل منه غير معلوم، والتناقض محال.
والجواب عنه: - بعد اختيار الشقّ الثاني -، أنّا لا نسلّم لزوم ما ذكر، لأن الدعوى إن النظر يفيد المطلوب، وهذا حكمٌ تصديقيٌ وليس أمراً تصورياً حتى يكون جنساً أو غيره، ولو سلّم، فلا نسلّم أنّه ماهيّةُ ما فرض مصداقاً له، بل يجوز أن يكون خارجاً لازماً من لوازمه، وإثبات اللوازم بإثبات بعض ملزوماتها غير مستنكر.
ورابعها: إن الآلة التي تستعملها النفس في الفكر والانتقال من المقدمات إلى النتائج، إن كانت عقليّة كليّة فكيف تنتقل وتتحرّك من صورة إلى صورة - والحركة مختصّةٌ بما هو كائن في الجسم كما اعترف به الفلاسفة -، وإن كانت جزئية فكيف تدرك المعاني والحدود الوسطى والقضايا الكليّة لكبريات القياس؟
والجواب: إن القوة الفكريّة في الإنسان ذات جهتين، يدرك الكليات بوجهه الذي يلي العقل، ويتحرّك في الصورة المخزونة في الخيال بوجهه الذي يلي المادّة.
قال أبو علي بن سينا في بعض رسائله: "القوّة العقليّة، إذا اشتاقت إلى شيء، وهو الصورة المعقولة، تضرّعت بالطبع إلى المبدء الواهب، فإن ساحت عليها على سبيل الحدس، كفت المؤنة، وإلاّ فزعت إلى حركات من قوى أخرى من شأنها أن تعدها لقبول الفيض لتأثير ما مخصوص بالنفس منها، ومشاكلة بينها وبين شيء من الصور التي في عالم الفيض؛ فيحصل لها بالاضطراب ما كان لا يحصل بالحدس" انتهى كلامه.
وخامسها: وهو قول من سلّم أن النظر في الجملة يفيد العلم، لكن النظر في الإلهيّات لا يفيد، واحتجّ بوجهين:
الأول: إن حقيقة الإله غير متصوّرة فاستحال التصديق بثبوته، أو ثبوت صفة من صفاته، لأن التصديق بشيء يتوقف على تصوّر موضوعه.
والثاني: إن أظهر الأشياء عندنا حقيقتنا التي نشير إليها بـ "أنا"، ثم الناس تحيّروا في ماهيّة هذا المشار إليه بقولي: "أنا"، فمنهم من يقول: "هو هذه البنية"، ومنهم من يقول: "هو المزاج"، ومنهم من يقول: "بعض الأجزاء الداخلية في البنية"، ومنهم من يقول: "لا داخل البدن ولا خارجه"، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك، فما ظنَّك بأبعد الأشياء مناسبة عنّا وعن أحوالنا كالباري وصفاته؟!
والجواب عن الأول: إن ذاته تعالى وإن لم تكن متصوّرة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له، لكنّها متصورة بحسب لوازمها الخاصّة - ككونه واجب الوجود، ومبدء سلسلة الممكنات - فيظهر لنا من النظر في الممكنات بالبرهان، افتقارها إلى مبدء وحداني الذات، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام، فنحكم على هذا المتصور بأنه كذا - إلى سائر الصفات والأفعال -، وهذا القدر يكفي للتأمّل في صفاته وآلائه، ثم ينجرّ إلى زيادة الكشف، وتصير هذه المعرفة بذر المشاهدة في الآخرة.
وعن الثاني: إنّ النفس وإن كانت أظهر الأشياء عندنا وجوداً لكنها - ونحن في دار البدن، وظلمة الطبيعة، وغشاوة شواغل الدنيا -، أخفى الأشياء علينا حقيقة؛ لأن هذه الحجب وقعت بيننا وبين أنفسنا، وحجاب الشيء عن نفسه، أصعب من حجابه عن غيره، لأن الإنسان إذا نسي غيره يمكنه الاسترجاع له، وإذا نسي ذاته لا يمكنه الاسترجاع لها.
وربما يجاب عن هذه الوجوه ونظائرها؛ بأن الوجوه التي ذكروها ليست ضروريّة بل نظرية؛ فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه، وهو متناقض.
المقام الثاني: إن تحصيل العلم غير مقدور لنا بوجوه:
الأول: تحصيل التصورات غير مقدور، فالتصديقات البديهية غير مقدورة، فجميع التصديقات غير مقدورة.
أما الأول: لأن طالبها إن كان عارفاً بها، استحال طلبها، لكونه تحصيلاً للحاصل، وإن كان غير عارف بها، فكذلك، لكون الطّلب فعلاً اختياريّاً لا بد فيه من تصور المطلوب، والجواب بكونه معلوماً من وجه مجهولاً من وجه، غير مفيد، لأن الوجه الّذي يصدق عليه انّه معلوم، غير الذي يصدق عليه انه مجهول، لاستحالة صدق النفي والإثبات على شيء واحد، فيعود المحذورات عليها.
وأما الثاني: فلأن حضور طرفي التصديق، أما أن يكفي للتّصدق البديهي، ويلزم جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات، أو لا يلزم؛ فإن لم يلزم، لم تكن القضيّة بديهيّة، وإن لزم، كان التصديق واجب الحصول عندهما، وممتنع الحصول عند عدمهما، وما يكون واجب الدوران نفياً واثباتاً مع أمر غير مقدور نفياً واثباتاً، وجب أن لا يكون مقدوراً؛ فثبت أن التصديقات البديهية غير مقدورة.
وأمّا الثّالث: فالبيان جارٍ فيه بمثل ما مرّ، فوجب أن لا يكون شيء من العلوم مكسوباً للعبد؛ فهذه شبهةٌ ذكرها العلاَّمة الرازي في هذا المقام في أكثر كتبه.
والجواب: أما عمّا ذكره في باب التصور، فالتحقيق في باب كون الشيء معلوماً من وجه، هو أن وجه الشيء قد يؤخذ ويعتبر على وجه يصير عنواناً لموضوع القضيّة المتعارفة، وقد يؤخذ ويعتبر لا على ذلك المنوال، بل على أن يصير عنواناً للقضيّة الطبيعيّة، ففي الأول، يصير عنواناً للأفراد، ومرآة لملاحظة الجميع أو البعض، ولهذا يسري الحكم إليها كما في قولك: "كلّ كاتب متحرّك الأصابع"وبعض الكاتب كذا" وفي الثاني يصير الوجه متصوّراً ومرئيّاً فقط ولا يصير مرآة لها.
فقد تحقّق الفرق بين تصوّر الشيء بوجهه، وبين تصوّر وجهه، وفي كلا الاعتبارين وإن كان المتصوَّر بالذات وبالحقيقة هو الوجه دون ذي الوجه، إلاّ أن في الأول يكون ذو الوجه متّحداً معه، متصوَّراً بتصوّره بالعرَض وعلى سبيل التبعيّة، وذلك القدر يكفي لتوجّه النفس إلى تحصيله من غير لزوم أحد المحالين - لا تحصيل الحاصل ولا توجّه النفس نحو المجهول المطلق -، فافهم إنشاء الله.
وعمّا ذكره ثانياً: إن الإدراك التصديقي نحو آخر من الإدراك مبائن بالنوع المتصوَّر - كما هو التحقيق -، فلا يلزم من مجرّد حضور الطرفين في الذهن الاذعان بثبوت أحدهما للآخر ونفيه عنه، وإن كان التصديق بديهياً، والبداهة في التصديق لا تنافي التأخُّر عن حضور الطرفين، فربما احتاج إلى قصد من النفس، أو التفات إلى إخطاره بالبال، ثمّ لا يخفى على أحد أن الجمع بين التصوّرين، وضمّ أحدهما بالآخر، غير وجود كلّ منهما في النفس، وغير وجودهما جميعاً، فهذا الجمع أمرٌ غير واجب بل ممكن مقدور.
فقس على ما ذكرناه فساد ما ذكره في عدم اكتساب النظريّات التصديقيّة من البديهيّات، لأن الأصل إذا بطل، كان ما يبتني عليه باطلاً أيضاً.
الثاني: إن الموجب للنظر إمّا ضرورة العقل، أو نظره، أو السمع؛ والكلّ باطلٌ.
أمّا الأول: فلأنّه لو كان بديهيّاً لما اختلف العقلاء فيه - وليس كذلك -.
وأما الثاني: فلأنّ العلم بوجوبه إذا كان نظريّاً لا يمكن حصوله إلاّ بعد النظر، فالتكليف قبله يكون تكليفاً بالمحال، وبعده يكون عبثاً لا فائدة فيه.
وأمّا الثالث: فلأنّ قبل النظر لا يكون متمكّناً من معرفة وجوب النظر، وبعده لا يمكن ايجابه لعدم الفائدة، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب.
والجواب: - بعد تسليم بطلان الأول، وامتناع خفاء الضروري على بعض العقلاء -، بأنّ ما ذكره في بطلان الثاني والثالث، مبناه على أن التصديق قبل حصوله لا يمكن تصوره، وليس كذلك، إذ يجوز حصول صورة التصديق النظري أو البديهي في العقل قبل نفسه، كما إذا قلت لأحد: "صدِّق بأنّ زيداً قائم وأذعِن بذلك"، فيتصوّر أولاً ما أمرت به من التصديق ثمّ يوقعه.
لا يقال: قد تقرّر إن العلم والمعلوم متّحدان ذاتاً، مختلفان بالإعتبار، فصورة كل شيء في الذهن عين ماهيّته، وقد تقرّر أيضاً كون التصور والتصديق نوعان متخالفان من العلم، فعلى ما ذكرت، يلزم كون صورة التصديق تصديقاً قبل حصول نفس التصديق، فيلزم كون تلك الصورة تصديقاً وليس بتصديق معاً، فيلزم التناقض وهو محال.
لأنّا نقول: المعلوم إذا كان ماهيّة شيء فله صورة مطابقة له متّحدة معه، وإن كان وجوداً - سواء كان وجوداً عينياً أو وجوداً ظلّياً - فلا صورة مطابقة له، لأنّ كل صورة ذهنيّة تقبل الاشتراك بين كثيرين، وليست الهويات الوجوديّة كذلك، فلا صورة لها في الذهن، بل هي نفس الصور، بل لها وجوه واعتبارات يدرك بها إدراكاً ضعيفاً، وإدراكها التامّ لا يمكن إلاّ بشهود نفسها ونيل هويّتها، فكذلك حكم تعلّق التصوّر بنفس التصديق، إذ هو حالة وجدانيّة وكيفيّة نفسانيّة لا يمكن استيفاء تصوُّرها إلاّ بوجهٍ واعتبارٍ غير حقيقتها، فتبصَّر إنشاء الله.
ولهاتين الشبهتين ونظائرهما جواب جدليٌّ، وهو أن التمسّك بشيء منها في أن النظر غير مقدور فاسدٌ، لأنّ القائلين بها مختارون في استخراج تلك الشُبه بالنظر، فبطل قولهم: "إنّها ليست اختياريّة"وبأن النظر ليس إختيارياً".
المقام الثالث:
إنّ النظر وإن فرض كونه مفيداً للعلم ومقدوراً للعبد لكنّه يقبح من الله التكليف به وبيانه من وجوه:
الأول: إن النظر يفضي بصاحبه في أكثر الأمور إلى الجهل، وما يفضي إلى القبيح فالإقدام عليه قبيحٌ، والله لا يأمر بالقبيح.
والثاني: إن الواحد منّا - مع نقصه وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات - لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحقّ والباطل، بأنّا رأينا أرباب المذاهب والأقوياء لهم كلمات متناقضة، وذلك يدل على عجز العقل عن ادراك هذه العقائد.
الثالث: إن مدار الدين لو كان على النظر في الدلائل، لوجب أن لا يستقر الإنسان ساعة على الدين، لأنّه إذا خطر بباله سؤال في مقدمة من مقدّمات دليل الدين، فيصير بسببه شاكّاً في دينه، فيلزم أن يخرج الإنسان في كلّ ساعة عن دينه بسبب ما يختلج بباله من الأسئلة والمباحثات.
الرابع: إنه اشتهر في الألسنة أن: "من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق" وذلك يدلّ على أنّه لا يجوز فتح الباب فيه.
وهذه الوجوه ممّا ذكرها الإمام الرازي ولم يجب عنها إلاّ بمثل ذلك الجواب الجدلي؛ وأما الشُبه التي تمسّكوا بها في أنّ التعويل على النظر قبيحٌ، فهي متناقضة، يلزمهم أن يكون ايرادهم لهذه الشبه التي ذكروها قبيحاً، وأنت تعلم أنّ ما ذكره لا يدفع هذه الشُبه، إذ مبناها على أن الله لا يكلّف العبد بالقبيح، لا أنّ العبد لا يفعل القبيح مطلقاً.
