التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ
٤٦
يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ
٤٧
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ
٤٨
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(46) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنّهُمْ مُلاقُوا رَبَّهِمْ}: في التوحيد والاحتجاج والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام يوقنون أنهم يبعثون والظن منهم يقين وفيهما قال عليه السلام: اللقاء البعث والظن هاهنا اليقين.
وفي تفسير الإمام عليه السلام يقدرون ويتوقعون أنهم يلقون ربهم اللقاء الذي هو أعظم كرامته لعباده {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إلى كرامته ونعيم جناته قال: وإنما قال يظنون لأنهم لا يدرون بماذا يختم لهم لأن العاقبة مستورة عنهم لا يعلمون ذلك يقيناً لأنهم لا يأمنون أن يغيروا ويُبدِّلوا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لا يزال المؤمن خائفاً، من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له" الحديث. ويأتي تمامه في سورة حم السجدة ان شاء الله عند تفسير ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، الآية.
{(47) يَا بْنِيَ إسْرَائِيْلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} إذ بعثت موسى وهارون إلى أسلافكم بالنبوة فهدياهم إلى نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ووصية عليّ عليه السلام وإمامة عترته الطيبين عليهم السلام وأخذا عليهم بذلك العهود التي إن وفوا بها كانوا ملوكاً في الجنان {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} هناك أي فعلته بأسلافكم فضّلتهم في دينهم بقبول ولاية محمد وآله عليهم السلام وفي دنياهم بتظليل الغمام وانزال المنّ والسلوى وسقيهم من الحجر ماء عذباً وفلق البحر لهم وانجائهم وغرق أعدائهم فضلتهم بذلك على عالمي زمانهم الذين خالفوا طريقتهم وحادوا عن سبيلهم.
أقول: وإنما خاطب الله الأخلاف بما فعل بالأسلاف أو فعلوه من الخير والشر لأن القرآن نزل بلغة العرب وهم يخاطبون بمثل ذلك يقول الرجل للتميمي الذي أغار قومه على بلدة وقتلوا من فيها أغرتم على بلدة كذا وفعلتم كذا وقتلتم أهلها وإن لم يكن هو معهم مع أن الأخلاف راضون بما فعل بالأسلاف أو فعلوه، كذا في تفسير الإِمام عليه السلام عن السجاد عليه السلام وقد مضى تحقيقه في المقدمة الثالثة.
{(48) وَاتَّقُوا يَوْماً} وقت النزع {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} لا تدفع عنها عذاباً قد استحقته {وَلاَ يُقْبَلٌ} وقرئ بالتاء {مِنْهَا شَفَاعَةٌ} بتأخير الموت عنها {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فداء مكانها تُمات وتترك هي {وَلا يُنْصَرونَ}.
أقول: يعني في دفع الموت والعذاب.
وفي تفسير الإِمام عليه السلام هذا يوم الموت فان الشفاعة والفداء لا يغني عنه فأمّا في القيامة فانّا واهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء لنكوننّ على الأعراف بين الجنة والنار محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبون من آلهم (ع) فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات فمن كان منهم مقصراً وفي بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان والمقداد وأبي ذرّ وعمّار ونظرائهم في العصر الذي يليهم ثم في كل عصر إلى يوم القيامة فينقضّون عليهم كالبزاة والصقور ويتناولونهم كما يتناول البزاة والصقور صيدها فيزفونهم إلى الجنة زفاً وانا لنبعث على آخرين من محبينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحب وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا وسيؤتى بالواحد من مقصّري شيعتنا في أعماله بعد أن قد حاز الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه ما بين ماءة وأكثر من ذلك إلى ماءة ألف من النصّاب فيقال له هؤلاء فداؤك من النار فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصَّاب النار وذلك ما قال الله عز وجل
{ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الحجر: 2] يعني بالولاية لو كانوا مسلمين في الدنيا منقادين للإِمامة ليجعل مخالفوهم من النار فداؤهم.