التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٩٦
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٩٧
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
٩٨
-يونس

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(96) إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ} ثبتت {كَلِمَةُ رَبِّكَ} بأنهم يموتون على الكفر {لاَ يُؤْمِنُونَ} إذ لا يكذّب كلامه ولا ينتقص قضاؤه.
{(97) وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} وحيث لا ينفعهم كما لم ينفع فرعون.
القميّ الذين جحدوا أمير المؤمنين عليه السلام عرضت عليهم الولاية وفرض الله عليهم الإِيمان بها فلم يؤمنوا بها.
{(98)فَلَوْلاَ كانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ} فَهَلاّ كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب ولم تؤخر اليها كما اخَّّر فرعون الى أن ادركه الغرق {فَنَفَعَهَآ إيمَانُهَآ} بأن يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها {إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} لكن قوم يونس {لَمَّآ ءَامَنُواْ} أوّل ما رأوا إمارة العذاب ولم يؤخّروه إلى حلوله {كَشَفنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} ويجوز أن يكون الجملة في معنى النفي لتضمن حرف التخصيص معناه فيكون الإِستثناء متصلاً كأنّه قيل ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلاّ قوم يونس.
في الجوامع وكان يونس قد بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذّبوه فذهب عنهم مغاضباً فلمّا فقدوه خافوا نزول العذَابِ فلبسوا المسوح وعجّوا وبكوا فصرف الله عنهم العذاب وكان قد نزل وقرب منهم.
والعياشي عن أبي عبيدة الحذاء عن الباقر عليه السلام قال كتب أمير المؤمنين عليه السلام قال حدثني رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أنّ جبرئيل حدّثه أن يونس بن متّى عليه السلام بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة وكان رجلاً تعتريه الحدّة وكان قليل الصّبر على قومهِ والمداراة لهم عاجزاً عمّا حُمِّل من ثقل حمل أوقار النّبوّة وأعلامها وانّه تفسخ تحتها كما يتفسّخ الجذع تحت حمله وانّه أقام فيهم يدعوهم إلى الإِيمان بالله والتصديق به واتباعه ثلاثاً وثلاثين سنة فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه إلا رجلان اسم أحدهما روبيل واسم الآخر تنوخا وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوّة والحكمة وكان قديم الصحبة ليونس بن متّى عليه السلام من قبل أن يبعثه الله بالنبوّة وكان تنوخا رجلاً مستضعفاً عابداً زاهداً منهمكاً في العبادة وليس له علم ولا حكم وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوّت منها وكان تنوخاً رجلاً حطّاباً يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته فلمّا رأى يونس أنّ قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلّة الصّبر فشكا ذلك إلى ربه وكان فيما شكا أن قال يا ربّ إنّك بعثتني إلى قومي ولي ثلاثون سنة فلبثت فيهم أدعوهم إلى الإِيمان بك والتصديق برسالتي وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلاثاً وثلاثين سنة فكذّبوني ولم يؤمنوا بي وحجدوا نبوتي واستخفوا برسالتي وقد توعدوني وخفت أن يقتلوني فأنزل عليهم عذابك فانهم قوم لا يؤمنون قال فأوحى الله إلى يونس أنّ فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ والكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين وأنا الحكم العدل سبقت رحمتي غضبي لا أعذّب الصغار بذنوب الكبار من قومك وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريّتي في بلادي وفي عيلتي أحبّ أن أتاناهم وأرفق بهم وانتظر توبتهم وانّما بعثتك إلى قومك لتكون حفيظاً عليهم تعطف عليهم بسجال الرحمة