التفاسير

< >
عرض

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٩٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٩١
وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
٩٢
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(90) بِئْسَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}: ذم الله اليهود وعاب فعلهم في كفرهم بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم يعني اشتروا انفسهم بالهدايا والفضول التي كانت تصل إليهم وكان الله أمرهم بشرائها من الله بطاعتهم له ليجعل لهم أنفسهم والانتفاع بها دائماً في نعيم الآخرة فلم يشتروها بل اشتروها بما أنفقوه في عداوة رسول الله ليبقى لهم عزهم في الدنيا ورئاستهم على الجهال وينالوا المحرمات وأصابوا الفضولات من السّفلة وصرفوهم عن سبيل الرشاد ووقفوهم على طريق الضلالات {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} على موسى من تصديق محمد صلّى الله عليه وآله وسلم {بَغْياً} لبغيهم وحسدهم {أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ} وقرئ مخففاً {مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعني تنزيل القرآن على محمد الذي ابان فيه نبوته واظهر به آيته ومعجزته وفضائل أهل بيته.
وفي الكافي والعياشي عن الباقر عليه السلام قال: بما أنزل الله في علي بغياً.
{فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} يعني رجعوا وعليهم الغضب من الله في اثر غضب فالغضب الأول حين كذّبوا بعيسى بن مريم فجعلهم قِرَدَةً خاسئين ولعنهم على لسان عيسى والغضب الثاني حين كذّبوا بمحمد صلّى الله عليه وآله فسلّط عليهم سيوف أصحابه حتى ذلّلهم بها فاما دخلوا في الإسلام طائعين واما اعطوا الجزية صاغرين. قال أمير المؤمنين عليه السلام: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول
"من سئل عن علم فكتمه حيث يجب اظهاره ويزول عنه التقيّة جاء يوم القيامة ملجّماً بلجام من نار" {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} يعني لهم أظهر لينبئ عن السبب كذا قيل وله نظائر كثيرة في القرآن.
{(91) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}: على محمد صلّى الله على محمد وآله وسلم من القرآن {قَالُوا نُؤمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} وهو التوراة {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} ما سواه لا يُؤْمنون به {وَهُوَ الْحَقُّ} لأنه هو الناسخ للمنسوخ الذي تقدمه {مُصَدِّقَاً لِمَا مَعَهُمْ} وهي التوراة {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُون} فلم كنتم تقتلون لم كان يقتل أسلافكم {أَنْبِيَاءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ} بالتوراة فان فيها تحريم قتل الأنبياء وفيها الأمر بالإِيمان بمحمد والقرآن فما آمنتم بعد بالتوراة.
والعيّاشي عن الصادق عليه السلام إنما نزل هذا في قوم من اليهود كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقتلوا الأنبياء بأيديهم ولا كانوا في زمانهم فانما قتل أوائلهم الذين كانوا من قبلهم فجعلهم الله منهم وأضاف إليهم فعل أوائلهم بما تبعوهم وتولوهم.
أقول: قد مضى تحقيق ذلك في المقدمة الثالثة.
{(92) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} إِلهاً {مِنْ بَعْدِهِ} من بعد انطلاقه إلى الجبل وخالفتم خليفته الذي نصّ عليه وتركه عليكم وهو هارون {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} بما فعلتم.