التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٢
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
١٨٣
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
١٨٤
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
١٨٥
مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٨٦
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٧
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(182) وَالَّذينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنْسَتَدْرِجُهُم} سنستدينهم قليلاً قليلاً إلى الهلاك حتى يقعوا فيه بغتةً وأصل الإِستدراج الاستصعاد والإِستنزال درجةً بعد درجةٍ {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} ما يراد بهم وذلك أن تتواتر عليهم النعم فيظنّوا انه لطف من الله بهم فيزدادوا بطراً وانهماكاً في الغيّ حتى يحق عليهم كلمة العذاب.
القمّي قال: تجديد النعم عند المعاصي.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن هذه الآية فقال هو العبد يذنب الذنب فتجدد له النعمة تلهيه تلك النعمة عن الإِستغفار من ذلك الذنب.
وعنه عليه السلام إذا أراد الله بعبد خيراً فأذنب ذنباً اتبعه بنقمة ويذكره الإِستغفار واذا أراد بعبد شرّاً فأذنب ذنباً فاتبعه بنعمة لينسيه إلإِستغفار ويتمادى بها وهو قول الله عزّ وجلّ {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} بالنعم عند المعاصي.
{(183) وَأُمْلِي لَهُمْ} وامهلهم {إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} لا يدفع بشيء إنما سماه كيداً لأنّ ظاهره احسان وباطنه خذلان.
{(184) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم} يعني محمد صلّى الله عليه وآله وسلم {مِّن جِنَّةٍ} أي جنون روي أنه علا الصفا فدعاهم فخذاً يحذرهم بأسَ الله فقال قائلهم انّ صاحبكم لمجنون بات يهوت إلى الصباح فنزلت {إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} موضح انذاره بحيث لا يخفى على ناظر.
{(185) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ} نظر اعتبار {فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} في باطنها وأرواحها {وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ} مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس خلقه التي لا يمكن حصرها لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه {وَأَنْ عَسَى} وانه عسى {أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} يعني في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة الموت ونزول العذاب {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} بعد القرآن {يُؤْمِنُونَ} إذا لم يؤمنوا به والمعنى ولعلّ أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإِيمان بالقرآن وماذا ينتظرون بعد وضوحه فان لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.
{(186) مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
القمّي قال كان يكله إلى نفسه وقرء يذرهم بالياء وبه وبالجزم كأنّه قيل لا يهْدِه أحد غيره ويذرهم.
{(187) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} أي القيامة وهي من الأسماء الغالبة {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} متى ارساؤها أي اثباتها واستقرارها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} استأثر به لم يطلع عليه ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ} لا يظهرها في وقتها {إلاَّ هُوَ} يعني ان الخفاء بها مستمر على غيره الى وقت وقوعها واللام للتوقيت {ثَقُلَتْ فِي السَّمَواتِ والأَرْضِ} عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهو لها وشدّتها {لاَ تَأْتِيكُمْ إلاَّ بَغتَةً} فجأة على غفلة.
في الجوامع
"عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنّ الساعة تهيج بالناس والرّجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" {يَسْألُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} قيل أي عالم بها وأصله كأنّك حفيت بالسؤال حتى علمتها أي استقصيت والحفت {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ} لم يؤته أحداً من خلقه لأنّه من علم الغيب الذي استأثر الله به {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} انه المختص بالعلم بها.
القمّي إنَّ قريشاً بعثت العاص بن وائل السهمي والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط إلى نجران ليتعلّموا من علماء اليهود مسائل يسألونها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وكان فيها سألوا محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلم متى تقوم الساعة فان ادّعى علم ذلك فهو كاذب فانّ قيام الساعة لم يطّلع الله عليه ملكاً مقرّباً لا نبيّاً مرسلاً فلمّا سألوه نزلت.