الماسّة عنهم وتأنّاهم برأفة النبوّة وتصبر معهم بأحلام الرّسالة وتكون لهم كهيئة الطّبيب المداوي العالم بمداواة الدّواءِ فخرجت بهم ولم تستعمل قلوبهم بالرّفق ولم تسسهم بسياسة المرسلين ثم سألتني عن سوء نظرك والعذاب لهم عند قلة الصبر منك وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه وأحسن صحبة وأشدّ تأنّياً في الصبر عندي وأبلغ في العذر فغضبت له حين غضب لي وأجبته حين دعاني فقال يونس يا ربّ إِنّما غضبت عليهم فيك وانّما دعوت عليهم حين عصوك فوعزّتك لا أتعطف عليهم برأفة أبداً ولا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذيبهم إيّاي وحجدهم نبوتي فأنزل عليهم عذابك فانّهم لا يؤمنون أبداً فقال الله تعالى يا يونس أنّهم مأة ألف أو يزيدون من خلقي يعمرون بلادي ويلدون عبادي ومحبّتي ان أَتأَنّاهم للذي سبق من علمي فيهم وفيك وتقديري وتدبيري غير علمك وتقديرك وأنت المرسل وأنا الرّب الحكيم وعلمي فيهم يا يونس باطن في الغيب عندي لا يعلم ما منتهاه وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له يا يونس قد أجبتك إلى ما سألت من انزال العذاب عليهم وما ذلك يا يونس بأوفر لحظك من عندي ولا أحمد لشأنك وسيأتيهم عذاب في شوّال يوم الأربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس فأعلمهم ذلك قال فسرّ ذلك يونس ولم يسؤه ولم يدر ما عاقبته فانطلق يونس إلى تنوخا العابد وأخبره بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم وقال له انطلق حتّى أعلمهم بما أوحى الله إليّ من نزول العذاب فقال تنوخا فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذبهم الله فقال له يونس بل نلقى روبيل فنشاوره فانّه رجل عالم حكيم من أهل بيت النّبوّة فانطلقا إلى روبيل فأخبره يونس بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوّال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشمس فقال له ما ترى انطلق بنا حتّى أعلمهم بذلك فقال له روبيل ارجع إلى ربّك رجعة نبيّ حكيم ورسول كريم واسأله أن يصرف عنهم العذاب فانّه غنيّ عن عذابهم وهو يحبّ الرفق بعباده وما ذلك بإصر لك عنده ولا أسرى لمنزلتك لديه ولعلّ قومك بعدما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوماً فصابرهم وتأنّاهم فقال له تنوخا ويحك يا روبيل ما أشرت على يونس وأمرته به بعد كفرهم بالله وجحدهم لنبيّه وتكذيبهم إيّاه واخراجهم إيّاه من مساكنه وما همّوا به من رجمه فقال روبيل لتنوخا اسكت فانّك رجل عابد لا علم لك ثمّ أقبل على يونس فقال أرأيت يا يونس إذا أنزل الله العذاب على قومك أنزله فيهلكهم جميعاً أو يُهلك بعضاً ويُبْقي بعضاً فقال له يونس بل يهلكهم جميعاً وكذلك سألته ما دخلتني لهم رحمة تعطف فاراجع الله فيهم وأسأله أن يصرف عنهم فقال له روبيل اتدري يا يونس لعلّ الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسُّوا به أن يتوبوا إليه ويستغفروا فيرحمهم فانّه أرحم الرّاحمين ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله تعالى أنّه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء فتكونَ بذلك عندهم كذّاباً فقال له تنوخا ويحك يا روبيل لقد قلت عظيماً يخبرك النّبيّ المرسل أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليهم فتردّ قول الله تعالى وتشكّ فيه وفي قول رسوله اذهب فقد حبط عملك فقال روبيل لتنوخا لقد فسد رأيك ثمّ أقبل على يونس فقال انزل الوحي والأمر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من انزال العذاب عليهم وقوله الحقّ أرأيت اذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوّة وتبطل رسالتك وتكون كبعض ضعفاءِ الناس ويهلك على يدك مأة ألف من الناس فأبى يونس أن يقبل وصيّته فانطلق ومعه تنوخا إلى قومه فأخبرهم أنّ الله أوحى إليه أنّه منزّل العذاب عليهم يوم