التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
١٨٦
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{ (186( وَإِذَا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} فقل لهم إني قريب روي أن أعرابياً قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت.
أقول: قربه تعالى عبارة عن معيّته عز وجل كما قال سبحانه وهو معكم أينما كنتم فكما أن معيّته للأشياء ليست بممازجة ومداخلة ومفارقته عنها ليست بمباينة ومزايلة فكذلك قربة ليس باجتماع واين وبعده ليس بافتراق بين بل نحو آخر أقرب من هذا القرب وأبعد من هذا البعد ولهذا قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقال ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، وفي مناجاة سيد الشهداء عليه الصلاة والسلام إلهي ما أقربك مني وأبعدني عنك وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك وإنما يجد قربه من عبده كأنه يراه كما قال نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلم
"أعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" ، إن قيل كيف يكون الشيء قريباً من الآخر ويكون ذلك الآخر بعيداً عنه، قلنا هذا كما يكون لك محبوب وهو حاضر عندك وأنت عنه في عمى لا تراه ولا تشعر بحضوره فانه قريب منك وأنت بعيد عنه {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} تقرير للقرب ووعد للداعي بالإِجابة {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجبتهم إذا دعوني لمهامهم {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} في المجمع عن الصادق عليه السلام أي وليتحققوا اني قادر على إعطائهم ما سألوه.
والعياشي ما في معناه {وَلَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون} قال أي لعلهم يصيبون الحق ويهتدون إليه.
وروي أن الصادق عليه السلام قرأ أَمن يجيب المضطر إذا دعاه فسئل ما لنا ندعو ولا يستجاب لنا فقال لأنّكم تدعون من لا تعرفون وتسألون ما لا تفهمون فالاضطرارعين الدين وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان من لم يشهد ذلّة نفسه وقلبه وسره تحت قدرة الله حكم على الله بالسؤال وظن أن سؤاله دعاء والحكم على الله من الجرأة على الله.
وفي الكافي عنه عليه السلام أنه قيل له في قوله سبحانه ادعوني استجب لكم ندعوه ولا نرى إجابة قال أفترى الله عزو جل أخلف وعده قال لا قال فممّ ذلك قال لا أدري قال لكني أخبرك من أطاع الله عز وجل فيما أمره ثم دعاه من جهة الدعاء أجابه قيل وما جهة الدعاء قال تبدأ وتحمد الله وتذكر نعمه عندك ثم تشكره ثم تصلي على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ثم تذكر ذنوبك فتقرّ بها ثم تستعيذ منها فهذا جهة الدعاء.
وعنه عليه السلام أن العبد ليدعو فيقول الله للملكين قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته فإني أحب أن أسمع صوته وان العبد ليدعو فيقول الله تبارك وتعالى عجّلوا له حاجته فإني أبغض صوته.
والقمّي عنه عليه السلام أنه قيل له إن الله تعالى يقول: ادعوني أستجب لكم وإنا ندعوه فلا يستجاب لنا فقال لأنكم لا توفون بعهد الله وان الله يقول:
{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [البقرة: 40] والله لو وفيتم لله لوفى لكم.
وفي الكافي عنه عليه السلام أن من سره أن يستجاب دعوته فليطيّب مكسبه.
وروي عنه عليه السلام إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاء فلييأس من الناس كلّهم ولا يكون له رجاء إلا عند الله عز وجل فإذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأله شيئاً إلا أعطاه ويأتي حديث آخر في هذا الباب في سورة المؤمن إن شاء الله.