التفاسير

< >
عرض

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٥
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤٦
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١٤٧
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٤٨
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤٩
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(145) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} برهان وحجة {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} لأن المعاند لا تنفعه الدلالة {وَمَا أَنْتَ بِتَابعٍ قِبْلَتَهُمْ} قطع لأطماعهم {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} لتصلب كل حزب فيما هو فيه {وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} على سبيل الفرض المحال أو المراد به غيره من أمته من قبيل إياك أعني واسمعي يا جارة {إنّكَ إذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ} أكد تهديده وبالغ فيه تعظيماً للحق وتحريصاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهواء واستعظاماً لصدور الذنب عن الأنبياء.
{(146) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} يعني علماءهم {يَعْرِفُونَهُ} يعرفون محمداً صلّى الله عليه وآله وسلم بنعمته وصفته ومبعثه ومهاجره وصفة أصحابه في التوراة والإنجيل {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} في منازلهم {وَإِنَّ فَرِيقاً} وهم المعاندون دون المؤمنين {مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
{(147) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} إنك لرسول إليهم {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} الشاكين.
{(148) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} ولكل قوم قبلة وملّة وشرعة ومنهاج يتوجهون إليها {هُوَ مُوَلِّيهَا} الله موليها إياهم وقرئ مولاها بالألف أي قد وليّها {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} الطاعات.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام الخيرات الولاية.
{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً} قيل أينما متم في بلاد الله يأت بكم الله جميعاً إلى المحشر يوم القيامة.
وفي أخبار أهل البيت أن المراد به أصحاب المهدي في آخر الزمان.
وفي المجمع والعياشي عن الرضا عليه السلام أن لو قام قائمنا لجمع الله جميع شيعتنا من جميع البلدان.
وفي الاكمال والعياشي عن الصادق عليه السلام لقد نزلت هذه الآية في أصحاب القائم وإنهم المفتقدون من فرشهم ليلاً فيصبحون بمكة وبعضهم يسير في السحاب نهاراً نعرف اسمه واسم أبيه وحليته ونسبه {إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} على الامانة والاحياء والجمع.
{(149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} لسفر في البلاد {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إذ صلّيت {وإِنّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} وإن التوجه إلى الكعبة للحق الثابت المأمور به من ربك {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ} وقرئ بالياء.
{(150) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} قيل كرّر الحكم لتعدّد علله فانه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل تعظيم الرسول ابتغاء لمرضاته وجري العادة الإلهية على أن يولي أهل كل ملّة وصاحب دعوة جهة يستقبلها ويتميز بها ودفع حجج المخالفين كما يأتي وقرن بكل علّة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريباً وتقريراً مع أن القبلة لها شأن والنّسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ} علّة لقوله تعالى فولوا، والمعنى أن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة يدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة وان محمداً يجحد ديننا ويتّبعنا في قبلتنا واحتجاج المشركين بأنّه يدّعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}.
القمّي: إلا هاهنا بمعنى ولا وليست استثناء يعني ولا الذين ظلموا منهم وقيل معناه إلا الحجة الداحضة من المعاندين بأن قالوا ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
{فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} فان مطاعنهم لا تضركم {وَاخْشَوْنِي} فلا تخالفوا ما أمرتكم به {وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ} عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم تمام النعمة دخول الجنة وعن أمير المؤمنين عليه السلام تمام النعمة الموت على الإسلام.
أقول: لا تنافي بين الخبرين لتلازم الأمرين.