التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
٦١
-البقرة

تفسير صدر المتألهين

قرأ أهلُ المدينة النبيئين بالهمزة، والباقون بغير الهمزة.
والطَّعام: ما يتغذّى به. والطُّعْم - بضم الطاء -: الأكل. والطَّعم من الكيفيات المحسوسة بحاسَّة الذوق، والمراد من تلك الكيفيّات المسمّاة بالمحسوسات هي الموجودة في الخارج. وأمّا التي وُجدت منها في المشاعِر من صوَرها المطابقة لها، فهي بحسب ذلك الوجود الصوري ليست عندنا داخلة في هذا الجنس بل في جنس الكيفيّات النفسانيّة كالشهوة والغضب، والإرادة والكراهة، والعلْم والجهْل.
وفي ذلك سرّ المعاد وحشر الأجساد، فإنّ لهذه الموجودات وأشكالها ومقاديرها، وألوانها، وطعومها، وروائحها، وأصواتها، وجوداً في عالَم النفس، غير هذا الوجود المادّي، الدنيوي، الدائر الفاسد.
والدُّعاء أصله النداء. ويستعمل في قول القائل لمن فوقه: "إفعَل كذا".
والإنبات: إخراج النبات، لكنّ الله لا يباشِر هذا الفعل الدنيّ إلاّ باستخدام بعض الملائكة الأرضيّة، بعد استخدامه للملائكة السماويّة.
والبَقْل: ما يَنبت في الربيع من الخُضراوات التي ليس لها ساق. يقال: "بَقَلت الأرضُ" و "أبقلت" وهما لغتان فصيحتان.
و "القِثَّاء" فيها لغتان: ضم القاف وكسرها. والثاني أجود لأنّه لغة القرآن. وقرئ في الشواذّ بالضم.
والفُوم: الحِنطة عن ابن عباس، وقتادة، والسدّي. وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) وقال الفرّاء، والأزهري: هو الحِنطة والخبْز. قال العرب: "فُوموا لنا" أي: اختبزوا لنا. وقال قوم: هو الحبوب التي تُخبز. وقال الكسائي: هو الثوم. أُبدل "ثاؤه"فاءً". قال الفرّاء: هذا أشبه بما ذكره بعده من البصَل. وقال الزجّاج: وهذا بعيد، لأنّه لا يعرف "الثوم" بمعنى "الفوم".
قال الطبرسي - ره - "وهو ضعيف. لأنّه قد روي في الشواذّ عن ابن مسعود وابن عباس: وثومها".
وفيه نظر. لأنّ الذي روي من قراءة "ثومها" بدل "فومها" لا يدلّ على كونهما مترادفين قطعاً.
وقوله: {أَدْنَىٰ} أي أقرب وأدون. فيكون من الدنوّ، ويجوز أن يكون من الدناءة بمعنى الخسَّة.
والمِصْر: البلد العظيم. وأصله الحدّ بين الشيئين، وقد يراد به العَلَم. وتنوينه وصرفه لسكون الوسط. أو على تأويل البلَد. وقيل: أصله: مصيرائيم باليائين فعرِّب.
و {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} أي: فُرضت، ووُضعت وألزموها، كما في قولهم: ضَرب الإمامُ الجزيةَ على أهل الذمّة، وضرَب الأميرُ على الرعيّة الخراجَ.
و "المَسْكَنَة" مصدر المِسكين، وهي الفاقَة والحاجة.
{وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: انصرفوا ورجعوا. أو استووا. من قولك: "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته. أي صاروا أحقّاء بغضبه. و "بَاءَ" لا يُستَعمل إلاّ في الشرّ.
والنبي من "النبأ" بمعنى الخبر، أو من "نبأ" بمعنى ارتفع، أو منقول من "النبي" بمعنى الطريق. والكلّ مناسب لمعناه العرفي. وهو إنسانٌ مبعوث من الله إلى عباده. فالنبي (صلّى الله عليه وآله) مخبر عن الله، مرتفع عنده. وهو طريق إلى وصول الحق ورضوانه.
والمعنى: وإذ قال أسلافُكم: يا بني إسرائيل بعد ما أنعَم عليهم من النّعم والإحسان التي منها المَنُّ والسَّلوى وهما من الأطعمة اللَّذيذة، قالوا من سوء الاختيار وكفْران النعمة: يا موسى لن نصبِر على طعام واحد - أي ما رزقوا في التيه - وهما وإن كانا اثنين، لكن وحدتهما عبارة عن عدم تبدّلهما، واختلافهما كقولهم: "مائدة الأمير واحدة" أي: لا تختلف ألوانها، وإن كانت ألوانها كثيرة. ولذلك سئِموا. أو المراد أنّهما ضرب واحد، فإنّهما معاً من طعام أهل التلذّذ والمترفين. ونحن قوم فلاّحون أهل زراعة، ولا نريد إلاّ ما ألِفناه.
{فَٱدْعُ لَنَا} أي: فاسأل ربّك لأجلنا {يُخْرِجْ} أي: يوجِد ويُظهر، مما تنبته الأرض من الخُضروات.