بل الصواب غير ما ذكره، وهو أن يجاب:
أمّا عن الأولى: فبأنّا لا نسلِّم ما ذكره. بل صاحب النظر إذا تحرّى طريق الصواب، وتحرّز عن الخطأ بصدق النيّة وصفاء الطويّة، مع فطرة صافية، يصير في أكثر الأمور فائزاً بمقام الفضيلة والعلم، متخلّصاً عن رذيلة الحمق والجهالة.
وأما عن الثاني: فبأن أرباب المذاهب المتعارضة، إن كان المراد منهم رؤساءها، فما نقل عنهم الأتباع والمقلِّدون، ووقع بأيديهم ممّا لا اعتماد على ذلك. فلعلّ المنقول عنه قد كان له وجهٌ صحيح، ولكن وقع التحريف عنه؛ وإن كان المراد أتباعهم ومقلِّديهم، فالتعارض في أقوالهم لهم يحصل من مجرد النظر، بل لأمور أُخر يطول شرحها.
وأما عن الثالث: فبأنّ الإنسان إذا كرّر النظر وردّد الفِكَر شطراً من الزمان في أصول الدين ودعائمه، يحصل في القلب نورٌ ينشرح به قلبه، ثمَّ بعد ذلك لا ينطفي ذلك النور بسبب القدح في شيء من المقدمات، لأنَّها بمنزلة معدّات للمطلوب، لا أنّها عللٌ موجبةٌ ليجب وجودها معه.
وأمّا عن الرابع: فبأنّ علم الكلام حسنٌ تعلُّمه لأجل التمرّن والاعتياد لتدقيق النظر وتشحيذ الذهن، واستعماله للاحتجاج على خصماء الدين وأعداء الشريعة، وهو من الفروض الكفايات، وأمّا النظر المؤدّي إلى الكشف واليقين، فليس ذلك ممّا يتعلّق بعلم الكلام، بل هو صنعة أخرى وليس من صنائع المتكلِّمين في شيء، وإنّما هو شأن علماء الآخرة المتدبِّرين في آيات الله، الناظرين في ملكوت السموات والأرض.
المقام الرابع: إنَّه وإن لم يقبح من الله ورسوله التكليف به لكنّه ما أمرا به، والدليل عليه: أنّ العلم بالأدلّة والبراهين المؤدّية إلى هذه المقاصد، إن كان ضرورياً غنيّاً عن التعلُّم، لوجب أن يحصل لجميع الناس - وتجويز ذلك مكابرة -. وإن لم يكن كذلك، بل احتاج إلى تدبُّر واستفادة من الكتب، واستعانة من الأساتذة، فذلك لا يحصل إلا في السنين المتطاولة بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة، فلو كان الدين مبنيّاً عليه، لوجب أن لا يحكم الرسول (صلى الله عليه وآله) بصحّة إسلام الرجل إلاّ بعد أن يسأله عن هذه المسائل، ويجرِّبه في معرفة الدلائل؛ ولو فعل ذلك لاشتهر - لتوفُّر الدواعي على نقل مثله -، فلمّا لم يشتهر - بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنّه كان يحكم بإسلام مَن يعلم من حاله أنه لا يخطر بباله شيء من ذلك -، فعلمِنا أنّ ذلك غير معتبر في صحّة الدين.
والجواب: أن الإسلام - وهو الإقرار اللساني بالشهادتين - غير الإيمان، - وهو العلم بأصول الدين - وهذا يوجب النجاة عن عذاب الله دون الأول، والنبي (صلى الله عليه وآله) ما حكَم بإيمان من لم يعرف ذلك بالحقيقة، بل حكم بإسلامه الموجِب لحقن دمه ومالِه، وبإسلام من خالف لسانُه قلبَه أيضاً كالمنافقين
"أَوَمَا سمعت أنه لمّا قال حارثة الأنصاري: أصبحت مؤمناً حقّاً في جواب قوله (صلى الله عليه وآله): كيف أصبحت؟ قال (صلى الله عليه وآله): لكلِّ حقٍّ حقيقة، فما حقيقة ايمانك؟ ولمّا عرض عليه حقيقة ايمانه بما دلّ على عرفانه قال: أصبت فالزَمْ" ، فلم يحكم على ايمانه بالحقيقة ما لم يفتّش عن عرفانه، أوَلا ترى أن القرآن مشحون بالأمر بالنظر والتدبّر والاعتبار والتفكر؟
المقام الخامس:
إن الاشتغال بعلم الكلام بدعةٌ، والدليل عليه: القرآن، والخبر، والاجماع، وقول السلف، والحُكم.
أما القرآن، فقوله تعالى:
{ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } [الزخرف:58]. ذمّ الجدل. وقوله: { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [الأنعام:68]. فأمر بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله.
وأما الخبر: فقال (صلى الله عليه وآله):
"تفكَّروا في الخَلْق، ولا تفكروا في الخالِق" . وقوله (صلى الله عليه وآله): "عليكُم بدينِ العَجائز" . وقوله: "إذا ذُكر القدَر فامسِكوا" .
وأما الإجماع: فهو أنّ هذا علمٌ لم يتكلّم فيه الصحابة، فيكون بدعةً، فيكون حراماً.
وأما الأثر: فقال مالك بن أنس: "ايّاكم والبِدع" قالوا يا: "أبا عبد الله وما البِدع؟" قال: "أهل الدين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه، ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون".
وسئل سفيان عن الكلام؟ فقال: "اتّبِع السُنَّة، ودَع البِدعة".
وقال الشافعي: "لأنْ يبتلي الله أحداً بكلِّ ذنب سوى الشرك، خيرٌ له من أن ألقاه بشيء من الكلام". وقال: "لو أوصى رجلٌ بكتبه العلمية، وكان فيها كتب الكلام، لا تدخل تلك الكتب في الوصية".
وأما الحُكم، فإنّه لو أوصى للعلماء، لا يدخل المتكلّم فيه.
والجواب: أما قوله تعالى:
{ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } [الزخرف:58]، فهو محمول على الجَدَل الباطل، توفيقاً بينه وبين قوله تعالى: { وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل:125].
وأما قوله تعالى:
{ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا } [الأنعام:68]، فالخوض المراد فيه ليس هو النظر، بل اللجاج والاستهزاء ونحوهما.
وأما قوله (صلى الله عليه وآله):
"تفكَّروا في الخَلْق" ، فذلك إنّما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق، وهو لنا، لا علينا.
وأما قوله (صلى الله عليه وآله):
"عليكُم بدينِ العَجائز" ، فليس المراد إلاّ تفويض الأمور كلّها إلى الله، والاعتماد في الأمور عليه.
وأما قوله (صلى الله عليه وآله):
"إذا ذُكر القدَر فأمسِكوا" ، فالاستدلال به ضعيف، لأنَّ النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلّي، ولأن النهي عن الإمساك غير النهي عن النظر والتدبُّر.
وأما الإجماع؛ فإن عنيتُم أنّ الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلّمين واصطلاحاتهم فمُسَلَّمٌ، ولا يلزم منه القدحُ في الكلام، كما أنهم لم يستعملوا ألفاظ الفقهاء ولا يلزم منه القدحُ في الفقه، وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله بالدليل، فبئس ما قلتم.
وأما تشديد السلف على الكلام، فهو محمول على أهل البِدع.
وأما مسئلة الوصيّة، فهي معارضة بما لو أوصى لمن كان عارفاً بذات الله وصفاته وبأفعاله وأنبيائه ورسله، لا يدخل فيه.
الاشراق الرابع
في تأكيد القول بوجوب المعرفة
اعلم أن الله لما أمَر بعبادته، وعلم أنها موقوفة على العلم بوجوده وعلمه وقدرته، وأنّ ذلك ليس بضروريّ بل هو نظريّ استدلاليّ، وقد بيّن في العلوم العقليّة أنّ الطريق إلى إثبات وجوده بغيره إمّا الإمكان، وإما الحدوث، وإما مجموعهما؛ وكلّ ذلك، إما من وجود الجواهر، أو الأعراض، فالطُرق إلى الله من ستّة جهات لا مزيد عليها، والقرآن مشتمل عليها:
الأول: إمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
{ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ } [محمد:38]. وبقوله حكاية عن خليله عليه السلام: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء:77]. وبقوله: { وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } [النجم:42]. وقوله: { فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ } [الذاريات:50]. وقوله: { أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } [الرعد:28].
الثاني: الاستدلال بإمكان الصفات كقوله:
{ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } [الأنعام:73]. وقوله هٰهنا.....................: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} [البقرة:22]، كما سيأتي تقريره.
والثالث: بحدوث الأجسام، وإليه الإشارة بقوله:
{ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } [الأنعام:76].
والرابع: بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب إلى افهام الخلْق، وذلك محصور في دلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والكتب الإلهيّة في الأكثر مشتملة على هذين البابين، فكلّ ما ذكر من الآيات في حدوث أحوال الإنسان وانقلاباته في الأطوار، وتغيُّراته في الأحوال، يكون من دلائل الأنفس، وإليه الإشارة بقوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة:21]، وحاصلها يرجع إلى أن كل أحد يعلم بالضرورة أنّه لم يكن من قبلُ فصار الآن كائناً، فيفتقر إلى موجِد، وليس موجِده نفسه، ولا أَبَواه، ولا سائر الخَلْق، لعجزهم عن مثل هذا التركيب بديهةً، فلا بدّ من موجِدٍ يخالفهم في الحقيقة - يتعالى عن أن يشابههم -، حتى يصحّ منه ايجاد هذه الأشخاص.
ثمّ لقائل أن يقول: "لِمَ لا يجوز أن يكون الموجِد المدبِّر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟" فأشار إلى ردِّ هذا الاحتمال، بافتقارها إلى المحدِث الموجِد بقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً}.
وكلّ ما ذكر في تغيّرات الأوضاع السماويّة والأرضيّة، هو المراد من دلائل الآفاق، ويندرج فيها الرعد والبرق والرياح والسحاب، واختلافات الأمزجة والفصول، وحاصلها يرجع إلى أن حدوث هذه الحركات والصفات يفتقر إلى سبب محدِث، وذلك السبب، إن كان جسماً فلكيّاً أو عنصريّاً، فلا يجوز كونها - ولا شيئاً منها - مبدءً أولاً لغيرها. وذلك لأنّها مشتركة في أصل الجسميّة، والمشترك فيها إمّا ماهية جنسيّة تفتقر في وجودها وقوامها إلى الفصول المنوِّعة، أو ماهيّة نوعيّة تفتقر في وجودها ودوامها إلى العوارض المشخّصة، وما يفتقر في وجوده ودوامه إلى مقارنات، كيف يكون سبباً لغيرها؟ ثمّ لا يجوز أن تكون تلك المقارنات كالفصول والمشخّصات، علّة لوجود تلك الماهيّة الجنسيّة أو النوعيّة، وبتوسّطها لوجود غيرها من اللواحق والحوادث، وذلك لافتقارها أيضاً في لوازمها وتشخّصاتها إلى ما هي مقوِّمة لها.
فثبت أنّ الكلّ مفتقر إلى سبب منفصل الذات عنها، وذلك السبب، إن كان جسماً أو جسمانيّاً، عاد الكلام إليه، فهو مجرد عن الجسميّة وعوارضها، ففاعليّته إن كانت بالإيجاب بلا علْم وإرادة، لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصّفات دون بعض أَوْلىٰ في الحكمة من العكس، إذ لا علم ولا حكمة في الفاعل الموجَب، فلا بدّ أن يكون عالِماً فيكون قادراً مختاراً، فثبت بهذه الدلالة، افتقار الأجسام كلّها إلى مؤثّر قادر ليس بجسم ولا جسماني، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض لا يكفى إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات.
وإنما أكثرَ الله تعالى في كتابه الكريم هذا النمط من الاستدلال، لكونه أقرب إلى الأفهام، وأسهل مأخذاً، وأقوى في إفحام الجاحدين؛ وإلاّ فمسلك الصدّيقين - الذين يستشهدون بوجود الحقّ على وجود الخلْق - أسدُّ وأوثق وأشرف وأحكَم كما أشار إليه بقوله:
{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [فصّلت:53]. وقد مرَّت الإشارة إليه سابقاً، ونحن قد قررنا طريقهم بوجه سديد لا مرية فيه ولا مزيد عليه في كتبنا العقلية.
تذكرة
واعلم أنّ لأئمّتنا المعصومين صلوات الله عليهم، ولمن يقتدي بهم من السلف الصالحين، طُرقاً لطيفة في هذا الباب.
ففي كتاب التوحيد من كتب الكافي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان".
وعن أبي ذبيحة مولى الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: "سئل أمير المؤمنين عليه السلام بِمَ عَرفتَ ربَّك؟ قال: ممَّا عرَّفني نفسَه. قيل: وكيف عرَّفكَ نفسه؟ قال: لا تشبهه صورةٌ، ولا يحسُّ بالحواسِّ، ولا يقاس بالناس".
وعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّي ناظرتُ قوماً فقلت لهم: إن الله جلَّ جلاله أجلّ وأكرم من أن يُعرف بخَلْقه، بل العباد يُعرَفون بالله. فقال: رَحمكَ الله.
منها: ما يُروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق عليه السلام فقال: هلْ ركبتَ البحرَ؟ قال: نِعمْ. قال: هلْ رأيتَ أهوالَه؟ قال: بَلىٰ، هاجتْ يوماً رياحُ هائلةٌ، فكسرت السفُن، وغرقت الملاّحين، فتعلَّقتُ ببعضِ ألواحِها، ثمَّ ذهبَ عنّي ذلكَ اللَّوحُ، فإذاً أنا مدفوعٌ في تلاطمِ الأمواجِ حتّى دفعتُ إلى الساحلِ.
فقال عليه السلام: قد كانَ اعتمادكَ قبلُ على السفينةِ والملاّحِ وعَلى اللَّوحِ بأنه ينجيكَ، فلمّا ذهبتْ هذه الأشياءُ عنكَ، هلْ أسلمتَ نفسكَ للهلاكِ، أمْ كنتَ ترجو السلامة بعدُ؟ قال: بلْ رجوتُ. قال: ممّن ترجوها؟ فسكتَ الرجلُ فأسلمَ على يدِه.
وبمثل هذا أشار في قوله تعالى:
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [الزخرف:87] وقوله: { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } [غافر:84].
ومنها: أنّه جاء في كتاب ديانات العرب،
"أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعمران بن الحصين: كَمْ لَكَ من إله؟ قالَ: عشرة. قال: فمَن نعَّمكَ وكرَّمكَ ودفعَ الأمرَ العظيم الذي نزلَ بك من جهتهم؟ قال: الله تبارك وتعالى. قال النبي (صلى الله عليه وآله): مالك من إله إلاّ الله."
ومنها روى الكلينيرحمه الله عن محمد بن إسحٰق قال: إن عبد الله الدَّيَصاني سأل هشام بن الحكَم فقال له: ألكَ ربٌّ؟ قال: بَلى. قال: أقادرٌ هو؟ قال: نعمْ - قادرٌ قاهرٌ. قال: يقدرُ أن يُدخل الدنيا كلَّها البيضة - لا تكبر البيضةُ ولا تصغر الدنيا -؟ قال هشام: النَظِرَة. قال له: قد أنظرتك حولاً.
ثم خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: يا بن رسول الله، أتاني الدَّيَصاني بمسئلة لبس المعوَّل فيها إلا على الله وعليك.
فقال له عليه السلام: عمَّا ذا سألك؟ فقال: كيتَ وكيتَ.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، كم حواسّك؟ قال: خمسٌ. قال: أيّها أصغرُ؟ قال: الناظرُ. [قال]: وكم قدر الناظر؟ قال: مثْلُ العدسة أو أقلّ منها.
فقال له: يا هشام، فانظُر أمامَك وفوقَك وأخبرني بما ترى. فقال: أرى سماءً وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراري وجبالاً وأنهاراً.
فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إنّ الذي قدِر أن يُدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها، قادرٌ أن يُدخل الدنيا كلّها في البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة. فأكبّ هشام عليه وقبّل يديه ورجليه وقال: حسبي يابن رسول الله، وانصرف إلى منزله.
ومنها: انه دخل هذا الديصاني [على] أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا جعفر، دُلّني على معبودي؟ فقال له: اجلس، وإذاً غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا غلام، ناولني البيضة. فناوله اياها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا دَيَصاني، حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرّقيق ذهبة مائعة وفضّة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذكر خُلقت أم للأنثى. تنفلق عن مثل ألوان الطواويس. أترى لها مدبراً؟ فأطرق مليّاً ثم أسلم.
ومنها: سئل الشافعي: "ما الدليل على الصانع؟" فقال: ورقة الفرصاد، طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. فتأكلها دودة القزّ فيخرج منها الإبريسم؛ والنحلُ، فيخرج منها العسل؛ والشّاةُ، فيخرج منها البعرة؛ وتأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك الأذفر؛ فمن الذي جعلها كذلك مع أن الطبع واحد؟!
وأما ما تمسّك به أحمد بن حنبل من قوله: "قلعة حصينة ملساء لا فُرجة فيها، ظاهرها كالفضّة [المذابّة] وباطنها كالذهب الابريز، ثم انشقّت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بدّ من الفاعل"، فهو بعينه مأخوذ من كلام الإمام الناطق بالحق جعفر الصادق عليه السلام بعبارة أخرى، مع حذف بعض الفوائد - أراد بالقلعة: البيضة، وبالحيوان: الفرخ -.
ومنها: سُئل أبو نواس عنه فقال:

تأمّل في نبات الأرض فأنظر إلى آثار ما صنع المليك
عيونٌ من لجين ناظرات بأحداق لها الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

ومنها: سُئل أعرابي عن الدليل فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج أما تدل على العالِم القدير.
ومنها: قيل لطبيب: بِمَ عرفت ربَّك؟ قال: بإهليلج مجفف أطلق، ولعابها مليّن أمسك.
وقال آخر: عرفته بنحلة بأحد جوفيها عسل، وبالآخر لسع - والعسل مقلوب اللسع -.
واعلم أن هذه الوجوه كلّها، وإن لم تكن برهانيّة تتنوّر بها قلوب ذوي البصائر الناظرين، وتسكن لديها حركة بواطن المتفكّرين المسافرين إلى الله بقدم الصدق واليقين، لكنّها وجوه حسنة للتفهيم والتعليم، ولإفحام المنكرين.
ومن هذا القبيل، قول بعض المحقّقين من العلماء، حيث استدلّ على وجود الباري وقدرته، بأنّ جرم الشمس وغيرها يُرى في الأفق أعظم ممّا يُرى في وسط السماء، مع أن البرهان الهندسي دالّ على أن الكوكب متى كان في وسط السماء، كان أقرب إلى موضع الناظر منه عند كونه في الأفق، فلمّا كان الحال على خلاف ما هو مقتضى طبيعة تلك الأجرام، فقد دلّ على وجود فاعل مختار يفعل ما يريد.
فهذا قياس مقبول عند الأكثر، أمكن به إلزام الجاحد، وربما كان مثله أكثر نفعاً من كثير من البراهين.
فصل
وأمّا الحِكم العقلية:
فاعلم أولاً أن الله تعالى ذكر هٰهنا خمسة أنواع من الدلائل: إثنين من الأنفس، وممّا خلَقهم وخلَق أصولهم، وثلاثة من الآفاق: جَعْل الأرض فراشاً، والسماء بناء، وخَلْق الأمور الحاصلة من مجموعهما - وهي إنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات رزقاً لنا ولسائر الحيوانات.
وسبب هذا الترتيب، إما لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثمّ ما منه منشأه، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقرّه، يقعدون عليها وينامون يتقلبون كما يتقلب أحدكم على فراشه، ثمّ السماء التي كالقُبَّة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار.
ثم ما يحصل من شبْه الازدواج بين المقلَّة والمظلَّة - من إنزاله الماء عليها، والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان، ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم.
وإمّا لأنّ كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع، فهو حاصل في الإنسان بزيادة الشهوة والغضب والدواعي النفسانية والأطوار الباطنيّة، ولمّا كانت الدلالة فيه أتمّ، كان تقديمه في الذكر أهمّ.
وأيضاً، خلق المكلَّفين أحياء قادرين أصلُ جميع النعم، وأما الإنتفاع بوجود الأرض والسماء والماء، فذلك إنّما يكون بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع بالنسبة إليه.
وأقول: ولك أن تحمل قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} على سبب وجوب العبادة وعلّتها. وقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ} - إلى آخره - على دلائل المعرفة، لتوقّف العبادة عليها، وتوقّفها على الدلائل، لأن الله لمّا أنعمَ علينا باعطاء الوجود، وإعطاء ما يتوقَّف عليه الوجود، استحقّ العبادة، وهي متوقّفة على المعرفة، فذكر من الدلائل خمسة هي مجامع سائر الدلائل وجملها؛ وإلاّ فما من ذرّة في الأرض ولا في السماءِ ولا فيما بينهما، إلاّ وفيها من عجائب القدرة وبدائع الفطرة، ما تظهر به الدلالة على وجود الصانع وعلمه وحكمته.
إثنان من تلك الخمسة هما الأرض والسماء - اللتان بمنزلة الآباء والأمّهات -، وثلاثة منها هي المواليد.
أولها: الجماد، ومنه الماء النازل من السماء، واختصاصه بالذكر لكونه سبب حدوث غيره.
وثانيها: النبات، ومنه الثمرات، وخصَّت بالذكر لكونها غاية النبات.
وثالثها: الحيوان، وأفضله الإنسان المشار إليه بقوله: "رِزْقاً لَكمُ"، وإنّما خصّ هو بنسبة المرزوقيّة - وإن كان غيره من الحيوان مرزوقاً من الثمرات - لكون علَّة غائيّة لوجود الثمرات ونحوها دون سائر الحيوان، بل هي أيضاً كالأثمار مخلوقة لانتفاع الإنسان.
ثمّ السبب في ترتيب هذه الثلاثة ظاهرٌ، لأنه بحسب ترتيبها في الحدوث؛ وكذا في تقديم الأولين عليها، وأمّا تقديم ذكر الأرض على ذكر السماء، فلأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ونحن أعرف بحال الأرض - لكونها محسوسة بأكثر الحواسّ بل بكلّها على وجه - منّا بحال السماء، لكونها غير محسوسة، والمحسوس بحسّ البصر منها ليس إلاّ الكواكب، وإنما تحصل المعرفة بوجودها من جهة الحركات المستديرة المتّفقة والمختلفة، الدالّة على وجود جرم عظيم مستدير شامل لها، ومن جهة الحركات المستقيمة الدالة على وجود محدّد للجهات بالصفة المذكورة.
فلننظر في الحكم والمنافع المنبعثة في خلْق هذه الأشياء الخمسة، ولنذكر لبيانها خمسة إشراقات:
الإشراق الأول:
اعلم أنّ الرحمة الإلهيّة، لمّا لم يجز وقوفها عند حدّ يبقى وراءها الإمكان الغير المتناهي لأشياءِ ممكنة الوجود، من غير أن يخرج وجودها من القوَّة إلى الفعل أبداً، فيلزم التعطيل في جوده، والإمساك عن الاعطاء والكرم من فضل وجوده - كما زعمه اليهود - كما حكى الله عنهم بقوله حيث قالوا: يد الله مغلولة
{ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ } [المائدة:64]. وليس ذاته أيضاً محلاًّ لارادات متجددة وحوادث متعاقبة - سواء كانت متناهية كما ذهب إليه المعتزلة، أو غير متناهية كما ذهب إليه بعض المتفلسفة كأبي البركات البغدادي وغيره، أثبتوا على واجب الوجود إرادات متجددة متعاقبة غير متناهية، وزعموا أنه يفعل شيئاً ثمّ يريد بعده شيئاً آخر، فينفعل، ثمّ يريد فيفعل، وله إرادة ثابتة أزليّة، وإرادات متجدّدة لا تتناهى، وخالفوا في ذلك البرهان والقرآن جميعاً، كما فصّل في مقامه، وألزم عليهم أن يكون إلـه العالمين جسماً متحرّكاً على الدوام، متأثّراً عن غيره كسائر الأجرام، تعالى عمّا يقوله الجاهلون علوّاً كبيراً - فلا جرم لمّا كانت قوّته وقدرته غير متناهية، وجوده وكرمه غير واقف عند حدّ ليحصل منه قدرٌ متناه من الموجودات الممكنة، فوجب أن يكون من جوده وُجود أمر دائم الحركات، وأمر دائم التأثّر والانفعالات.
وذلك يوجب انفتاح أبواب البركات، ورشح فنون الخيرات إلى ما شاء الله، لأنّه لم يكن الفاعل على الفيض بضنين، فيحصل الفيض على أهل الاستحقاق بحسب استحقاقه وقوة احتماله، حتى أنّ النملة مع حقارتها، لو كانت مستعدّة لقبول العقل والعرفان، لوجب أن يفيض عليها الواهب المنّان بلا مهلة.
فلا جَرَمَ يجب في العناية الربّانية وجود جُرْمٍ مستدير متحرّك على الدوام، مؤثّر فيما تحته إلى أن يشاء الله، وجُرْم آخر ساكن منفعل متأثّر منه كذلك كحركة الآباء على الأمّهات، لتولّد البنين والبنات، فينبعث من حركة الفلك على وجه الأرض، وإنزال الماء منه إليها، أعداد المواليد، وأفضلها أفراد الإنسان المشابهة بحسب الروح النفساني للأب العلوي الجسماني، وبحسب الروح الأمري للأب المعنوي والروح القدسي، فإذا كمُلت منها نفس بالعلم والعمل، عادت إلى الموطن الأصلي عند باريها وجنّة أبيها، ومتى لم يكمل بأحدهما، مكثت زماناً طويلاً أو قصيراً في طبقات الجحيم - كما فصِّل في مقامه -.
