التفاسير

< >
عرض

قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ
٨٤
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ
٨٥
فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي
٨٦
قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ
٨٧
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ
٨٨
أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً
٨٩
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي
٩٠
قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ
٩١
قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ
٩٢
أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
٩٣
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
٩٤
-طه

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(84) قَالَ هُمْ أُولاَءِ عَلَى أَثَرِي } ما تقدّمتهم الا بخُطى يسيرة لا يعتدّ بها عَادة {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } فانّ المسارعة الى امتثال امرك والوفاء بعهدك توجب مرضاتك.
في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام قال المشتاق لا يشتهي طعاماً ولا يلتذ شراباً ولا يستطيب رقاداً ولا يأنس حميماً ولا يأوي داراً ولا يسكن عمراناً ولا يلبس لباساً ولا يقرّ قراراً ويعبد الله ليلاً ونهاراً راجياً بأن يصل الى ما يشتاق اليه ويناجيه بلسان شوقه معبّراً عمّا في سريرته كما اخبر الله عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقول {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} وفسّر النبيّ صلّى الله عليه وآله عن حاله انّه ما اكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئاً من ذلك في ذهابه ومجيئة اربعين يوماً شوقاً الى ربّه.
{(85) قَالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } باتّخاذ العجل والدّعاء الى عبادته.
{(86) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ } بعد ما استوفى الاربعين واخذ التوراة {غَضْبَانَ} عليهم {أَسِفاً } حزيناً بما فعلوه {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } بأن يعطيكم التّوراة فيها هُدىً ونور { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} اي الزّمان زمان مفارقته لهم {أَمْ أَرَدتُمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ } يجب عليكم {غَضَبٌ مِّن رَبِّكُمْ } بعبادة ما هو مثل في الغباوة {فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي } وعدكم ايّاي بالثبوت على الايمان بالله والهدى والقيام على ما امرتكم به.
{(87) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } بان ملكنا امرنا اي لو خلّينا وامرنا ولم يسوّل لنا السّامري لما اخلفنا وهو مثلّثاً مصدر ملكت الشيء وقرء بالفتح وبالضمّ {وَلكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } احمالاً من حليّ القبط الّتي استعرناها منهم والقاها البحر على السّاحل بعد اغراقهم وقرء حملنا بالفتح والتخفيف {فَقَذَفْنَاهَا } اي في النّار {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ } اي ما كان معه منها.
{(88) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً } من تلك الحليّ المذابة {لَهُ خُوارٌ } صوت العجل {فَقَالُوا } يعني السّامريّ ومن افتتن به اوّل ما رآه {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى فَنَسِيَ } قيل فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطّور او فنسى السّامريّ اي ترك ما كان عليه من اظهار الإِيمان.
{(89) أَفَلاَ يَرَوْنَ } او لا يعلمون {أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } انّه لا يرجع اليه كلاماً ولا يردّ عليهم جواباً {وَلاَ يَملِكُ لَهُمْ ضَرَّاً ولا نَفْعاً }
{(90) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ } من قبل رجوع موسى {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ } بالعجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ } لا غير {فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } في الثّبات على الدّين.
{(91) قَالُوا لَن نَبْرَحَ عَلَيْهِ } على العجل وعبادته {عَاكِفِينَ } مقيمين {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسَى}
القمّي فهمّوا بهارون فهرب منهم وبقوا في ذلك حتّى تمّ ميقات موسى اربعين ليلة فلمّا كان يوم عشرة من ذي الحجّة انزل الله عليه الالواح فيها التّوراة وما يحتاج اليه من احكام السير والقصص فأوحى الله الى موسى (ع) {إِنَّا قَدّ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريُّ} وعبدوا العجل وله خوار فقال يا ربّ العجل من السّامريّ فالخوار ممّن فقال منّي يا موسى انّي لمّا رأيتهم قد ولّوا عنّي الى العجل احببت ان ازيدهم فتنة فرجع موسى الى قومه كما حكى الله.
{(92) قَالَ يَا هَارُونُ } اي قال له موسى لمّا رجع { مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلّوا } بعبادة العجل.
{(93) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } أي في الغضب لله ومقاتلة من كفر به وتأتي عقبي وتلحقني ولا مزيدة كما في قوله ما منعك الا تسجد {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه.
القمّي ثم رمى بالالواح واخذ بلحية اخيه ورأسه يجرّ اليه فقال ما منعك.
{(94) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ } خصّ الامّ استعطافاً وترقيقاً { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } لو قاتلت بعضهم ببعض {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } حين قلت اخلفني في قومي واصلح فانّ الاصلاح كان في حفظ الدّماء والمداراة بينهم الى ان ترجع اليهم فتدارك الامر برأيك.
في العلل عن الصّادق (ع) انّه سئل لم اخذ برأسه يجرّه اليه وبلحيته ولم يكن له في اتخاذهم العجل وعبادتهم له ذنب فقال انّما فعل ذلك لأنّه لم يفارقهم لمّا فعلوا ذلك ولم يلحق بموسى وكان اذا فارقهم ينزل بهم العذاب الا ترى انّه قال لهرون وَما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلّوا ألا تَتَّبعنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْري قال هرون لو فعلت ذلك لتفرّقوا.