الأربعاء في شوّال في وسط الشّهر بعد طلوع الشمس فردّوا عليه قوله وكذّبوه وأخرجوه من قريتهم اخراجاً عنيفاً فخرج يونس ومعه تنوخا من القرية وتنحّيا عنهم غير بعيد وأقاما ينتظران العذاب وأقام روبيل مع قومه في قريتهم حتى إذا دخل عليه شوّال صرخ روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم أنا روبيل الشفيق عليكم الرّحيم بكم إلى ربّه قد أنكرتم عذاب الله هذا شوّال قد دخل عليكم وقد أخبركم يونس نبيّكم ورسول ربّكم أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليكم في شوّال في وسط الشّهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس ولن يخلف الله وعده رسله فانظروا ماذا أنتم صانعون فأفزعهم كلامه فوقع في قلوبهم تحقيق نزول العذاب فأجفلوا نحو روبيل وقالوا له ماذا أنت مشير به علينا يا روبيل فانّكَ رجل عالم حكيم لمن نزل نعرفك بالرّقة علينا والرّحمة لنا وقد بلغنا ما أشرت به على يونس فمرنا بأمرك وأشر علينا برأيك فقال لهم روبيل فانّي أرى لكم وأشير عليكم أن تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشهر أن تعزلوا الأطفال عن الأمّهات في أسفل الجبل في طريق الأودية وتقفوا النساء في سفح الجبل ويكون هذا كلّه قبل طلوع الشمس فعجوا عجيج الكبير منكم والصَّغير بالصراخِ والبكاءِ والتضرّع إلى الله والتّوبة إليه والاستغفار له وارفعوا رؤُوسكم إلى السماءِ وقولوا ربّنا ظلمنا وكذّبنا نبيّك وتبنا إليك من ذنوبنا وان لا تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين المعذّبين فاقبَلْ توبتنا وارحمنا يا أرحم الرّحمين ثمّ لا تملّوا من البكاءِ والصّراخِ والتضرّع إلى الله والتوبة إليه حتى توارى الشمس بالحجاب أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك فاجمع رأي القوم جميعاً على أن يفعَلوا ما أشار به عليهم روبيل فلمّا كان يوم الأربعاء الذي توقّعوا العذاب تنحّى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم ويرى العذاب إذا أنزل فلمّا طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به فلمّا بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير وحفيف فلمّا رأوها عجّوا جميعاً بالصّراخِ والبكاء والتضرّع إلى الله وتابوا واستغفروه وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمّهاتها وعجّت سِخال البهائم تطلب الثّدي وسَعَتِ الأنعام تطلب الرّعا فلم يزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان صيحتهم وصراخهم ويدعوان الله بتغليظ العذاب عليهم وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجيجهم ويرى ما نزل وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم فلمّا أن زالت الشمس وفتِحت أبواب السماء وسكن غضب الربّ تعالى رحمهم الرّحمن فاستجاب دعاءهم وقبل توبتهم وأقالهم عثرتهم وأوحى إلى اسرافيل أن اهبط إلى قوم يونس فانّهم قد عجّوا إلى البكاءِ والتضرّع وتابوا إليّ واستغفروني فرحمتهم وتبت عليهم وأنا الله التّوابُ الرّحيم اسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذنب وقد كان عبدي يونس ورسولي سألني نزول العذاب على قومه وقد أنزلته عليهم وأنا الله أحقّ من وفى بعهده وقد أنزلته عليهم ولم يكن اشترط يونس حين سألني أن أنزّل عليهم العذاب ان أهلكهم فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي فقال اسرافيل يا ربّ إنّ عذابك بلغ أكنافهم وكاد أن يهلكهم وما أراه إلاّ وقد نزل بساحتهم فالى اين اصرفه فقال الله كلاّ إنّي قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه ولا ينزلوه عليهم حتّى يأتيهم أمري فيهم وعزيمتي فاهبط يا اسرافيل عليهم واصرف عنهم وأصرف به إلى الجبال وناحية مفاض العيون ومجاري السّيُول في الجبال العاتية العادية المستطيلة على الجبال فأذلها به وليّنها حتّى تصير ملتئمة حديداً جامداً