الإشراق الثاني:
أما ما يتعلق بخلْق الأرض من عجائب الحكمة وغرائبها، فلا يمكن الاستقصاء فيها، لكن النبذ القليل منها، أنّ الله جعل الأرض في مركز الفلك ووسط الكلّ، فإنها لو كانت مجاورة للأجرام العلوية لاحترقت، لشدّة تسخين الحركة الدائمة فصارت ناراً محضة، وعلى تقدير بقائها أرضاً، ما كان يمكن أن يتكوّن عليها حيوان، ولا أن ينبت منها نبات، وذلك ينافي ما ذكرناه من الرحمة الشاملة.
ومن رحمته أيضاً، جعلت الطبقة الناريّة مجاورة للسّماء بعيدة عن الأرض، وإلاّ لتضاعف التسخين بتوسيطها بين الأرض والهواء، إذ لو جاورت الهواء من تحت، لأحالتها بدوام مجاورتها وسخنها الفلك أيضاً بسرعة حركته، فاحترقت بواقي العناصر وصار الكلّ ناراً، فانفسدت العناصر والمركّبات كلها.
ولمّا كانت العناية مقتضية لوجود نفوس إنسانيّة شريفة مستكلمة بالعلم والطهارة، ولا يمكن ذلك بدون أبدان حيوانيّة ونباتيّة يغلب على أكثرها العنصر اليابس، الذي يمسكها ويحفظ الصور والأشكال عليها، وأيضاً لحاجة الحيوان لتنفّسه بل النبات أيضاً لتبسّطه، إلى أن يستقرّ على مكان يحيط بجوانبه الهواء، ولا يغرق في جسم متراكم، فلا بدّ أن يكون موضع أفراد الحيوان والنّبات جسم بارد يابس متماسك الأجزاء، فخلَق الله الأرض كذلك ليجاورها وليستقرَّ عليها الحيوان والنّبات الغالب عليهما الأرضيَّة.
وإليه الإشارة بقوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} إذ "الفراش" في اللّغة إسم لما يُفرش عليه، كـ "المِهاد" اسمٌ لما يمهّد، "والبِساط": لما يبسط. فليس ذلك دليل على أن الأرض مسطّحة وليست بكرويّة، ولا يلزم إلاَّ أن الناس يفترشونها ويفعلون بها ما يفعلون بالمَفارش، سواء كانت على شكل المستوي أو الكروي، فالافتراش عليها غير مستنكَر ولا مرفوع، لعِظم جرمها وتباعُد أكنافها وأطرافها، ولكن لا يتم الافتراش عليها إلا بشروط:
أحدها: أن لا تكون في غاية اللين، كالماء الذي تغوص فيه الرِجْل - كما وقعت إليه الإشارة -، ولا في غاية الصلابة، كالحَجر، فإنّ النوم عليه ممّا يؤلم البدن، لتعذّر أخذ الأثواب والأكيسة منه، وأيضاً فلو كانت من الذهب - مثلاً - لم تمكن الزراعة عليه، ولا اتّخاذ الأبنية منه.
وثانيها: أن لا تكون في غاية الشفيف واللطافة، وإلاّ لما استقرّ عليه النور، ولم يقبل التسخّن من الكواكب، فكان بارداً جداً لا يصلح أن يكون فراشاً للحيوانات؛ فمِن لطْف الله تعالى، أن جعلَ الأرض ذات لون غبراء ليستقرّ عليها ساطعُ الضياءِ.
وثالثها: أن تكون بارزة من الماء، لأنّ طبع الأرض أن تكون غائصة في الماء، فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، ولو كانت كذلك [لم تكن] فراشاً - هذا هو السبب الغائي -.
وأما السبب الفاعلي: فهو ما يحدث في قعر البحر بسبب أمواجه الحاصلة من الرياح من شبه الأخاديد والوهدات، والمواضع المرتفعات، فينحدر منها إلى الوهدات فيبرز الأعلى منها، فصار مجموع الأرض والماء كرة واحدة، يدل على ذلك فيما بين الخافقين، تقدّم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على طلوعها وغروبها للمغربيين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركّب الاختلاف لمن يسير على سمت بين السّمتين، إلى غير ذلك من الأعراض الخاصّة بالاستدارة، يستوي في ذلك راكب البرِّ وراكب البحر، ونتوء الجبال - وإن شمخت - لا يخرجها عن الاستدارة، لأنّها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.
ورابعها: أن تكون ساكنة، إذ لو تحرّكت فإمّا على الاستقامة، أو على الاستدارة، وكلاهما باطل ينافي الافتراش.
أمّا الاستقامة: فلأنها لو تحرّكت بكليّتها حركة مستقيمة، لكانت إلى جانب السفل - لا غير - لثقلها الطبيعي، فإذا تحرّكت هي كذلك، لم يمكن استقرار ثقيل آخر عليها لأنه هاوٍ، والأرض هاوية، وهي أثقل، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما في النزول، والأبطأ في النزول لا يلحق الأسرع، فلا يمكن وصول الإنسان إلى وجه الأرض حتى يفترشها.
وأما الاستدارة: فلأنها لو تحرّكت بالاستدارة إلى جانب الغرب - كما توهّمه مَن زعم أن هذه الحركة الأولى الشرقية منسوبة إلى الأرض - والإنسان يريد أن يتحرّك إلى جانب الشّرق، فلا يمكنه الوصول إلى حيث يريد لِسرعة حركتها وبطءِ حركته بما لا نسبة بينهما، والوجود يكذبه ويشهد بخلافه، فالمفروض باطل.
ثمّ النّاس اختلفوا في سكون الأرض وسببه، فمنهم من زعم أنّها هاويةٌ إلى غير النهاية بلا مهبط، وهذا باطلٌ لما مرّ، ولتناهي الأبعاد الثابت بالبرهان.
ومنهم من زعم أن شكلها كنصف كرة موضوع على الماء، حدبتها إلى فوق وقاعدتها إلى أسفل، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندعم على الماء كالسفينة؛ وفيه - بعد تجويز مثل ذلك الشكل عليها - أن الكلام عائد في سبب وقوف الماء.
ومنهم من قال: سبب سكونها جذب الفلك إيّاها من جميع الجوانب على نسبة واحدة. وهو باطل، وإلا لكانت المدرَة المنفصلة عنها أسرع إنجذاباً - لصغرها - إلى الفلك، فما بالها لم تنجذب!؟.
ومنهم من جعل سببه دفع الفلك لها من كلّ الجوانب، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة، ثم أُديرت على قطبها إدارة سريعة، فإنّه يجتمع التراب ويقف في وسطها لتساوي الدفع من الجوانب؛ وهذا أيضاً باطل بوجوه كثيرة مذكورة في محلّها.
ومنهم - كأبي هاشم - زعم أنّ النّصف الأسفل من الأرض [فيه] اعتمادات صاعدة، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة، فيتدافع الاعتمادان، فيلزم الوقوف. وهو أيضاً فاسد، لعدم اختصاص كلّ من النصفين بصفة يوجب ما ذكره، بل الأرض بتمامها لا تستدعي إلاّ أمراً واحداً.
ومنهم من ذهب إلى أن الأرض تطلب بالطبع وسط الكل وجهة التّحت، لأنّ الثقيل بالطّبع يميل إلى السفل، كما أنّ الخفيف بالطّبع يميل إلى الفوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت المركز، وكما يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأنّ ذلك المسمّى بالهبوط صعود بالحقيقة إلى جهة السماء أيضاً، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيِّزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ميلها الطبيعي إلى تحت، وهذا هو رأي أرسطاطاليس وجمهور أتباعه، الذين التزموا القوانين العقلية، وتحاشوا عن القول بالظنّ والتخمين، وعن المجازفة بالتقليد.
واعترض عليه الإمام الرازي بأن هذا أيضاً ضعيف، لأنّ الأجسام متساوية في الجسميّة، فاختصاص البعض بالصفة التي تطلب لأجلها تلك، لا بدّ وأن يكون أمراً جائزاً، فيفتقر إلى الفاعل المختار.
أقول: والعجب من هذا المتبحّر، مع استغراقه وتبحّره في الأفكار، كيف يشتبه عليه الأمر في تجويزه ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين أو الأمور المتساوية من غير مرجّح، مع أنّ كلّ عاقل إذا راجع وجدانه حكم بفساده.
ثمّ لم يعلم أن تجويز مثل هذا الفاعل المختار - الذي أثبته هو وأصحابه من أتباع الشيخ الأشعري زعماً منهم أن في ذلك تقوية الدين ونصرة الشريعة - ينفسخ أصل الدين، وينسدّ طريق إثبات الصانع باليقين، وكذا إثبات جميع المطالب والأصول الحقّة البرهانيّة؛ فكلّ مختار لأحد طرفي أمر، أو لأحد أشياء متساوية النسبة، لا بدّ أن يترجّح عنده أحدهما أو واحد منها، فإنّه إن لم يترجّح، فنسبته الشيء إليه إمكانية، فلا يقع الممكن دون مرجّح.
فالذي يقال: "إن الإرادة تخصّص أحد الجانبين بالوقوع، لا بناء على أولوية، بل لأن من خاصيّة الإرادة تخصيص أحد المثلين أو الأمثال من دون الحاجة إلى مرجّح، ولا يسئل عن اللميَّة، فإن لوازم الماهيَّة لا تعلّل" كلام لا حاصل له، فإنّ الإرادة إذا كان الجانبان أو الجوانب بالنسبة إليها سواء، لا يتخصّص بها شيء منها إلا بمرجّح، إذ لا يقع الممكن إلاّ بمرجِّح، وأمّا الخاصيّة التي يقولونها فهو هوسٌ؛ أليس لو اختارت الجانب الآخر - الذي فرض مساوياً لهذا الجانب - كانت تحصل هذه الخاصيّة.
ثم تعلّق الإرادة بشيء، مع أنّ النسبة إلى الجانبين سواءٌ، هذيان، فإنّ الإرادة ما حصلت أولاً إرادة ثم تعلّقت، فإن المريد لا يريد إلا ما تميّز في علمه، فلا يكون له إرادة غير مضافة إلى شيء أصلاً، ثم يعرض لتلك الإرادة تخصيص ببعض جهات الإمكان، بلى إذا وقع إدراك، وحصل تصور يرجّح أحد الجانبين، تحصل إرادة متخصصة بأحدهما، فالترجح مقدم على الإرادة.
وأعجب من ذلك، تعويله في أكثر الأمر في إثبات مثل هذا الفاعل المختار الذي تصوّره بهذه الإرادة الجزافيّة، التي جعلوها فاعلة للأشياء لمصالح أدلّتهم واحتجاجاتهم واعتذاراتهم من كلّ ما جهلوه، على أن الأجسام متساوية في الجسميّة، حتّى يلزم سلب ما يوجب تخصيص بعض أنواعها بما يستوجب به رجحان تعلّق أمْر الله وإرادته به في صدور بعض الآثار منه لذاته، دون سائر أنواع الأجسام.
وقد جهِل - أو تجاهَل -، عن أنّ فصول الأجسام أو صورها، التي هي مبادي فصولها، أمور محصّلة للجسمية المشتركة، وهي في درجة التقرّر والوجود متقدّمة على أصل الجسمية، واستناد أمر واحد مشترك لازم، أو جنس، لأمور متخالفة الذوات غير مستنكر، فالسؤال في اختصاص كلّ جسم كالأرض أو السماء، بصورة تخصّصه، وطبيعة تنشأ منها آثاره المتخصّصة، غير وارد ولا إشكال فيه، إذ الجسمية تابعةٌ للطبيعة المخصوصة دون العكس.
فهٰهنا نقول: جسميّة الأرض من لوازم طبيعتها المقوّمة لها، لكنّها من اللوازم المشتركة بين طبيعة الأرض وغيرها من الطبائع العنصريّة والفلكيّة.
فإذا سئلنا بأن الأرض لماذا صارت في وسط الأجسام؟
قلنا: لأن الله بقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، جعلها ذات طبيعة تقتضي ميل جسمها إلى تحت مطلقاً.
وإن سئلنا: لِمَ صار الجسم ذا هذه الطبيعة؟
قلنا: لأن هذه الطبيعة اقتضته واستلزمته.
ثمّ إن سئلنا بأن هذه الطبيعة لِمَ صارت هذه الطبيعة؟ فلا يستحق الجواب، إذ كل شيء هو هو، والجعل لا يتخلّل بين الشيء وذاته.
وإن سئلنا: بأنه لِماذا وجدت هذه الطبيعة؟
قلنا: لإرادة الله وأمره المنبعثين عن علمه بوجه الخير في جميع الأشياء، التي من جملتها هذه الطبيعة على ترتيب ونظام لائق، وهو عين قدرته النافذة في جميع الأشياء، على ترتيب تقدّم وتأخّر ونظام، فبقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، يمسك الأرض في الموضع الذي أثبته، من غير علاقة من فوق أو دعامة من تحت، كما أمسك السماء أن تقع على الأرض من غير علاقة وضعية، أو اعتماد جسماني، ولكلّ شيءِ مقام معلوم لا يتعدّاه، ولا يتقدّم عليه ولا يتأخَّر عنه، هكذا يجب أن يتصوّر العارف إرادته وقدرته، ليأمن عن اعتقاد التغيّر في ذاته، والتعطّل في صفاته، والجور في أحكامه.
