التفاسير

< >
عرض

ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٦٤
-يس

تفسير صدر المتألهين

إن في هذه الآية نصّاً على أن الكفر - أي الجهل بحقيقة الساعة واليوم الآخر - هو منشأ صلي جهنم والإحتراق بنارها، وذلك لما مرّ من أن الجهل بوجود الآخرة يوجب الأقدام على ترك الطاعات، والإجتراء على المعاصي، والتقاعد عن الخروج من دار المعصية ومعدن الآفة، والإخلاد إلى الأرض والإغترار بظواهر الآثار، وتسويف التوبة والإعتماد على الشفاعة، كما حكى الله عنهم بقوله: { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس:18] والجهل بأن شرط تحقق الشفاعة حصول المناسبة، فلا يتصور بدونها كما أشير إليه بقوله تعالى: { لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } [طه:109] وقوله: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ } [المدثر:48].
وها هنا دقيقة لأهل القرآن الذين هم أهل الله وأهل العرفان، وهي أنه لما تقرر عندهم ببصائرهم الشهودية، وارصادهم وآلاتهم الروحانيّة، إن الدنيا وأحكامها، مرآة للآخرة وأحكامها، ولما كان الناس يوم القيامة أصنافاً ثلاثة لقوله تعالى:
{ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ } [الواقعة:7 - 8] إلى قوله { أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } [الواقعة:11] ولقوله: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ } [فاطر:32] فكذلك الموجودون منهم في الدنيا على ثلاثة أقسام، كل قسم منها مرآة ومثال لما يؤول إليه عاقبة أمره، وأحواله وأحكامه الحاضرة مثال لأحواله وأحكامه الغائبة.
فالمتوطنون فيها، المُكبّون على شهواتها، أمثلة أصحاب الشمال الواقفون على النار من الأشرار والأشقياء المردودون الجهّال الضلاّل المقيدين بالسلاسل والأغلال، وانكبابهم على شهواتها مثال احتراق أهل النار لحرقاتها.
والمتعبدون الزاهدون من أهل السعادة والصلاح هم مثل أصحاب اليمين وأهل النجاة.
وأما العلماء الراسخون السالكون إلى الله، والأحرار المرتفعون عن الخسائس الدنيّة، المعرضين عن لذّاتها الحيوانيّة، فهم المقربون إلى الله تعالى، المارون على الصراط كالبرق الخاطف، من غير أن يصل إليهم أثر حرّها وضرّها، كما قال واحد من أهل بيت النبي (عليه وعليهم الصلاة والسلام) لما سئل عن قوله تعالى:
{ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } [مريم:71] "جزناها وهي خامدة"، وقوله تعالى عقيب ذلك: { ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } [مريم:72] إشارة إلى أهل النجاة والسعادة، وقوله: { وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } [مريم:72] إشارة إلى أهل النكال والشقاوة.
ومن نظر إلى حال كل فرقة بعين الاستبصار والإعتبار، ورجع إلى عالم الانصاف من الجور والاعتساف، انكشف عليه أن التضاد متحقق بين أهل التوحيد وأصحاب الشمال، حيث إن أحواله وأفعاله على ضد أحوال هؤلاء وأفعالهم، ويظهر له يقيناً أن الجماعة المتشبّهين بالعلماء - المكبيّن على الدنيا وأغراض النفس والهوى - بمعزل عن درجة أهليّة أهل العلم والتوحيد، وهم بمراحل عن أهل الله ورضوانه بعيد، فهم في واد وأهل دين الله في واد.
فهؤلاء أهل التضادّ والعناد، كما أن أولئك أهل التوحيد والحرية والتفريد، وذلك لتقيّدهم بعالم الحركات والتغيّرات، من الأجسام المتضادة الصور والمواد، المتقلبة في أحوالها، كالحدوث والزوال والكون والفساد، والحياة والموت، والنوم واليقظة، والصحة والمرض، والقدرة والعجز، واللذة والألم، والراحة والتعب، والشهوة والغضب، وذلك لتقيّدهم بذواتهم المستحيلة، وهوياتهم الكائنة الفاسدة، وعلومهم الجزئية المتغيّرة، بحيث لم يرتقوا عن خصوصيات هوياتهم، ولم يخرجوا قدماً عن عتبة باب أبدانهم العنصرية بنفوسهم الوهميّة.
وإذ لا نجاة لشخص من نفسه وشخصه، فكيف لوازمه وحالاته، فهم محترقون بنار الانقلابات وحرقة الشهوات
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } [النساء:56] وأي عذاب أشد من أن يكون متعذباً من نفسه، معاقباً بمعصية هي ذاته ووجوده؟ كما قيل: "وجودك ذَنْبٌ لا يُقاس به ذنب" فلا جَرَمَ يكونون أبداً في الجحيم بين أمور متضادة كالسموم والزمهرير يترددون في الهاوية بين طرفي التضاد، لما بيّنا فيما مرّ، أن الهاوية من سنخ هذه الدار يبرز يوم القيامة على الأشرار: { وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } [الشعراء:91] كما برزت اليوم على الأخيار، لقوله: { وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ } [النازعات:36] فمن كان يتعذب تارة بأحد الضدين وتارة بالآخر: { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [الزمر:16].

برهوا برشود بسوزندش برزمين بكَذرد بدوزندش
دوزخ نقد مفسدان اين است نسيه خود صد هزار جندين است

وأحوال أهل الجنة والأبرار، تعاكس أحوال أهل النار والأشرار بوجه، حيث إن هؤلاء لمّا كانوا أول الأمر خارجين عن قيد الشرع، مسرحين عن عقال العقل، غير مرتاضين بل سائمين في أرض الشهوات، خالعي عذار الشرع وزمام العقل، فلا جَرَمَ يقيّدون في الآخرة بقيود السلاسل والأغلال، يعذبون بفنون العذاب والنكال، محتجبون بأنواع الحجب، مترددون في أسفل دركات الجحيم { كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا } [الحج:22].
وأما الأبرار، فلهم الإرتقاء من كمال إلى كمال، لهم من فوقهم غُرَف ومن تحتهم غُرف، وهم المتخلّصون من عذاب أهل التضاد، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.