فقال تعالى أو قال موسى (عليه السلام): {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ} أقرب منزلة وأدون قدراً: وأسهل وجوداً، بالذي هو خير منه وأعلى قدراً، وأعزّ وجوداً؟ يريد: أتستدعون الأدوَن بدلاً من الأفضل: اهبطوا مصراً من الأمصار. وقُرئ بضمّ الباء أي: انحدروا إليه من التيه. يقال: "هبط الوادي" إذا نزل و "هبَط منه" إذا خرَج.
وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين، وهي إثنى عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ.
ويحتمل أن يراد به العَلَم، وإنّما وقع منصرفاً مع اجتماع السببين - التعريف والتأنيث - لسكون وسطه. كقوله: نوحاً ولوطاً وفيهما العُجمة والتعريف. فإن أُريد به البلد فما فيه إلاّ سبب واحد.
وفي مصحَف عبد الله، وقرأ به الأعمش: "إهبطوا مصر" بغير تنوين. كقوله: {وَادْخُلُوا مِصْرَ}.
واختلفوا في قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} فرُوي عن ابن مسعود وأُبيّ بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن: "ألف" في مصراً زيادةٌ من الكاتب. فحينئذٍ تكون معرفة. فيجب أن يحمل على ما هو المخصّص بهذا الاسم، وهو البلد المعروف الذي كان فيه فرعون.
وأمّا الذين قرؤوا بالتنوين فقد اختلفوا. فمنهم من قال: البلَد الذي كان فيه فرعون، وانصرافه لما مرّ وقال الآخرون: أيّ بلد كان. فإنّ الذي سألتُم من هذه الأُمور يوجَد في الأمصار.
إشارة
قربُ أحوال القوم من الحيوانات
قد تقرّر أنّ الغذاء شبيه بالمغتذي، ومن هاهنا أيضاً يعلم مع القرائن الآخرة كعبادتهم العِجل، وكونهم أربعين سنَة في الصحراء، وكون أبدانهم قابلة لأن يُقرض منها أجزاؤها بالمقاريض من غير أن يجرح لضخامة أبدانهم، وكون أثوابهم كالجلود كانت تزيد بزيادة قدّهم، وغير ذلك - أنّ أقوام بني إسرائيل كانت خارجة في المزاج عن عرض المزاج الإنساني الذي نشأ في ما بعد زمانهم، وكانت طبائعهم قريبة الشبه من طبائع الأنعام، وأغذيتهم كأغذيتها مما تنبت الأرض من قُشور الأغذية، وكثافتها، ونخالتها، كالعلَف والتّبْن، لا من لبُوبها ولطافتها كالحبوب، والأدهان، والدُّسومات، والحلاوات، التي يختصّ بالتغذّي بها الإنسان دون غيره من الحيوان.
ويؤيّد ما ذكرنا قوله تعالى في تشبيههم بالحمار:
{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [الجمعة:5].
فصل
واختلف في سؤالهم هذا: هل كان معصية؟ فقيل: لم يكن معصية، لأنّ الأوّل كان مباحاً، فسألوا تبديله بمباح آخر. وقيل: بل كان معصية لأنّهم لم يرضوا بما اختاره الله لهم، ولذلك ذمّهم. وهذا أوجه.
وربما رُجِّح الأوّل بأنّه لو كان السؤال معصية لكانت الإجابة إليه معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء (عليهم السلام).
والجواب: لا نسلّم أنّ موسى (عليه السلام) دعا ربه لإجابة مسؤولهم عنه. بل لمّا أبوا شيئاً اختار الله لهم أعطاهم عاجلَ ما سألوا، كما في قوله:
{ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } [الشورى:20].
ثمّ اختلف في الأمر في قوله: {اهْبِطُوا} للوجوب، أو للندب، أو للتخيير؟ والظاهر أنّه للتخيير والإباحة. يعني: إذا لم تصبروا على ما هو خير لكم اهبطوا مصراً فإنّ ما سألتم يوجَد في الأمصار.
أمّا قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} أي: صارت محيطة بهم، مشتملة عليهم، كالقبّة المضروبة على جماعة. أو لزمتهم ضربة لازم، كما يضرب الطين على الحائط، فيلزمه. ولأجل هذا يكون اليهود أذلاّء صاغرين، أهل مسكنة وخسّة. إمّا في الحقيقة، وإمّا لتفاقرهم، وتصاغرهم خيفَة أن يضاعَف عليهم الجزية.
ومن العلماء مَن عدَّ هذا من معجزات نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله)، لأنّه أخبَر من ضرب الذلّة والمسكنة عليهم، ووقع الأمر على طِبْق ما أخبره، فكان هذا إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً.
وأمّا الاستدلال بهذه الآية على فضيلة الأغنياء على الفقراء، - لأنّه تعالى ذمَّهم على الفقر - فغير موجّه، لأنّ المراد به خسّة الذات، وفقْر القلب، وهَوانُ النفس. لأنّ كثيراً ما يوجد في اليهود ميَاسير ومتموّلين، ولكن لا يوجد يهوديٌّ غنيُّ القلب، مترفّع النفس. قال النبي (صلّى الله عليه وآله):
"الغِنى غِنى النفس" .