فإن قلت: هل في قدرة الله أن يخلق هذه الأشياء النازلة في هذا العالم من غير أن يخلق الوسائط والأسباب؟
قلت: نعمْ، لأن المصحّح للمقدوريّة؛ الإمكان، فمن قدر على خلْق الأعلى، يقدر على خلْق الأدنى، ومن قدِر على ايجاد الجواهر الشريفة، فهو أقدر على الجواهر الخسيسة، كما قال:
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } [غافر:57] إلاّ أن ذلك ممتنعٌ من جهة العلم والحكمة، لا من جهة العجز والنقيصة، إذ ليس من الحكمة تقديم الأخسّ الأدنى على الأشرف الأعلى، فخلاف الحكمة ممتنع من الله - لا لأنه غير مقدور -.
الإشراق الثالث:
في ذكر آيات قرآنية تشير إلى منافع الأرض:
واعلم أن في خلْق السماء والأرض آيات كثيرةٌ، وأنواراً لطيفة تهدي إلى سبيل الحق وتشير إلى طريق القدس وعالم الحقيقة الإلهية، لكن أكثر الناس عن آيات ربهم لغافلون، وعن فهم أنوار الحكمة وأسرار الحقّ معرضون؛ كما قال سبحانه:
{ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [يوسف:105]. وإن الله تعالى قد أكثَر في الآيات القرآنيّة ذكر السماء والأرض، لما في كلّ منهما من عجائب الصنعة وغرائب الحكمة، فذكر للأرض منافع كثيرة وصفات عديدة:
منها: قوله:
{ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ } [الرعد:4]. وقوله: { وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } [الأعراف:58]. إشارة إلى أقاليمها المختلفة، ومواضعها وبقاعها المتفاوتة في الرخاوة والصلابة، والسبخيّة والرمليّة، والوعورة والخشونة، والحزونة والسهولة.
ومنها: قوله:
{ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } [فاطر:27]، إشارة إلى اختلاف ألوانها من الحمرة والبياض والسواد والصفرة والغبرة والرماديّة.
ومنها: قوله:
{ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } [الطارق:12]. لانصداعها بالنبات والعيون.
ومنها: قوله:
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ } [المؤمنون:18]. وقوله: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ } [الملك:30]. إشارة إلى كونها خازنة للماءِ، ينبوعاً له.
ومنها: قوله:
{ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } [الحجر:19].
إشارة إلى ما يتولّد فيها من الجبال والمعادن والفلزّات، بل غيره من صور الكائنات التي هي أصنام الحقائق، وأمثلة أربابها النوريّة؛ ولهذا بيّن ذلك بقوله:
{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [الحجر:21].
ومنها: قوله:
{ يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } [النمل:25]. إشارة إلى إخراج ما يخبّأ فيها من الحبِّ والنوى.
ومنها: قوله:
{ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ } [البقرة:261] إشارة إلى أنّ لها طبع الكرم، تقبل منك حبَّة، وتردّها عليك سبعمائة، وذلك لسرّ إلهي أودع فيها.
ومنها: قوله تعالى:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً } [السجدة:27] إشارة إلى أن فيها قوة النماء.
ومنها: قوله:
{ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا } [يس:33]. إشارة إلى أن فيها قوّة الحياة بعد الموت، وهذا مما أثبته بعض الحكماء الأقدمين.
ومنها: قوله:
{ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } [البقرة:164]. إشارة [إلى] أن فيها مع بساطتها قوّة قبول جميع الصور الحيوانيّة على اختلاف صورها وأشكالها وأفعالها.
ومنها: قوله:
{ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [ق:7]. إشارة إلى ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه، فاختلاف ألوانها دلالةٌ، واختلاف طعومها دلالةُ، واختلاف روائحها دلالةٌ، واختلاف أشكالها دلالةٌ؛ فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم؛ ثمّ قال: { كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ } [طه:54]. ومنها الطعام، ومنها الادام، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة؛ قال: { وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا } [فصّلت:10]. وقال: { وَفَاكِهَةً وَأَبّاً } [عبس:31].
ومنها كسوة البشر - نباتيّة كالقطن والكتّان، وحيوانيّة كالشَعر والصوف والأبريسم والجلود - وإليه الإشارة بقوله:
{ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً } [المرسلات:25 - 26]............................... فقد جعلها الله ساترة لأبداننا في الحياة، ولفضائحنا بعد الممات.
ومنها الأحجار المختلفة، بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجرَ الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وإلى الياقوت الأحمر مع عزّته؛ ما أكثَر النفع بهذا الحقير، وما أقل النفع بذلك الخطير!
ومنها ما أودع الله فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضلة وغيرهما.
ثم تأمّل أن البشر استنبطوا الحِرَف الدقيقة والصنائع الجليلة، واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتّخاذ الذهب والفضّة عناية من الله، لأنّ معظم فائدتهما يرجع إلى الثمنيَّة؛ وهذه الفائدة لا تحصل إلاّ عند العزّة، والقدرة على اتّخاذها تُبطل الحكمة، فلذلك ضرَب الله دونها باباً مسدوداً؟ ولهذا اشتهر في الألسِنة: "مَن طلبَ المال من الكيمياء أفلس".
ومنها الحطب والأشجار الصالحة للبناء والسقف، إلى غير ذلك ما لا يمكن ضبطها، وأعظم هذه الأمور، أنّها مادّة خِلقة الإنسان المنبعث منها النفس، ومنها القلب، ومنها الروح، ومنها سرّ الولاية والنبوّة كما قال عقيب الآية السابعة:
{ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل:8] إشارة إلى خلق أطوار ونشئآت كثيرة منها لا نعلمها نحن، ثم إنه تعالى جمَع هذه المنافع العظيمة للأرض ومنَّ الله بها على عباده في قوله: { سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ } [الحج:65].
قال بعضهم: لمّا خلَق الله تعالى الأرض، وكانت كالصدف والدرّة المودعة فيها آدم، ثم علم أصناف حاجاته، فكأنّه قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأمِّ؛ فقال:
{ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً } [عبس:25 - 26]. - الآية - {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} يا عبدي؛ إنَّ أعزّ الأشياء عندك الذهب والفضّة، ولو أنّي خلقتُ الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟! ثم إنّي جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنّة؟!
فالحاصل، أن الأرض أمّك، بل أشفَق منها، لأنّ الأمّ تسقيك نوعاً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك ألواناً من الأطعمة، ثمّ قال:
{ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } [طه:55]. معناه: نردّكم إلى هذه الأمّ، وليس هذا بوعيد، لأنّ المرء لا يُتَوعَّد بأمِّه، وذلك لأنّ مقامك من الأمّ التي ولدتك، أضيق من مقامك من الأرض، ثمّ إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر وما مسَّك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن أمك الكبرى، ولكن بشرط أن تدخل بطن الأمّ الكبرى كما كنت في بطن الأمّ الصغرى، ما كانت لك زلّة - فضلاً من أن تكون لك كبيرة -، بل كنت مطيعاً لله، فحيث دعاك مرّة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربِّك، واليوم يدعوك سبعين مرّة إلى الصلاة فلا تجيبه برجْلِك.
فإذا تأمَّل العاقل في هذه العجائب والغرائب، يسافر بعقله من هذه النشأة إلى باب مدبّر حكيم، ومقدّر عليم - إن كان ممّن يسمع بقلبه، ويبصر ويعي بعقله ويعتبر -.
الإشراق الرابع:
في بيان حِكَم الله تعالى ودلائل صنْعه وقدرته في خلق السماء، وكونها بناء:
"البناء" مصدر، سمّي به المبنيّ - بيتاً كان أو قبَّة أو خباء - وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه: "بَنى بامرأته"، لأنّهم إذا تزوّجوا ضربوا عليها خباءً جديداً.
قال الجاحظ: "إذا تأمّلت هذا العالَم، وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه؛ فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالِكِ البيت المتصرِّف فيه بعقله وفكره، وضروب النبات مهيّأة لمنافعه، وصنوف الحيوان مُصَرَّفة في منافعه، فهذه جملة واضحة دالّة على أن العالَم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل".
تنبيه
لمّا دريت أن تجدد الحوادث والأبدان، وتعاقب الأكوان في الأزمان، لا بدّ له من جسم دائم الحركة، وآخر دائم السكون، فالله تعالى خلق السماء فوق الأرض، وجعلها مشتملة على أجرام بعضها منيرة كالكواكب، وبعضها شفّافة كالأفلاك الكلّية والجزئيّة، لتؤثِّر أنوارها في الأرضيات وتمتزج بها، وتخرج منها اللطائف، والبخارات، وتنشأ منها الكائنات، ويتكوّن بها الحيوان والنبات رزقاً للعباد، ووسيلة لارتقاء الكلمات الطيّبات إليه تعالى.
ولو كانت الفلكيّات كلّها نوريّة، لاحترق بالشعاع ما دونها من عالم الكون والفساد، ولو كانت عريّة عن النور، لبقي في مهوى ظُلمة شديدة لا أوحش منها، فجعل الله الكواكب مضيئة والسماء شفّافة، إذ لو كانت ملوّنة لوقف الضوء على سطوحها كما يقف على الاجرام الملوّنة الكثيفة.
ولو كانت الكواكب النيِّرة ثابتة غير متحركة، بأن يكون مكان أكثرها أو معظمها كالشمس يلي القطب، لأحرقت ما قابلها من الأرض، ولم يلحق أثرها ما غاب عنها، فيؤدي إلى شدّة البرد وجمود المياه والرطوبات، الموجِب لهلاك الحيوان والثمرات، ولو كانت الكواكب النيِّرة - سيما الشمس - متحركة بالحركة البطيئة، فعلت ما فعله السكون من افراط الجمود والبرودة في المواضع الخارجة عن سَمْتها، ولو كانت مع تحرّكها بالحركة السريعة اليوميّة بوجه لازَمت دائرة واحدة، لأحرقت ما سامتته الدائرة، ولم يصل أثر الشعاع إلى باقي النواحي والأقطار.
فجعل للكواكب - مع حركة الكل السريعة - الحركات الأُخر البطيئة، ليميل بها إلى النواحي شمالاً وجنوباً، ليحصل من ذلك الفصول الأربعة التي بها يتمُّ الكون، وباختلافها تنصلح أمزجة البلاد، وتتكون النفوس الصالحة من العباد للمعاد.
وهذا هو الجلي من حكمة أوضاع السماء وما فيها، والذي يعرفه أكثر الناس؛ ولها في هيئاتها وأوضاعها الخفيّة - من خصائص مواضع أوجاتها وحضيضاتها، وجوزهراتها وغيرها - منافع عظيمة ومصالح كثيرة، يطلع على نبذ منها أهل الهيئة والهندسة ليس هٰهنا موضع بيانه.
ثم لا يخفى أن تخالف الحركتين لا يكفي في ترتّب النفع، [ما] لم تكن جهة الحركات في أواسط السماء، وجهة أقطابها في نواحي الأفق - كما في معظم المعمورة -، إذ لو كان الوضع بعكس ذلك - كما في عرض تسعين درجة وما يليه من الآفاق التي حكمها حكمه - فلم يكن فيها كثير نفع من الأنوار، لميلانها الكثير عن سُموت رؤوسهم.
فانظر في تمام نعمة الله في طلوع الشمس وغروبها، فكما أن النعمة في طلوعها عظيمة فكذا في غروبها، فتأمَّل النفع في غروبها حيث لو لم يكن، لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا استراحة، ولكان حرص الناس يحملهم على المداومة على العمل، فتستولي الحرارة على أمزجتهم، واحترقت أدمغتهم، فصارت الشمس بحكمة الله تطلع في وقت وتغيب في وقت، بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقرّوا ويستريحوا، فصار النور والظلمة على تضادّهما متعاونين على ما فيه صلاح أهل العالَم.
وإليه الإشارة في قوله تعالى:
{ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ } [القصص:72]. ثمّ قال: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } [القصص:71]. وقال: { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [يونس:67].
ثمَّ لأجل أن مدار حركات الكواكب لا تدوم على سمت واحد، قال تعالى:
{ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } [الأعراف:54]. أي بالحركة طالعة تارة وغاربة أخرى، وشماليّة مرّة وجنوبيّة أخرى، وكذلك أَوْجِيّة وحضيضية.
