التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٤
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٥
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٦
تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ
٢٨
-آل عمران

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(24) ذَلِكَ} التولّي والاعراض {بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} بسبب تسهيلهم العقاب على أنفسهم {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من أن النار لن تمسّهم الا أياماً قلائل او ان آباءهم الأنبياء يشفعون لهم أو أنه تعالى وعد يعقوب ان لا يعذّب أولاده الا تحلّة القسم يعني قوله عز وجل لأملأن جهنّم من الجنّة والناس أجمعين وما أشير إليه بقوله سبحانه { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [مريم: 71]. {(25) فَكَيْفَ إذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} استعظام لما يحيق بهم في الآخرة وتكذيب لقولهم لن تمسّنا النار إلا أياماً روي ان أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفر راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الأشهاد ثم يأمرهم إلى النار {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} جزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
{(26) قُلِ اللَّهُمَّ} الميم فيه عوض من ياء ولذلك لا يجتمعان {مَالِكَ الْمُلْكِ} أي يملك جنس الملك يتصرّف فيه تصرّف الملاك فيما يملكونه {تُؤْتِي الْمُلْكَ} تعطي ما تشاء من الملك {مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ} تسترد ما تشاء منه {مِمّنْ تَشَاءُ} فالملك الأول عام والآخران خاصان بعضان من الكل {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} في الدنيا والدين {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ} تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك {إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
{(27) تُولِجُ الليَّلَ فِي النّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الليَّل} أن تنقص من الليل وتجعل ذلك النقصان زيادة في النهار وتنقص من النهار وتجعل ذلك النقصان زيادة في الليل {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} المؤمن من الكافر {وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} الكافر من المؤمن كذا في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام.
وفي المعاني: عن الصادق عليه السلام ان المؤمن إذا مات لم يكن ميتاً وان الميت هو الكافر ثم فسر الآية بما ذكر. {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} بلا تقتير ولا مخافة نقصان.
{(28) لاَ يَتَّخِذِ الْمؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِياءَ} نهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية أو نحوهما حتى لا يكون حبّهم وبغضهم الا في الله وقد كرّر ذلك في القرآن
{ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ } [المائدة: 51] { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [المجادلة: 22] الآية والحب في الله والبغض في الله أصل كبير من أصول الإيمان {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} المعنى أن لهم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا يؤثروهم عليهم {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ} أي ليس من ولاية الله في شيء يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً وهذا أمر معقول لأن مصادقة الصديق ومصادقة عدوّه منافيان كما قيل:

تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنني صديقك ان الرأي منك لعازب

{إِلاَّ أَنْ تَتّقُوْا مِنْهُمْ تُقَاةً} إلا أن تخافوا من جهتهم خوفاً أو أمراً يجب أن يخاف منه وقرئ تقيّة منع من موالاتهم ظاهراً أو باطناً في الأوقات كلها إلا وقت المخافة فان اظهار الموالاة حينئذ جائز بالمخالفة كما قيل كن وسطاً وامش جانباً.
في الاحتجاج عن أمير المؤمنون عليه السلام في حديث وامرك أن تستعمل التقية في دينك فان الله يقول لا يتخذ المؤمنون الآية قال وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك وان تترك التقيّة التي امرتك بها فانك شائط بدمك ودماء اخوانك معرض لزوال نعمك ونعمهم مذلّهم في أيدي أعداء دين الله وقد أمرك الله تعالى باعزازهم.
والعياشي عن الصادق عليه السلام قال كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول
"لا إيمان لمن لا تقيّة له" ويقول قال الله إلا أن تتّقوا منهم تقاة.
وفي الكافي عنه عليه السلام قال التقيّة ترس الله بينه وبين خلقه.
وعن الباقر عليه السلام قال التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم وقد أحل الله له والأخبار في ذلك مما لا تحصى.
{ { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } [آل عمران: 28] فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه وهذا تهديد عظيم ووعيد شديد.