وقوله: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: رجَعَوا منصرفين متحمّلين غضب الله، قد نزَل بهم العذابُ، ووجبَ عليهم الغضبُ، وحلَّ بهم السخطُ، لكونهم أحقّاء بذلك، فبدّل الله اليهود بالعزّ ذلاًّ، وبالنعمة بُؤساً، وبالرضاء عنهم غضباً عليهم جزاءً بما كفروا بآياته، وقتلوا أنبياءه (عليهم السلام). وكُفرهم بآيات الله عبارة عن جحودهم حُجَج الله وبيّناته، وإنكارهم لما رأوا من الدلائل الباهرة، والشواهد الظاهرة.
وقيل أراد بـ "آيات الله" ما في التوراة، والإنجيل، والقرآن.
وقيل: آيات الله صفة محمّد (صلّى الله عليه وآله).
وقوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: بغير جُرم، كزكريّا، ويحيى، وغيرهما.
فصل
في هذه الآية سؤالات:
أحدها: لِمَ وقع تقييد القتل بكونه بغير الحقّ، وقتْل النبي لا يكون إلاّ بغير الحقّ؟
والجواب من وجهين:
الأوّل: انّ هذا خرَج مخرَج الصفة اللازمة إشعاراً باللزوم، كما في قوله تعالى:
{ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ } [المؤمنون:117]. ومعناه: أنّ ذلك لا يمكن أن يكون عليه برهان. وأمثاله كثيرةٌ في كلام العرب.
والثاني: إنّ الإتيان بالباطل، قد يكون الآتي به اعتقده حقّاً لشبهة وقعت له في قلبِه، وقد يأتي به مع علْمه بكونه باطِلاً. ولا شك أنّ هذا القِسْم أقبح.
وثانيها: قوله: {يَكْفُرُونَ} داخل تحته قتل الأنبياء، فلِمَ أعاد كرّة أخرى؟
والجواب: إنّ الكفْر بآيات الله معناه هو الجهل بها، والجحود والإنكار لها، فلا يدخل تحته قتل الأنبياء.
وثالثها: كيف يجوز التخلية بين الكفّار وقتْل الأنبياء؟
والجواب: إنّما جاز ذلك لينال أنبياء الله من رفيع الدرجات، وسني المقامات، ما لا ينالونه بغير القتْل، وليس ذلك بخذلان لهم. كما أنّ التخلية بين المؤمنين والأولياء وبين قاتليهم ليست بخذلان لهم.
ورابعها: إنّ الحق وقَع معرّفاً في هذه الآية وبغير التعريف في آل عمران وهو قوله تعالى:
{ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ } [آل عمران:21].
والجواب: إنّ الحقّ المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، كما في قوله (صلّى الله عليه وآله):
"لا يحلّ دم امرئٍ مسلم إلاّ بإحدى معان ثلاثة: كفْر بعد إيمان. وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حقّ" . فالحقّ المذكور بلام التعريف إشارة إلى هذا. وأمّا الحقّ المنكر غيره. ففيه تأكيد. أي: لم يكن هناك حقٌّ، لا هذا المعروف بين المسلمين ولا غيره أصلاً.
فصل
وأمّا قوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي: ذلك الغضب، وضرب الذلّة والمسكنة، لأجْل عصيانهم واعتدائهم في السبْت.
وقيل: المراد اعتداؤهم في قتْل الأنبياء، فهو تأكيد لتكرير الشيء بغير لفظه الأوّل، وهو كقول الرجُل لعبده - وقد احتمل منه ذنوباً سابقة فعاقَبه عند آخرها -: "هذا بما عصَيتني، وهذا بما خالفتَ أمري، وهذا بما تجرأت عليّ وهذا بكذا" فيعدّ عليه ذنوبَه المختلفة، أو يعدّ عليه ذنوبَه بألفاظ مختلفة تبكيتاً.
ومعنى الاعتداء هاهنا: الظلم، والتجاوز عن الحقّ إلى الباطل.
نكتة:
واعلم أنّ درجات المعصية متفاوتة، أقواها الكفْر بالله وبعده الكفر برسله وأنبيائه، وبعدهما الظلم من أحد على نفسه، وبعدها الظلم على غيره.
فاعلم أنّه لما ذكر سبحانه إنزال العقوبة بهم، بيَّن سبب ذلك فبدأ أوّلاً بما فعَلوه في حقّ الله، وهو جهلهم بآياته، وكفرانهم لنِعمه. ثمّ ثنّاه بما يتلوه في العِظَم وهو قتْل الأنبياء. ثمّ ثلَّثه بما كان يصدر منهم من المعاصي التي تخصّهم. ثمّ ربّع ذلك بما يصدر منهم من المعاصي المتعدّية إلى الغير مثل الاعتداء في السبت وغيره وذلك في غاية حُسن الترتيب.