وسائرة في بروج مشيّدة ثابتة ومنقلبة وذوات الجسدين، وغير ذلك من أحوال الكواكب - كالرجوع، والإقامة، والإستقامة، وكونها في البيوت التي لها شرفها وهبوطها - وأمثال [ذلك] ممّا هو مذكور في كتب الأحكاميين على الإجمال والتخمين، ولا يحيط بتفاصيلها إلاّ الباري وخواصّ عبيده، الذين هم أنواره العقلية وأشعّته الروحانيّة، وبذلك كلّه يحصل النظام في العالم كلّه، ويدوم الكون والفساد الذي هو أصل النعمة وتمام الرحمة.
فسبحانه مِن إله قدير، بدأ الوجود أولاً بأنوار عقليّة، وملائكة قدسيّة عارية عن الموادّ، عالية عن القوة والاستعداد، وثنّاها باختراع أجسام مستديرة دائمة الحركات، وكرات مستنيرة ذوات أنوار وشعاعات، نوّر الله بها البقاع والأطراف والأصقاع، وجعلها منوَّرة بأنوار النفوس، مصوَّرة بغرائب النقوش، باقية على نسقها بلا اختلال، قواعد ثابتة على أصولها بلا انحلال، إلى أن يأتي أجلها، فجعلها إذا جاء أجلها كالدخان، ووردة كالدهان، فصارت يوم القيامة كالمعطّل وكالمضمحل:
{ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ } [الأنبياء:104].
الإشراق الخامس:
في فضل السماء:
أمّا حقيقة فضلها وشرفها، فلا يمكن لأحد أن يعرفها ما دام كونه في هذه الهاوية المظلمة مقروناً بمصاحبة المؤذيات، وإنّما يعرف ذلك بعد الارتقاء إلى فضاء ملكوت السموات، والصعود إلى منازل السعادات.
وأما المعلوم من حالها لبعض المتفكرين في خلقها، فهو أن أبدعها وما فيها على أشرف الأشكال - وهو المستدير -، وأفضل الألوان - وهو المستنير -، آمِنة من الكون والفساد الحاصلين من جهة تغيّر المزاج، الحاصل بالامتزاج، غير قابلة للأضداد والأنداد، لعدم الخلل والنقصان في أنواعها المستدعيين لتكثير الأفراد وتوليد الأعداد من الأشخاص؛ وقسَّمها إلى نجوم زاهرة باهرة، وأفلاك عديدة دائرة غير ظاهرة؛ وحرَّكها بحركات مختلفة تشوّقاً وتقرّباً إلى الله طاعة لملكوته، مستتبعة لآثار عجيبة في أوقات مختلفة في هذا العالم، يتيسَّر بها نشوء الحيوان والنبات، وخلق الأبدان لمواطن النفوس والكلمات.
فسبحان من أبدع السماء كأنَّها حديقة خضراء أنبتت فيها زهراء نضراء، وخلق خلال رياضها من أنواع الثمرات وألوان الأزهار والأنوار، في أواسطها أنهار تجري على حصاة كأنّها الدرّ والياقوت والمرجان، فيها بيوت عالية، وقصور شاهقة فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، يطاف عليها ولدان وغلمان، وحور حسان، وفيها أنواع الطعوم اللذيذة، والروائح الطيبة، والفواكه والثمرات العجيبة.
وبالجملة، كل ما يوجد في الأرض فيوجد في السماء على وجه ألطف وأصفى، فمن بركات تلك الحديقة اللطيفة وما لها من الثمرات تستمرّ حياة هذه الكائنات، ويتيسّر نشوء الحيوان والنبات، أعني بحسب اختلاف أوضاعها العلوية، وإبانة مناطقها وأطرافها تظهر الفصول، وتمتزج الأركان والأصول، وتتنوّع الاستعدادات من الأمّهات القابلة السفليّة، ويتنوّر الممتزج ويختلط المظلم بنور ظلّي فائض من منبع النور ومنبع البركات.
وعند ذلك غلبت قوّة الأمِّهات، وظهرت الأنوثة في طبع النبات، وعند التكاثر ينبت النبات المنوّر بتباشير صبح الحياة؛ وتتولّد الحيوانات عند غلبة قوة الآباء، وتستضيء هياكلها بأنوار الحواسّ، ثم بآثار الذكاء، وعند قيامها على ميزان الاعتدال وأفق الاستواء ومشرق أنوار السماء، تقع عليها أضلال بل عكوس أنوار من العلم والقدرة وغيرها من عالم الأسماء، وعند الناطقة العالمة بعلم الأسماء، يقف ترتيب الفيض والجود، وبمبدأها ترجع دائرة الوجود.
فصل
قد اختلفوا في أن السماء أفضل، أم الأرض؟
أما أهل الكشف والشهود، فلهم وجوه دقيقة لطيفة في فضيلة الأرض على السماء، لا يمكن لغيرهم فهم تلك المعاني، لغموضها، وعلوّ سمكها عن درجة افهام الخلائق.
وأما الحكماء، فالفضل بينهما عندهم ثابت للسماء.
وأما المتكلّمون، وسائر العلماء، فمنهم من ذهب إلى أن السماء أفضل من الأرض، ومنهم من قال بالعكس، وكل من الفريقين قد تشبّثوا بوجود نقليّة متعارضة.
أما وجوه أفضليّة السماء: فهي أن السماء معبد الملائكة، وما فيها بقعة عصي الله فيها، وأنه لما أتى آدم عليه السلام في الجنّة بتلك المعصية قيل: "اهبط من الجنّة" وقال: "لا يسكن في جواري من عصاني".
وقوله تعالى:
{ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } [الأنبياء:32]. وقوله: { تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً } [الفرقان:61], وقوله: { وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } [الحجر:17].
وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله):
"ما فيها موضعُ قدمٍ إلا وفيه ملكٌ راكعٌ أو ساجدٌ" . وأنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء، فالأيدي اليها ترفع، والوجوه تتوجَّه نحوها، وهي منزل الأنوار ومحل الضياء والطهارة والعصمة عن الخلل والفساد.
وأمّا وجوه أفضليّة الأرض: فهي أن الله وصف بقاعاً من الأرض بالبركة بقوله:
{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً } [آل عمران:96]. وقوله: { فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } [القصص:30]. وقوله: { إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } [الإسراء:1]. ووصف أرض الشام بالبركة فقال: { مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } [الأعراف:137]........................... ووصف جملة الأرض بالبركة فقال: { وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا } [فصّلت:10].
قيل: "وأيُّ بركة في المفاوز المُهلكة؟". وأجيب: بأنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا اليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله.
ولهذه البركات قال:
{ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ } [الذاريات:20] تشريفاً لهم لأنّهم هم المنتفعون بها، كما قال: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة:2].
وإن خلق الأنبياء من الأرض:
{ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } [طه:55]. وأكرم نبيَّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) فجعل له الأرض كلّها مسجداً، وترابها طهوراً، فإذا كانت الأرض كلّها مسجداً له - والمساجد بيوت الله، وبيوت الله أكرم البيوت لإضافتها إلى الله -، فكيون أكرم من بناء السماء.
ومن هٰهنا يظهر فضل هذه الأمَّة على سائر الأمم، إذ قد ورد في الخبر ما لمن يلازم المساجد من الفضل عند الله، وأمّته لا تبرح في مسجد أبداً، لأنّ الموت انتقال لأبدانهم من ظَهر الأرض إلى بطنها، وملازم المسجد جليس الله في بيته، فهذه الأمّة جلساء الله حياة وموتاً.
وأما قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} فاعلم أنّه تعالى لمّا ذكر الأرض والسماء، بيّن ما فيهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء الأرض، والانخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان ومن ألوان الثمار، رزقاً لبني آدم، ليتفكّروا في أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ليعرفوا أن شيئاً من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلاّ من كان مخالفاً في الذات والصفات، لما ثبت وتحقّق في العلوم العقليّة: "أنّ المتّفقات في الحقيقة والذات، لا يمكن أن تكون متفاوتة في العليّة وعدمها، والتقدّم والتأخُّر، والقوّة والضعف".
فإن قلت: هل تقولون إنّ الله يخلق هذه الثمرات عند وصول الماء بمجرى العادة، أم الله يخلق في مادّة النبات من الأرض عقيب إنزال الماء قوّة مغذية، وأخرى منمية، وأُخرى مولّدة، فإذا اجتمعت القوى الفاعليّة والموادّ المنفعلة، حصل الأثر من تلك القوى التي خلقها؟
قلنا: لا ذاك - كما هو مذهب الأشاعرة -، ولا هذا - كما هو مذهب أهل الحكمة -، بل شيء آخر أشرنا إليه من قبل، وهو أن الله يفعل الكلّ بتقدّم وتأخُّر، ولكن الله قادر على أن يخلق هذه الثمار من غير هذه الوسائط، لأنّ المصحِّح للمقدوريَّة هو الإمكان - كما مرَّ -، ويؤكِّد هذا القول من الدلائل النقليّة ما ورد في الخبر، "إن الله تعالى يخترع نعيم أهل الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط"، فقدرته على خلْقها ابتداء، لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثّرة والقابلة في الأجسام.
وظاهر قول أكثر المتكلّمين إنكار ذلك، ولا بدّ لهم فيه من دليل؛ ثمّ إنهم حيث لم يأخذوا العلوم من أهل بيتها وأربابها، ولم يأتوا البيوت من أبوابها، أشكل عليهم الأمر، من جهة أنه تعالى، لمّا كان قادراً على خلْق هذه الثمار بدون هذه الوسائط، فما الوجه في خلْقها بهذه الوسائط في هذه المدّة الطويلة؟
ثمّ أجابوا عن ذلك، تارة بالجواب العامي المشترك فيه لجميع ما يشكل عليهم،- كمن يعبد الله على حرف -، وهو "أنه يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد" - وليتهم اكتفوا به!، وتارة بما ذكروا من الأجوبة الخاصّة:
أحدها: إنّه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل إلاّ على ترتيب وتدريج، لأن المكلَّفين إذا تحمَّلوا المشقَّة في الحرث والغرس طلباً للثمرات، وكدّوا أنفسهم في ذلك حالاً بعد حال، علموا أنهم لمّا احتاجوا إلى تحمُّل هذه المشاقّ لطلب المنافع الدنيويّة، فَلأَنَ يتحمّلوا أقلّ من هذه المشاقّ لطلب المنافع الأخرويّة - التي هي أجلّ وأعظم - كان أَوْلىٰ.
وثانيها: إنّه تعالى لو خلَقها دفعة بلا هذه الوسائط، لَحصَل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم، وذلك ينافي التكليف والابتلاء.
وثالثها: إنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عِبَر في ذلك وأفكار صالحة - هذا..
واعلم أن الدنيا دار التجدد والارتحال، وعالَم الحركة والانتقال، والأشياء فيها تحصل على سبيل الاستحالة والتمزيج، وتتكوّن عقيب الانفعال والتدريج، وأمّا الآخرة فهي دار القرار، ومحلّ الراحة والاستقرار، فلو حصلت صورة هذه الثمار وغيرها من صور الحيوان والأشجار من غير مادة مستحيلة - بل بمجرد المشيَّة والإرادة - بلا واسطة مادّة ومدّة، لكانت الدنيا آخرة، والتعب راحة، والحركة سكوناً، والاضطراب طمأنينة، لأنّ من خصائص الجنّة، حضور الفاكهة والطير - وسائر ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين - لأهل الجنّة دفعة بلا فتور، وهي دار الخلد، يطوف عليهم ولدان مخلّدون على هذه الهيئة المرودة المرادة لهم، وكلّ ما فيها من الثمرات غير مقطوعة ولا ممنوعة، وفيها صور مطهّرة من الأدناس، قرَّة أعين أخفيت للناس جزاء بما كانوا يعملون؛ وسيأتي تحقيقها إن شاء الله تعالى.
أبحاث لفظية:
كلمة "مِن" الأولى إبتدائيّة، لأنّ المطر ابتداء نزوله من السماء.
فإن قلت: ليس الأمر كذلك، فإن الأمطار إنّما تتولّد من أبخرة ترتفع من الأرض إلى الطبقة الباردة الهوائيّة، فتتكاثف بسبب البرد هناك، وتنزل بعد اجتماع قطرات بسبب الثقل.
قلنا: إن أريد بـ "السماء" ما اشتقّ من "السموّ"، فذاك، فإنّ ما علاك فهو سَمَاكَ، فكلّ ما نزل من السماء فقد نزل من السماء؛ وإن أريد بها "الفلك"، فلأنّ أسباب حدوث الأمطار وغيرها، إنما تنبعث من أمور سماويّة وأنوار كوكبيّة، تقع بحركتها، على مواضع من الأرض والبحار، فتثير الأجزاء اللطيفة من أعماق الأرض وأطراف البحر إلى جوّ الهواء، فيعقد هناك سحاباً ماطراً.
و "مِن" الثانية للتبعيض، بدليل قوله تعالى:
{ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } [فاطر:27]. ولأن المكتنفين به - أعني "ماءً" و "رزقاً" - منكرَّان، والتنكير يفيد البعضيّة، فكأنّه قال: "وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم"، والواقع هكذا، إذ لم ينزل من السماء كلّ الماء، ولا أخرج بالمطر كل الثمر، ولا جعل الثمرات كل أنحاء المرزوق - فإن من الرزق ما هو غيرها -.
