التفاسير

< >
عرض

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
٥
ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
٦
-الفاتحة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(5)إيّاكَ نَعْبُدُ} في تفسير الإِمام عليه السلام قال الله تعالى: قُولوا يا أيّها الخلق المنعم عليهم إِيّاك نعبد أيّها المنعم علينا نطيعك مخلصين موحّدين مع التذلل والخضوع بلا رياء ولا سمعة.
وفي رواية عامية عن الصادق عليه السلام: يعني لا نريد منك غيرك لا نعبدك بالعوض والبدل كما يعبدك الجاهلون بك المغيبون عنك.
أقول: إِنّما انتقل العبد من الغيبة إلى الخطاب لأنه كان بتمجيده (لتمجيده خ ل) لله سبحانه وتعالى يتقرب إِليه متدرجاً إلى أن يبلغ في القرب مقاماً كأنّ العلم صار له عياناً والخبر شهوداً والغيبة حضوراً.
{وَإِيّاكَ نَسْتَعِيْنُ}: على طاعتك وعبادتك وعلى دفع شرور أعدائك ورد مكائدهم والمقام على ما أمرت، كذا في تفسير الإمام عليه السلام. قيل: المستتر في نعبد ونستعين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عباداتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة وقدّم إِيّاك للتعظيم له والاهتمام به وللدلالة على الحصر.
{(6) إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}: في المعاني وتفسير الإمام عن الصادق عليه السلام يعني أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ إلى جنّتك والمانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: يعني أدِمْ لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.
أقول: لما كان العبد محتاجاً إلى الهداية في جميع اموره آناً فآناً ولحظة فلحظة فادامة الهداية هي هداية أخرى بعد الهداية الأولى فتفسير الهداية بإِدامتها ليس خروجاً عن ظاهر اللفظ. وعنه عليه السلام الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنّة.
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام: وهي الطريق إلى معرفة الله وهما صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنّم.
وعنه عليه السلام: ان الصراط أمير المؤمنين عليه السلام.
وفي رواية أخرى: ومعرفته.
وفي أخرى: أنه معرفة الامام، وفي اخرى: نحن الصراط المستقيم.
والقمّي عنه عليه السلام: الصراط أدقّ من الشّعر وأحدّ من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ومنهم من يمر عليه ماشياً ومنهم من يمر عليه حبواً ومنهم من يمر عليه متعلقاً فتأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً. وفي رواية أخرى: أنه مظلم يسعى الناس عليه على قدر أنوارهم.
أقول: ومآل الكل واحد عند العارفين بأسرارهم.
وبيانه على قدر فهمك أن لكل انسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلية باطنية في الكمال وحركات طبيعية ونفسانية تنشأ من تكرار الأعمال وتنشأ منها المقامات والأحوال فلا يزال ينتقل من صورة إلى صورة ومن خلق إلى خلق ومن عقيدة إلى عقيدة ومن حال إلى حال ومن مقام إلى مقام ومن كمال إلى كمال حتى يتصل بالعالم العقلي والمقربين ويلحق بالملأ الأعلى والسابقين إن ساعده التوفيق وكان من الكاملين أو بأصحاب اليمين إن كان من المتوسطين أو يحشر مع الشياطين وأصحاب الشمال إن ولاه الشيطان وقارنه الخذلان في المآل وهذا معنى الصراط المستقيم، ومنه ما إذا سلكه أوصله إلى الجنّة وهو ما يشتمل عليه الشرع كما قال الله عز وجل:
{ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى: 52] صراط الله وهو صراط التوحيد والمعرفة والتوسط بين الأضداد في الأخلاق والتزام صوالح الأعمال.
وبالجملة: صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا مقتدياً فيه بهدى إمامه وهو أدق من الشعر وأحدّ من السيف في المعنى مظلم لا يهتدي إليه إلا من جعل الله لو نوراً يمشي به في الناس يسعى الناس عليه على قدر أنوارهم.
وروي عن الصادق عليه السلام أن الصورة الإنسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير والجسر الممدود بين الجنّة والنار.
أقول: فالصراط والمار عليه شيء واحد في كل خطوة يضع قدمه على رأسه أعني يعمل على مقتضى نور معرفته التي هي بمنزلة رأسه بل يضع رأسه على قدمه أي يبني معرفته على نتيجة عمله الذي كان بناؤه على المعرفة السابقة حتى يقطع المنازل إلى الله وإلى الله المصير.
وقد تبيّن من هذا أن الإمام هو الصراط المستقيم وأنه يمشي سوياً على الصراط المستقيم وأن معرفته معرفة الصراط المستقيم ومعرفة المشي على الصراط المستقيم وإن من عرف الامام ومشى على صراطه سريعاً أو بطيئاً بقدر نوره ومعرفته إِيّاه فاز بدخول الجنّة والنجاة من النار ومن لم يعرف الإمام لم يدر ما صنع فزل قدمه وتردّى في النار.