فهبط اسرافيل ونشر أجنحته فاستاق بها ذلك العذاب حتى ضرب بها تلك الجبال التي أوحى الله إليه أن يصرفه إليها قال أبو جعفر عليه السلام وهي الجبال التي بناحية الموصل اليوم فصارت حديداً إلى يوم القيامة فلمّا رأى قوم يونس أنّ العذاب قد صرف عنهم هبطوا إلى منازلهم من رؤوس الجبال وضمّوا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم وحمدوا الله على ما صرف عنهم وأصبح يونس وتنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه لا يشكان أنّ العذاب قد نزل بهم وأهلكهم جميعاً لمّا خفيَت أصواتهم عنهما فاقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشّمس ينظران إلى ما صار إليه القوم فلمّا دنوا من القوم واستقبلهم الحطّابون والحمّارة والرّعاة بأعناقهم ونظروا إلى أهل القرية مطمئنّين قال يونس لتنوخا يا تنوخا كذّبني الوحي وكذبت وعدي لقومي لا وعزّة ربّي لا يرون لي وجهاً أبداً بعدما كذّبني الوحي فانطلق يونس هارباً على وجهه مغاضباً لربّه ناحية بحر أيلة مُتنكراً فراراً من أن يراه أحد من قومه فيقول له يا كذّاب فلذلك قال الله وذا النّون اذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه الآية ورجع تنوخا إلى القرية فلقي روبيل فقال له يا تنوخا أي الرّأيين كان أصوب وأحَقّ أرأيي أو رأيُك فقال له تنوخا بل رأيك كان أصوب ولقد كنت أشرت برأي العلماءِ والحكماءِ وقال له تنوخا أما إنّي لم أزل أرى انّي أفضل منك لزهدي وفضل عبادتي حتى استبان فضلك لفضل علمك وما أعطاك ربّك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزهد والعبادة بلا علم فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما ومضى يونس على وجهه مغاضباً لربّه فكان من قصته ما أخبره الله به في كتابه فآمنوا فمتّعناهم إلى حين قال أبو عبيدة قلت لأبي جعفر عليه السلام كم كان غاب يونس عن قومه حتى رجع إليهم بالنبوّة والرّسالة فآمنوا به وصدّقوه قال أربعة أسابيع سبعاً منها في ذهابه إلى البحر وسبعاً في بطن الحوت وسبعاً تحت الشّجرة بالعراءِ وسبعاً منها في رجوعه إلى قومه فقلت له ما هذه الأسابيع شهور أو أيّام أوساعات فقال يا أبا عبيدة إنّ العذاب أتاهم يوم الاربعاء في النِّصفِ من شوّال وصرف عنهم من يومهم ذلك فانطلق يونس مغاضباً فمضى يوم الخميس سبعة أيام في مسيره إلى البحر وسبعة أيّام في بطن الحوت وسبعة أيّام تحت الشّجرة بالعراءِ وسبعة أيّام في رجوعه إلى قومه فكان ذهابه ورجوعه ثمانية وعشرين يوماً ثم أتاهم فآمنوا به وصدّقوه واتّبعوه فلذلك قال الله {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحَيوة الدّنيا ومتّعناهم إلى حين}.
وعنه عليه السلام أنّ يونس لمّا اذاه قومه دعا الله عليهم فأصبحُوا أوّل يوم ووجوههم صفر وأصبحوا اليوم الثاني ووجوههم سود قال وكان الله واعدهم أن يأتيهم العذابَ حتى نالوه برماحهم ففرّقوا بين النساء واولادهنّ والبقر وأولادها ولبسُوا المسُوح والصّوف ووضعوا الحبال في أعناقهم والرماد على رؤوسهم وضجّوا ضجّة واحدة إلى ربهم وقالوا آمنّا بِإِله يونس فصرف الله عنهم العذاب وأصبح يونس وهو يظنّ أنّهم هلكوا فوجدهم في عافية.
وفي العِلل عن الصادق عليه السلام أنّه سئل لأيّ علة صرف الله العذاب عن قوم يونس وقد أظلّهم ولم يفعل كذلك بغيرهم من الأممِ قال لأنّه كان في علم الله أنّه سيصرف عنهم لتوبتهم وانّما ترك أخبار يونس بذلك لأنّه عزّ وجلّ أراد أن يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته.
وفي الكافي عنه عليه السلام انّ جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس ولم يسمعه يونس.
والقميّ وافق العياشي في ذكر القصّة إلاّ أنّه اختصرها وذكر في اسم العابد مليخا مكان تنوخا وأورد في آخرها أشياءً أخر نوردها في سورة الصّافّات انشاء الله ويأتي بعض قصّته في سورة الأنبياء أيضاً ان شاء الله.