التفاسير

< >
عرض

إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٣٩
قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٤٠
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
١٤١
وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٤٢
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٤٣
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(139) إنَّ هَؤُلآءِ} اشارة الى القوم {مَتَبَّرٌ} مدمّر مكسّرٌ {مَّا هُمْ فِيهِ} إنّ الله يهدم دينهم الذي هم عليه على يدي ويحطم أصنامهم هذه ويجعلها رضاضاً {وَبَاطِلٌ} مضمحل {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من عبادتها لا ينتفعون بها وان قصدوا بها التقرب الى الله عزّ وجلّ.
{(140) قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أبغِيكُمْ إِلَهاً} أطلب بكم معبوداً {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} والحال أنّه خصّكم بنعم لم يعطها غيركم.
{(141) وَإذْ أَنْجَيْنَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ} واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت وقرء أنجيكم {يَسُومُونَكُمْ سِوَءَ الْعَذَابِ} يبغونكم ويكلفونكم شدة العذاب {يُقَتِّلُونَ أبْنَآءَكُمْ} وقرء بالتخفيف {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذالِكُم بَلآَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} في الإِنجاء نعمة عظيمة أو في العذاب محنة عظيمة.
{(142) ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} ذا القعدة وقرء ووعدنا {وَأتـْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} من ذي الحجة {فَتـَمَّ مِيْقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} قد سبق تفسيره في سورة البقرة مبسوطاً {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَرُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} كن خليفتي فيهم {وََأَصْلِحْ} ما يجب أن يصلح من أمورهم {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} ولا تطع من دعاك إلى الإِفساد ولا تسلك طريقه.
{(143) وَلمَّا جَآءَ مُوسَى لِميقَاتِنَا} لوقتنا الذي وقتناه له وحدّدناه {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير واسطة كما يكلم الملائكة {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} أرني نفسك واجعلني متمكنّاً من رؤيتك بأن تتجلّى لي فأنظر إليك وأراك {قَالَ لَن تَرَانِي} لن تطيق رؤيتي {وَلَكِنِ انظُرْ إلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} لما تجليت عليه {فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل} ظهر له عظمته وتصدى له اقتداره وأمره {جَعَلَهُ دّكّاً} مدكوكاً مفتّتاً والدك والدق متقاربان وقرء دكّاء أي أرضاً مستوية {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} مغشياً عليه من هول ما رأى {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ} تعظيماً لما رأى {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ} من الجرأة والإِقدام على مثل هذا السؤال {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} بأنّك لا ترى.
في المجمع عن الصادق عليه السلام أنا أوّل من آمن وصدق بأنّك لا ترى.
وفي العيون عن الرضا عليه السلام أنّه سئل كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى ابن عمران لا يعلم ان الله لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال فقال عليه السلام إن كليم الله علم أنّ الله منزه عن أن يرى بالأبصار ولكنه لما كلّمه الله وقربه نجيّاً رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه فقالوا لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته وكان القوم سبعمأة ألف فاختار منهم سبعين ألفاً ثم اختار منهم سبعة آلاف ثم اختار منهم سبعمأة ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى الى الطور وسأل الله أن يكلمه ويسمعهم كلامه فكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام لأنّ الله أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا لن نؤمن بأنّ هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرةً.
فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عليهم صاعقة يعني ناراً وقع من السماء فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا فقال موسى يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا إنّك ذهبت بهم فقتلتهم لأنّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة الله إيّاك فأحياهم وبعثهم معه فقالوا إنّك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك فتخبرنا كيف هو ونعرفه حقّ معرفته.
فقال موسى يا قوم إنّ الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له وانّما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى يا ربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم فأوحى الله اليه يا موسى سلني ما سألوك فلم أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى ربّ أَرِني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر الى الجبل فان استقرّ مكانه وهو يهوي فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل بآياته من آياته جعله دكّاً وخرّ موسى صَعِقاً فلمّا افاق قال سبحانك تبت إليك يقول رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي وأنا أوّل المؤمنين منهم بأنّك لا ترى.
وفي الإِكمال عن القائم عليه السلام في كلام فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنّبوة يعني موسى عليه السلام واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن لا اختيار الا لمن يعلم ما في الصدور وتكن الضمائر الحديث ويأتي تمامه في سورة القصص انشاء الله.
وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث وسأل موسى وجرى على لسانه من حمد الله عزّ وجلّ ربّ أرني انظر إليك فكانت مسألته تلك امراً عظيماً وسأل امراً جسيماً فعوتب فقال الله تعالى لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا فانظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فأبدى الله سبحانه بعض آياته وتجلّى ربّنا للجبل فتقطّع الجبل فصار رميماً وخرّ موسى صَعِقاً ثم أحياه الله وبعثه فقال سبحانك تبت إليك وأنَا أوّل المؤمنين يعني أوّل من آمن بك منهم انّه لن يراك.
والعياشي عن الصادق عليه السلام أنّ موسى بن عمران لمّا سأل موسى ربّه النّظر إليه وعده الله أن يقعد في موضع ثم أمر الملائكة أن تمرّ عليه موكباً موكباً بالبرق والرعد والريح والصواعق فكلما مرّ به موكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل أفيكم ربّي فيجاب هو آت وقد سألت عظيماً يا ابن عمران.
وعنه وعن الباقر عليهما السلام لما سأل موسى عليه السلام ربّه تعالى قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني قال فلما صعد موسى الجبل فتحت أبواب السماء وأقبلت الملائكة أفواجاً في أيديهم العُمُد وفي رأسها النور يمرون به فوجاً بعد فوج يقولون يا ابن عمران أثبت فقد سألت عظيماً قال فلم يزل موسى عليه السلام واقفاً حتى تجلّى ربّنا جلّ جلاله فجعل الجبل دكّاً وخرّ موسى صَعِقاً فلمّا أن ردّ الله إليه روحه وأفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين.
وفي رواية أنّ النار أحاطت بموسى عليه السلام لئلاّ يهرب لهول ما رأى وقال لمّا خرّ موسى صَعِقاً مات فلمّا أن ردّ الله روحه أفاق فقال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين.
والقمّي في قوله ولكن انظر الى الجَبَل قال فرفع الله الحجاب ونظر إلى الجَبَل فساخ الجبل في البحر فهو يهوي حتى الساعة ونزلت الملائكة وفتحت أبواب السماء فأوحى الله إلى الملائكة ادركوا موسى لا يهرب فنزلت الملائكة وأحاطت بموسى وقالوا اثبت يا ابن عمران فقد سألت الله عظيماً فلما نظر موسى إلى الجبل قد ساخ والملائكة قد نزلت وقع على وجهه من خشية الله وهول ما رأى فرد الله عليه روحه فرفع رأسه وأفاق وقال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين أي أوّل من صدّق أنّك لا ترى.
وفي البصائر عن الصادق عليه السلام أن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل جعلهم الله خَلْف العرش لو قسّم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ثمّ قال انّ موسى عليه السلام لمّا سأل ربّه ما سأل أمر واحداً مِنَ الكروبيين فتجلى للجَبَل وجَعَله دكّاً، قال في الجوامع وقيل في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بقوله أرني انظر إليك عرفني نفسك تعريفاً واضحاً جَليّاً باظهار بعض آيات الآخرة التي تضطر الخلق الى معرفتك انظر إليك أعرفك معرفة ضرورية كأنّي أنظر إليك كما جاء في الحديث سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر بمعنى ستعرفونه معرفة جليّة هو في الجلاء مثل أبصاركم القمر إذا امتلى واستوى بدراً قال لن تراني لن تطيق معرفتي عل هذه الطريقة ولن تحتمل قوّتك تلك الآية ولكن انظر إلى الجبل فانّي أورد عليه آية من تلك الآيات فان ثبت لتجلّيها واستقر مكانه فسوف تثبت بها وتطيقها فلما تجلى ربّه فلما ظهرت للجَبَل آية من آيات ربّه جعله دكّاً وخرّ موسى صَعِقاً لعظم ما رأى فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك مما اقترحت وأنا أوّل المؤمنين بعظمتك وجلالك.
أقول: تحقيق القول في رؤية الله سبحانه ما أفاده مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإِيمان لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس موصوف بالآيات معروف بالعلامات وقال عليه السلام لم اعد ربّاً لم أره.
وفي التوحد عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن الله عزّ وجلّ هل يراهُ المؤمنين يوم القيامة قال نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة فقيل متى قال حين قال لهم
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172] ثم سكت ساعة ثم قال وانّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ألست تراه في وقتك هذا قيل فأحدّث بها عنك فقال لا فانّك إذا حدّثت به فانكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر انّ ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى الله عمّا يصفه المشبهون والملحِدُونَ.