التفاسير

< >
عرض

أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً
٧٧
أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً
٧٨
كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً
٧٩
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً
٨٠
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً
٨١
كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً
٨٢
أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً
٨٣
فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً
٨٤
يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً
٨٥
وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً
٨٦
-مريم

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(77) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بَآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } يعني في الآخرة.
القمّي عن الباقر عليه السلام انّ العاص بن وايل بن هشام القرشيّ ثم السهمي وهو احد المستهزئين وكان لخباب بن الارث عليه حقّ فأتاه يتقاضاه فقال له العاص الستم تزعمون انّ في الجنّة الذّهب والفضّة والحرير قال بلى قال فموعد ما بيني وبينك الجنّة فوالله لاُوتين فيها خير ممّا اوتيت في الدّنيا.
{(78) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ } قد بلغ من عظمة شأنه الى ان ارتقى الى عالم الغيب الذي توحّد به الواحد القهّار حتّى ادّعاه ان يؤتى في الآخرة مالاً وولداً وتألى عليه {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً } ام اتّخذ من علاّم الغيوب عَهداً بذلك فانه لا يتوصّل إلى العلم به الاّ باحد هذين الطريقين.
{(79) كَلاَّ } ردع وتنبيه على انّه مخطىء فيما تصوره لنفسه {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدّاً } ونطوّل له منه.
{(80) وَنَرِثُهُ } باهلاكنا ايّاه {مَا يَقُولُ } يعني المال والولد ممّا عنده منهما {وَيَأْتِينَا } يوم القيامة {فَرْداً } لا يصحبه مال ولا ولد ممّا كان له في الدّنيا فضلاً ان يؤتى ثمّة زائدا.
{(81) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً } ليتعزّزوا بهم حيث يكونون لهم وصلة الى الله وشفعاء عنده.
{(82) كَلاَّ } ردع وانكار لتعزّزهم بها {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }
القمّي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية اي يكونون هؤلاء الّذين اتّخذوهم آلهة من دون الله ضدّاً يوم القيامة ويتبرؤون منهم ومن عبادتهم ثم قال ليس العبادة هي السّجود ولا الركوع وانّما هي طاعة الرجال من اطاع مخلوقاً في معصية الخالق فقد عبده.
أقول: يعني عليه السلام بذلك انّ المراد بالآلهة المتّخذة من دون الله رؤساؤهم الّذين اطاعوهم في مَعصية الخالق.
{(83) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } تهزّهم وتغريهم على المعاصي بالتّسويلات وتحبيب الشّهوات.
القمّي قال لمّا طغوا فيها وفي فتنتها وفي طاعتهم ومدّ لهم في طغيانهم وضلالتهم ارسل عليهم شياطين الانس والجنّ تؤزّهم ازّاً اي تنخسهم نخساً وتحضّهم على طاعتهم وعبادتهم
{(84) فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } قال اي في طغيانهم وفتنتهم وكفرهم.
أقول: والمعنى لا تعجل بهلاكهم لتستريح من شرورهم فانّه لم يبق لهم الاّ انفاس معدودة.
وفي الكافي عن الصّادق عليه السلام انّه سئل عن قوله تعالى انّما نعدّ لهم عدّا فقال ما هو عندك قال السّائل عدد الايام قال انّ الآباء والامّهات يحصون ذلك لا ولكنّه عدد الانفاس.
والقمّي مثله وفي نهج البلاغة نفس المرء خطاؤه الى اجله وقال عليه السّلام كلّ معدود منقصّ وكلّ متوقع آت..
{(85) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ } نجمعهم { إِلىَ الرَّحْمَنِ } الى ربّهم الّذي غمرهم برحمته {وَفْداً } وافدين عليه كما يفد الوفّاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وانعامهم.
{(86) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ } كما يساق البهائم {إِلى جَهَنَّم وِرْداً } عطاشاً فانّ من يرد الماء لا يرده الاّ العطش او كالدواب التي ترد الماء وفي قراءة رسول الله صلّى الله عليه وآله من رواية اهل البيت عليهم السّلام يوم يحشر المتّقون الى الرّحمن وفدا ويساق المجرمون الى جهنّم ورداً وقد سمع هكذا من قبر الرّضا عليه السلام وقصّته مذكورة في العيون.
وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام يحشرون على النجائب.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام والقمّي عن الصادق عليه السلام قال سأل عليّ عنه عليه السلام رسول الله صلّى الله عليه وآله عن تفسير قوله تعالى يوم نحشر المتّقين الآية قال يا عليّ انّ الوفد لا يكون الاّ ركباناً اولئك رجال اتّقوا الله فأحبّهم الله واختصّهم ورضي اعمالهم فسمّاهم المتّقين ثمّ قال يا عليّ اما والّذي فلق الحبّة وبرىء النّسمة انّهم ليخرجون من قبورهم وانّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ عليها رحال الذّهب مكلّلة بالدّر والياقوت وجلالها الاستبرق والسّندس وخطامها جدل الارجوان وزمامها من زبرجد فتطير بهم الى المحشر مع كلّ رجل منهم الف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفّونهم زفّاً حتّى ينتهوا بهم الى باب الجنّة الاعظم وعلى باب الجنة شجرة الورقة منها تستظلّ تحتها مئة الف من النّاس وعن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكّية قال فيسقون منها شربة شربة فيطهّر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط عن ابشارهم الشّعر وذلك قوله
{ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [الإنسان: 21] من تلك العين المطهّره ثم ينصرفون الى عين اخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون ابداً
ثمّ قال يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الافات والاسقام والحرّ والبرد ابداً قال فيقول الجبّار للملائكة الّذين معهم احشروا اوليائي الى الجنّة فلا توقفوهم مع الخلايق فقد سبق رضائي عنهم ووجبت رحمتي لهم فيكف اريد ان اوقفهم مع اصحاب الحسنات والسّيئات قال فتسوقهم الملائكة الى الجنّة فاذا انتهوا الى باب الجنّة الاعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة فتصرّ صريراً فيبلغ صوت صريرها كلّ حوراء خلقها الله واعدّها لاوليائه فيتباشرون بهم اذا سمعوا صرير الحلقة ويقول بعضهم لبعض قد جاءنا اولياء الله فينفتح لهم الباب فيدخلون الجنّة فيشرف عليهم ازواجهم من الحور العين والآدميين فيقلن مرحباً بكم فما كان اشدّ شوقنا اليكم ويقول لهنّ اولياء الله مثل ذلك.
وزاد القمّي فقال عليّ عليه السلام من هؤلاء يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
"هؤلاء شيعتك يا عليّ وانت امامهم وهو قول الله عزّ وجلّ يوم نحشر المتقين الى الرّحمن وفداً على الرّحايل" .