ويحتمل التبيين، ويكون "رزقاً" مفعولاً بمعنى "المرزوق"، كقولك: "أنفقت من الدراهم ألفاً" وعلى الأول كان مصدراً، انتصابه بأنّه مفعول له.
وإنّما لم يقل: "الثُّمُر" و "الثِمار" - جمع الكثرة - والموضع موضعها تنبيهاً على قلّة ثِمار الدنيا، واشعاراً بتعظيم نعيم الآخرة، أو أنّه أراد بالثمرة جماعة الثمرة، كما في قولك: "أدركَتْ ثمرة بستانه"، ويؤيّده قراءة من قرء "الثمرة" - على التوحيد -، أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، كقوله تعالى:
{ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ } [الدخان:25]. وقوله: { ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ } [البقرة:228]. أو لأنّه لمّا كانت محلاّة باللام، أفادت الكثرة وخرجت عن حدّ القلّة.
وقوله: "لكم" صفة "رزقاً"، إن أريد به المرزوق، ومفعوله إن أُريد به المصدر، يعني: "رزقاً ايّاكم".
وقوله: "فَلاَ تَجْعَلُوا" متعلِّق إما بقوله: "اعبدوا" على أنه نهي معطوف عليه، أو نفي منصوب بإضمار "أن" جواب له؛ وإمّا بقوله "لَعلَّكُم"، والمعنى: "خلقكم لِكَي تتَّقوا وتخافوا عقابه فلا تجعلوا له ندّاً"، فيكون منصوباً كنصب " اطَّلع" في قوله:
{ لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ } [غافر:36-37]، الحاقاً لها بالأشياء الستّة لاشتراكها في أنها غير موجبة، وإما بـ "الّذي جَعَلَ" والمعنى: "مَن خصَّكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به"، على أن يكون نهياً وقع خبراً على تأويل "مقولٌ فيه: لا تجعلوا".
و"الفاء" للسببيَّة، أدخلت عليه لتضمّن الإبتداء معنى الشرط.
و "الندِّ" بمعنى المِثْل المنازع، وناددت الرجل: نافَرته؛ من "ندّ، ندوداً" إذا نفر. خُصَّ بالمخالف في التشخّص، المماثل في الذات؛ كما خصَّ "المشابه" بالمماثل في الكيف، و "المساوي" بالمماثل في الكم.
فإن قيل: الكفرة لم يزعموا أن الأصنام تنازع الله ولا أنها تماثله؟
قلنا: لمّا تركوا عبادة الربِّ إلى عبادتها؛ وسمّوها "آلهة"، شابَهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله وتمنحهم ما لم يرد الله بهم، فأطلق عليها "الأنداد" تهكُّماً بهم، وتشنيعاً عليهم، ولهذا قال موحّد زمان الجاهليّة زيد بن عمرو بن نفيل:

أربَّاً واحداً أم ألف ربٍّ أدين إذا تُقُسِّمت الأمور
تركت اللات والعزّى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير

وقوله: "وأنتم تعلمون"، حال من ضمير: "فَلا تَجعلوا"، ومفعوله مطروح في مثل هذا المقام، لأن المراد: "إنّكم من أهل العلم والنظر، وأرباب الرأي والفِكَر، فلو تأمَّلتم أدنى تأمّل، لتسارع عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات، منفرد بوجوب الذات، متعال عن صفات المخلوقات وعن مشابهة المصنوعات".
أو مقدّر منويّ، وهو: إن شركاءكم لا تماثله أو لا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله:
{ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ } [الروم:40]. والمقصود منه التوبيخ والتثريب، لا تقييد النهي بالجملة الحاليّة وقصره عليها، فإنّ التكليف عامّ للعالِم والجاهل المتمكّن منه، لا يختصّ بالعلماء، وإن كان الأمر عليهم أشدّ، والحجّة عليهم أقوى.
فصل
وأما الأنوار الإلهية والأسرار الربوبيّة المندمجة في طيّ ألفاظ هاتين الآيتين فكثيرة
منها: أن الخطاب بـ "يا أيّها الناس" يستدعي حضورهم كلّهم دفعة واحدة - كما هو مفاد الخطاب لاسم الجمع المحلّى باللام -، وأين للمعدوم الغائب منهم وجود حاضر، وسمع يسمع به الخطاب؟!
والسرّ فيه، أن للإنسان نحواً آخر بل أنحاء أخرى من الوجود قبل دخوله في عالم الحسِّ والشهادة، كما أن له نشأة أخرى، بل نشئات أخر بعد خروجه من هذا العالم.
ومنها: أن صيغة الأمر كما تحتمل الأمر التشريعي، تحتمل الأمر التكويني، كما في قوله تعالى:
{ يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً } [الأنبياء:69]. وقوله: { يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } [سبأ:10]. والتخلّف عن الأمر بالمعنى الأول محرّم، وعنه بالمعنى الثاني مستحيل؛ فقوله. "اعبدوا" إن كان أمرُ تكوينٍ يجب وقوع مقتضاه.
وهو كذلك، إلا أنّ العبادة أيضاً على ضربين: أحدهما: ما لا تكلُّف فيه - وهو الامتثال الوجودي والطاعة بحسب الجِبِلّة، فجميع الأشياء بذواتها وطبائعها مطيعة لله تعالى. والثاني: ما لا يخلو عن تكلُّف وتعمُّل، وهو مخصوص بنوع الإنسان، ومعناه تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنَّة؛ فالعبادة لله تعالى بالمعنى الأول حاصلة للجميع، بلا فتور وتعب وقصور، قال الله تعالى:
{ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء:23]. ولهذا جميع عبدَة الأصنام وغيرها، إنّما عبدوها لظنِّهم معنى الإلهية فيها؛ فهم إنما ضلّوا في المصداق لا في الحقيقة.
ومنها: إن الله تعالى كأنّه يقول: "إنّي خلقتكم لأجلي، وخلقت كلّ شيء لأجلكم، وجعلت لكل شيء حظّاً من العبوديّة والمحبّة، وجعلت حظّكم محبّتي ومعرفتي بلا حجاب غيري وواسطة أحد سواي، فلا تنقطعوا عن طريق حظّكم، ولا تتولّوا مجرمين إلى ملاحظة الوسائط، ولا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون علْم الأسماء الذي لا يعلمه أحد من الملائكة وغيرهم، فكيف تولّون وجوهكم نحو غيري وأنتم أعلم بي منه، وأقرب بحسب النوع".
ومنها: أن "جعل" يحتمل ثلاثة معان:
بمعنى صار وطفق، فلا يتعدّى؛ كقوله:

فقد جعلت قوص ابنَي سهيل من الأكوار مرتعها قريب

وبمعنى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: { وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ } [الأنعام:1].
وبمعنى صيَّر - ويتعدّى إلى مفعولين - وخير الأمور أوسطها -.
فيجوز أن يكون "جعَل" في قوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} بمعنى "أوجد" أي: أوجد لكم الأرض. بأن يكون: "فراشاً" حالاً من المفعول، ويكون: "لكم" صلة لجعل - "لا لفراشاً" - ويؤيِّده قوله تعالى:
{ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } [البقرة:29].
وكذا الكلام في قوله: {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}، لكونه معطوفاً على سابقه، أي وجعل لكم السماء بناء. أي: وأوجدنا لأجلكم السماء حال كونها بيتاً. ويؤيِّده قوله:
{ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } [لقمان:20].
ومن هٰهنا يُعلم أن الإنسان غاية جميع الموجودات العلويّة والسفليّة، ويظهر سرّ الخلافة الإلهيّة له، كما في قوله:
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة:30] وسرّ سجدة الملائكة أجمعين لأبينا عند تمامِ التسوية والنفخ فيه من روح الله، كما في قوله { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ } [ص:71 - 74].
ولكن علامة سرّ الخلافة، واستحقاق المسجوديّة للملائكة، وتحقيق كونه غاية ايجاد ما في الكونين، إنّما يظهر ويصدق إذا تحقّق وتبيَّن فيه مفاد قوله تعالى:
{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [فصّلت:53].
ومنها: أنه تعالى أراد من هذه الآية - مع ما دلّ عليه الظاهر وسبق فيه الكلام - الإشارة إلى تفصيل خلْق الإنسان، وما أفاض عليه من المعاني والصفات على سبيل التمثيل، فمثَّل البدن بالأرض، والنفس بالسماءِ، والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العمليّة والنظريّة المحصّلة بواسطة استعمال العقل للحواسّ، وازدواج القوى النفسانيّة والبدنية، بالثمرات المتولّدة من ازدواج القوى السماويّة الفاعلة والأرضيّة المنفعلة بقدرة الفاعل المختار، فإن لكلّ آية ظهْراً وبطناً، ولكل حدٍّ مطَّلعاً.
ومنها: أن الإنسان لمّا كان كالقرآن له ظْهر وبطن، وظْهره في هذا العالَم، وبطنه في عالم الآخرة، فكذلك ما جعله الله رزقاً له في الدنيا من الثمرات وغيرها، فهي ستنقلب في مكامن باطنه، وأطوار نشأته رزقاً له في دار الآخرة، فإن كان من أهل الجنّة، فسيصير له من طعوم الجنَّة وثمارها وفواكهها ولحوم طيورها
{ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } [الصافات:41]. وإن كان من أهل النار، فسيصير عليه حميماً وزقّوماً من { شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ } [الصافات:64 - 65].
وكذلك إنزال الماء من هذه السماء - وهو مادّة الحياة الدنيوية - باطنه إنزال ماء العلم من سماء القدس، وهو منشأ الحياة الأخرويّة كما أشار إليه في قوله تعالى:
{ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } [الرعد:17]. - الآية -، فكذلك لمّا كانت كرة الأثير، وأشعّة الشمس بحرارتها تؤثر في نضج الثمرات وطبخ الفواكه والمولّدات والمعادن، فهي كلّها رحمة، مع كونها ناراً مسخّنة محرقة مؤذية.
كذلك من عرف نشأة الآخرة، وموضع الجنّة والنار، وما في فواكه الجنة من النضج الذي يقع به الالتذاذ لآكلية من أهل الجنّة، وما في طعوم النار من [الغلي] الذي يتأذّى به الآكلون منها، فمالئون منها البطون؛ علِم أين النار، وأين الجنّة، وانّ نضج فواكه الجنّة سببها حرارة نار الخشية والخوف، وحرقة القلب من بأس غضب الله، ومنبتها حرارة النار التي تحت مقعّر أرضها، فيكون بها صلاح ما في الجنّة من المأكولات.
والقلب أيضاً - وهو مقعّر أرض الروح - كالقِدر لطبخ طعام الآخرة كما ورد: "إنّه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي وفي قلْبِه أزيزٌ كأزيزِ المرجل"، وما لا ينضج بها وبقيت فجَّة نيَّة، فتحتاج إلى طبخ آخر في النار، فحرارة الأثير وأشعّة الشمس والقمر وغيرها، كحرارة النار تحت القِدر، فإنّ مقعَّر أرض الجنة هو سقف النار، والشمس والقمر والنجوم كلّها في النار.
وعن أحكامها أنها أودع فيها ما كانت منافع للإنسان بالثمرات والحيوانات في الدنيا، فكذلك أودع فيها ما كانت منافع له في الآخرة بثمرات الجنّة وفواكهها، فيفعل بالأشياء هناك علواً، كما يفعل هٰهنا سفلاً، وكما هو الأمر هٰهنا، كذلك ينتقل إلى هناك، وإن اختلفت الصور وتخالفت النشأتان، ولهذا منَّ الله بخلْق السماء والأرض، وإنزال الماء، وخلْق الثمرات على الإنسان، فافهم هذا إن كنت من أهله.
فصل
في مذاهب الذين جعلوا لله أنداداً
واعلم أن أهل الأهواء والنِحَل كثرة، وهم الذين لا يسمعون كلام الله من أهل النبوة والولاية، ويتّبعون أهواءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وكلّهم عبدَة الشهوات والأهواء بالحقيقة، وهم على طبقات:
فمِن معطِّل بطّالٍ لا يرد عليه فكره بطائلٍ، ولا يرجع عقله وفهمه به إلى حاصل، ولم يؤدّ نظره إلى اعتقاد، ولا يرشد خياله وذهنه إلى معاد، قد ألِفَ المحسوس، وركَن إلى هذا المنزل المدروس، وظنَّ أن لا عالم سوى عالم هذه الديدان والحشرات، ولا فائدة فيه سوى الاشتغال بالمطاعم والمناكح واللذات.
فهؤلاء هم الطبيعيّون والدهريّون ومَن يجري مجراهم من الأطبّاء والمنجّمين، فلا يثبتون عالَماً آخر وراء الطبيعة وفوق المحسوس.
