التفاسير

< >
عرض

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً
٩٣
يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
٩٤
-النساء

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(93) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}.
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً أله توبة فقال ان كان قتله لإِيمانه فلا توبة لو أن كان قتله لغضب أو لسبب شيء من أشياء الدنيا فإن توبته أن يقاد منه وان لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية واعتق نسمة وصام شهرين متتابعين واطعم ستين مسكيناً توبة إلى الله عز وجل.
وعنه عليه السلام لا يزال المؤمن في فسحة من دينه مالم يصب دماً حراماً، وذال لا يوفق قاتل المؤمن متعمداً للتوبة.
وفيه وفي المعاني والعياشي عنه عليه السلام من قتل مؤمناً على دينه فذلك المتعمد الذي قال الله عز وجل في كتابه، وأعد له عذاباً عظيماً، قيل والرجل يقع بين الرجل وبينه شيء فيضربه بالسيف فيقتله قال ليس ذلك المتعمد الذي قال الله عز وجل فجزاؤه جهنم.
وفي المعاني في قوله تعالى فجزاؤه جهنم خالداً فيها قال ان جازاه.
{(94) يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} سافرتم للغزو {فَتَبَيّنُوا} فاطلبوا بيان الأمر وميزوا بين الكافر والمؤمن وقرئ فتثبتوا في الموضعين أي توقفوا وتأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل والمعنيان متقاربان يعني لا تعجلوا في القتل لمن أظهر اسلامه ظناً منكم بأنه لا حقيقة لذلك {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السّلاَمَ} لمن حياكم بتحية السلام وقرئ، السلم بغير ألف وهما بمعنى الإِستسلام والإِنقياد وفسر السلام بتحية الإِسلام أيضاً.
والعياشي نسب قراءة السلام إلى الصادق عليه السلام {لَسْتَ مُؤْمِناً} وانما فعلت ذلك خوفاً من القتل {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وهو الذي يبعثكم على العجلة وترك التثبت {فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} تغنيكم عن قتل أمثاله لماله {كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ} أول ما دخلتم في الإسلام وتفوهتم بكلمتي الشهادة فتحصنت بها دماؤكم وأموالكم من غير أن تعلم مواطاة قلوبكم السنتكم {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} بالإِشتهار بالإِيمان والاستقامة في الدين {فَتَبَيّنُوا} وفعلوا بالداخلين في الإِسلام كما فعل الله بكم ولا تبادروا إلى قتلهم ظناً بأنهم دخلوا فيه اتقاءً وخوفاً وتكريها تأكيد لتعظيم الأمر وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم {إنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} عالماً به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه.
القمّي نزلت
"لما رجع رسول الله من غزوة خيبر وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإِسلام وكان رجل من اليهود يقال له مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى فلما أحس بخيل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم جمع ماله وأهله وصار في ناحية الجبل فأقبل يقول أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فمر به أسامة بن زيد فطعنه فقتله فلما رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أخبره بذلك فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله فقال يا رسول الله انما قالها تعوذاً من القتل فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أفلا شققت الغطاء عن قلبه لا ما قال بلسانه قبلت ولا ما كان في نفسه علمت فحلف أسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحداً قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فتخلف عن أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه وأنزل الله في ذلك ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام الآية" .
أقول: في هذا الخبر ما يدل على نفاق أسامة وابتغائه عرض الحياة الدنيا وكفى في ذلك قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولا ما كان في نفسه علمت عذراً لأمير المؤمنين عليه السلام في حروبه فانه كان قد علم ذلك من الله ومن رسوله على أن طاعة الإِمام عليه السلام واجبة فلا عذر لأسامة في تخلفه عنه. وفي رواية العامة أن مرداساً أضاف إلى الكلمتين السلم عليكم وهي تؤيد قراءة السلام وتفسيره بتحية الإِسلام.