ومن محصِّل نوع تحصيل، قد ترقّى عن المحسوس وأثبت المعقول، وأثبت المبدء والمعاد، لكنّه لا يقول بحدود وأحكام شرعيّة تؤدّي إلى صلاح حال الآخرة، وهؤلاء هم جمهور المتفلسفة، الذين لا دين لهم سوى اتِّباع العقل الناقص الغير المطهَّر من شوائب آفات النفس والشيطان.
ومن قوم يقولون بحدود وأحكام عقليّة، وربما أخذوا أصول أقوالهم وقوانينها من مؤيّد بالوحي، إلاّ أنَّهم اقتصروا على الأول منهم وما تعدوا إلى الآخرة، وهؤلاء هم الصابئون واليهود والنصارى.
أمّا الصابئة: فهم قائلون بأغا[ثا] ذيمون وهِرمِس - وهما شيث وادريس عليهما السلام - ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء. وأما اليهود والنصارى فوقفوا على موسى وعيسى عليهما السلام، وما تعدّيا إلى القول بمحمد (صلى الله عليه وآله).
وكلّهم ممن جعل لله أنداداً، لأنهم عبدوا غير الله، سواء كان محسوساً كالأصنام، أو معقولاً كالروحانيات؛ إلا أن عبدة المحسوسات صريحاً تسمّى بعبدَة الأشخاص، وهم الذين يعكفون على أصنام يصنعونها ويعملونها بأيديهم، وعبدَة المعقولات بوجه تسمّى باسم الصابئة، وهم الذين يعبدون أرواح الكواكب.
واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكاً مساوياً له في الوجوب والعلْم والقدْرة والحِكمة، لكن الثنويّة - وهم أقرب الكفار - يثبتون إلهين - حَكِيماً يفعل الخير، وسفيهاً يفعل الشر - أمّا اتّخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثْرة كما ذكرنا.
الفريق الأول: عبدَة الكواكب - وهم الصابِئَة - يقولون: الروحانيات قد جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح، فهم أشرف من أفراد الإنسان، فنحن نعبدها ونجعلها أرباباً لنا، وإنما أرشدنا إليه معلّمنا اغاثاذيمون وهِرمِس، فنحن نتقرّب إليهم ونتوكّل عليهم، وهم آلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند ربّ الأرباب وإلّه الآلهة، فالواجب علينا أن نطهِّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهويّة والغضبيّة، حتّى تحصل مناسبة ما بيننا وبينهم، فحينئذ نسأل حاجاتنا ونطلب مراداتنا فتستجاب دعوتنا بواسطتهم من إله الآلهة.
وكان اليونانيّون قبل خروج اسكندر، عمَدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانيّة والأجرام النّيرة، واتّخذوها معبودات أو معابد لهم على حدة، وقد كان هيكل العلّة الأولى - وهي عندهم الأمر الإلهي - وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور كلها مدوّرات؛ وكان هيكل زحل مسدّساً وهيكل المشتري مثلّثاً، وهيكل المريخ مستطيلاً، والشمس مربّعاً، والزهرة مثلّثاً في جوفه مربّع، وهيكل عطارد مثلّثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمَّناً.
الفريق الثاني: عبدَة الأوثان، ولا دين أقدم من دين عبدَة الأوثان، لأنّ عقل جمهور الإنسان في أوائل الحال كان في مرتبة الحسّ لم يعرف غير المسحوس.
والدليل على ذلك، أن أقدم الأنبياء الذين نُقل إلينا تأريخهم هو نوح عليه السلام، وهو إنّما جاء بالردّ عليهم:
{ وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } [نوح:23]. ودينهم باقٍ إلى الآن.
والدين الذي هذا شأنه، يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، لكنّ العلم بأن الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلَق السماء والأرض، ضروريُّ؛ فيمتنع إطباق الجمع العظيم [عليه]، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً:
أحدها: ما ذكره أبو مَعشَر جعفر بن محمد المنجّم البَلْخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصورة، وكذا الملائكة؛ وأنّهم كلّهم قد احتجبوا عنّا بالسماء، وأنّ الواجب أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله وملائكته، فيعتكفون على عبادة الأصنام قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى هذا، السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد التشبيه.
وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لمّا رأوا تغيُّرات أحوال العالم مربوطة بتغيّرات أحوال الكواكب، واعتقدوا أن السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفيّة وقوعها في طوالع الناس، بالَغوا في تعظيمها.
فمنهم من اعتقد أنّها واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلَقت هذه العوالم؛ ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر، إلاّ أنها خالِقة لهذا العالَم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جَرَمَ اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها؛ ثم لمّا رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتّخذوا لها أصناماً، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقرّبين إلى أشباحها الغائبة، ولمّا طالت المدّة، تركوا ذكر الكواكب وتجرّدوا لعبادة تلك التماثيل، فهم بالحقيقة عبَدة الكواكب كالصابئة، إلاّ أنّهم أدون منزلة منهم، نسبتهم إلى الصابئة نسبة الطبيعيّة إلى الدهريّة.
وثالثها: أن أصحاب الأحكام يرتقبون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتّخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاصّ، فإنّه ينتفع به في أوقات مخصوصة نحو السعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا اتّخذوا ذلك الطلسم عظّموه، لاعتقادهم أنّهم ينتفعون به، فلمّا بالغوا في ذلك التعظيم، صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدء الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها.
ورابعها: أنّه متى مات منهم رجل كبير، يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله، اتخذوا صنماً على صورته، وعبدوه على اعتقاد أنه ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى و
{ يَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس:18].
وخامسها: لعلّهم اتّخذوها قبلة لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها - لا لها -، كما أنّا نسجد إلى القبلة - لا للقبلة -، ولمّا استمرّت هذه الحالة، ظنّ جهّال القوم أنّه تجب عبادتها.
وسادسها: لعلّهم كانوا من المجسِّمة، فاعتقدوا جواز حلول الربِّ فيها، فعبدوها على هذا التأويل.
فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها، حتى لا تصير بحيث يعلم بطلانها بالضرورة.
تنبيهٌ
واعلم أن الحكيم هِرمِس العظيم - المحمود آثاره، المرضيّ أقواله وأفعاله، الذي يُعدّ من الأنبياء الكبار، ويقال هو ادريس النبي عليه السلام كما مرّ - هو الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيّارة، ورتّبها في بيوتها، وأثبت لها الشرف والوبال، والأوج والحضيض، والمناظرة بينها بالتثليث والتربيع والتسديس، والمقابلة والمقارنة، والرجعة والإقامة والإستقامة، وبيَّن تأثير الكواكب.
وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات، فغير مبرهن عليها عند الجميع، وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوا من خواصّ الكواكب - لا من طبائعها - ورتَّبوها على الثوابت - لا على السيّارات -.
وأما أصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص، فهم من فرق الصابئة، والفرق بينهما كما أشرنا إليه، وهو أن أصحاب الروحانيّات، لمّا عرفوا أن لا بدّ للإنسان من متوسّط، ولا بدّ للمتوسّط من أن يُرى فيتوجّه إليه ويُتعرّف ويُستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيّارات، وكانوا يسمّونها أرباباً وآلهة، والله تعالى ربّ الأرباب وإله الآلهة.
ومنهم مَن جعل الشمس إله الآلهة وربّ الأرباب، وكانوا يتقرّبون إلى الهياكل تقرّباً إلى الروحانيّات تقرّباً إلى الباري تعالى، لاعتقادهم بأنّ الهياكل أبدان الروحانيّات، ونسبتها إلى الروحانيّات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا، فهم الأحياء الناطقون بحياة تلك الأرواح، ولا شكّ أن من تقرَّب إلى شخص فقد تقرّب إلى روحه؛ ثمّ استخرجوا من عجائب الحيَل المرتّبة على عمل الكواكب، ما كان يقضي منه العجب، من الطلسمات والنيرنجأت وغيرها - من السِحْر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم من الصور - وهذه كلّها من علومهم.
وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بدّ من متوسِّط يُتوسل به، وشفيع يُتشفع إليه، والروحانيّات وإن كانت هي الوسائل، لكنّا إذا لم نرَها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسُن، لم يتحقّق التقرّب إليها لاّ بهياكلها؛ ولكن الهياكل قد تُرى في وقت ولا تُرى في وقت - لطلوعها وأفولها، وظهورها بالليل وخفائها بالنهار - فلا بدّ لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسّل بها إلى الهياكل، فنتقرّب بها إلى الروحانيّات، وبها إلى الباري، فنعبدهم ليقرّبونا إلى الله زلفى.
فاتَّخذوا أصناماً وأشخاصاً على مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة هيكل، وصنعوها من الأجساد السبعة المتطرّقة من الحديد والنحاس وغيرهما، فراعوا في ذلك: الزمان، والوقت، واليوم، والساعة، والدرجة، والدقيقة، وجميع الأوصاف النجومية؛ فتقربوا إليه في يومه وساعته وتبخروا ببخوره، وتختّموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرّعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا حاجاتهم منه.
فيقولون: كانت تُقضى حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات، وذلك هو الذي أشار إليه قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}، فأصحاب الهياكل هم عبدَة الكواكب إذ قالوا بإلهيّتها - كما مرّ -، وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان إذ سمّوها آلهة في مقابل الآلهة السماويّة وقالوا:
{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس:18].
وقد ناظر الخليل - على نبيّنا وآله وعليه السلام - هؤلاء الفريقين، فابتدء بكسر مذاهب الأشخاص، وذلك قوله تعالى:
{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } [الأنعام:83]. وتلك الحجَّة أن كسرهم قولاً، لقوله: { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات:95-96].
ولمّا كان أبوه آذر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام، ورعاية الإضافات النجوميّة - حقّ الرعاية -، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام - لا مِن غيره -، كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال عليه السلام:
{ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الأنعام:74].
ثم عدَل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، وكما أراه الله الحجَّة على قومه، قال:
{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } [الأنعام:75]. فاطّلعه على ملكوت الكونين، وسرّ العالمين، تشريفاً له على الروحانيّات وهياكلها، وترجيحاً لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريراً بأنّ الكمال في الرجال.
فأقبلَ على إبطال مذاهب أصحاب الهياكل:
{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي } [الأنعام:76]. على وِزان إلزامه على أصحاب الأصنام: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } [الأنبياء:63] وإلاّ فما كان الخليل كاذباً في هذا القول، ولا مشرِكاً ولا شاكّاً في تلك الإشارة.
ثمّ استدلّ بالأفول والزوال، والتغيُّر والإنتقال بأنّه لا يصحُّ أن يكون إلهاً، فإنّ الإله القديم لا يتغيَّر، وإلاّ لاحتاج إلى مغيِّر. وعن هذا ما استدل عليهم بالطلوع، - وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول - فإنّهم انتقلوا إلى عمل الأشخاص لما اعتراهم من التحيُّر بالأفول، فأتاهم الخليل عليه السلام من حيث تحيّرهم؛ فاستدلّ عليهم بما اعترفوا بصحَّته، وذلك أبلغ في الاحتجاج.
فإن قلت: لمّا رجع حاصل مذاهب عبَدة الأصنام - بل عبدَة الأوثان - إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟
قلنا: لمّا تقرّبوا إليها، وعظَّموها، وسمُّوها "آلهة"، جرت أحوالهم مجرى مَن يعتقد أنها آلهة مثلُه، قادرةٌ على مخالفته ومضادته، شنّع عليهم واستفظع شأنهم، سيّما إذا كانوا محاربين لأهل الحقّ، مخاصمين للأنبياء عليهم السلام؛ فقيل لهم ذلك على سبيل التهكّم بأن جعلوها أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ واحد فقط، ولا يفيد في عبادته إلا الحنيفيّة والإخلاص ورفع الوسائط من البين.
تتمة
زعم أصحاب التأريخ أن عَمرو بن لُحَى لمّا ساد قومه وترأس على طبقاتهم، وولي أمر البيت الحرام، اتّفقت له سفرة إلى البلقاء، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنها فقالوا: "هذه أرباب نستنصر بها فنُنصَر، ونستسقي بها فنُسقى"، فالتمس منهم أن يكرموه بواحدة منها؛ فأعطوه الصنم المعروف بـ "هُبَل"، فسار به إلى مكّة، ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه - وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف -.
واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة غمدان الذي بناه الضحّاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء، وخربه عثمان.
ومنها نوبهار بلْخ، الذي بناه منوشهر الملك على اسم القمر.
ثمّ كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل وُدَّ بدومة الجندل، وسُواع لبني هذيل، ويَغُوث لمذحج، ويَعُوق لهمدان، ونَسْر بأرض حِمير لذي الكلاع، واللاَّت بالطائف لثَقيف، ومَناة بيثرب للخزرج، والعُزّىٰ لكنانة بنواحي مكة، وأساف ونائلة على الصفا والمروة.
وكان قُصَيّ - جدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ينهاهم عن عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه؛ وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل - حتى فارَق قومه - وقد نقلنا شعره الدالّ على توحيده الباري -.