التفاسير

< >
عرض

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
١٦
ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
١٧
قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
١٨
ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(16) قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي فبسبب إغوائك ايّاي وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة فانّه لما أمره الله بالسجود حملته الأنفة على معصيته {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} لأجتهدنّ في اغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم بأن اترصد لهم على طريق الإِسلام كما يترصد القطاع على الطريق ليقطعه على المارة.
العياشي عن الصادق عليه السلام الصراط هنا علي عليه السلام.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام يا زرارة انما عمد لك ولأصحابك فامّا الآخرون فقد فرغ منهم وفي رواية العياشي عنه عليه السلام انما صمد.
{(17) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من الجهاتِ الأربع جمع.
في المجمع عن الباقر عليه السلام ثم لآتينّهم من بين أيديهم معناه أهوّن عليهم أمر الآخرة ومن خلفهم أمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم وعن ايمانهم افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة وعن شمائلهم بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم والقمّي ما يقرب منه ببيان أبسط {وَلاَ تَجدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} مطيعين قاله تظنّناً لقوله سبحانه ولقد صدق عليهم إبليس ظنّه.
{(18) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً} مذموماً من ذامه اذا ذمه {مَّدْحُوراً} مطروداً {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} اللاّم فيه لتوطئة القسم وجوابه {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} أي منك ومنهم فغلّب المخاطب.
القمّي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى اخرج منها فانّك رجيم وان عليك لعنتي الى يوم الدين فقال إبليس يا ربّ فكيف وانت العدل الذي لا يجور فثواب عملي بطل قال لا ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثواباُ لعملك أعطك فأوّل من سئل البقاء الى يوم الدين فقال الله قد أعطيتك قال سلطني على ولد آدم قال سلطتك قال أجرني فيهم مجرى الدم في العروق قال قد أجريتك قال لا يولد لهم ولد الا ولد لي اثنان وأراهم ولا يروني واتصور لهم في كل صورة شئت فقال قد أعطيتك قال يا رب زدني قال قد جعلت لك ولذريتك في صدورهم أوطاناً قال يا رب حسبي قال إبليس عند ذلك فبعزّتك لأغوينّهم الى قوله شاكرين قال له جعلت فداك بماذا استوجب إبليس من الله ان أعطاه ما أعطاه فقال لشيء كان منه شكره الله عليه قيل وما كان منه جعلت فداك قال ركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة.
{(19) وَيَا آدَمُ} وقلنا يا آدم {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} قد مضى تفسيرها في سورة البقرة.
{(20) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} الفرق بين وسوس إليه ووسوس له انّ الاول بمعنى الأصل الصوت الخفي {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} ليظهر لهما {مَا وُرِيَ} غطى {عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} عوراتهما قيل وكان لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلآَّ أَنْ تَكُونَا} كراهة أن تكونا {مَلَكَيْنَ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}.
{(21) وَقَاسَمَهُمَآ} اقسم لهما {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}.
{(22) فَدَلاَّهُمَا} فدلهما إلى الأكل من الشجَرة نبّه به على أنّه اهبطهما بذلك من درجة عالية الى رتبة سافلة فانّ التدلية والإِدلاء ارسال الشيء من أعلى إلى أسفل {بِغُرُورٍ} بما غرهما به من القسم فانّهما ظنا أنّ أحداً لا يحلف بالله كاذباً {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} فلمّا وجدا طعمها آخذين في الأكل منها اخذتهما العقوبة فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما.
القميّ والعياشي عن الصادق عليه السلام كانت سوآتهما لا تبدو لهما فبدت يعني كانت داخلة {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} وأخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة {عَلَيْهِما مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} يغطيان سواتهما به.
القمي عن الصادق عليه السلام لما أسكنه الله الجنّة وأباحها له الا الشجرة لأنّه خلق الله خلقة لا تبقى الا بالأمر والنهي والغذاء واللباس والأكنان والتناكح ولا يدرك ما ينفعه مما يضره الا بالتوقيف فجائه إبليس فقال له انّكما إن اكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبداً وان لم تأكلا منها أخرجكما من الجنة وحلف لهما أنه لهما ناصح فقبل آدم عليه السلام قوله فأكلا من الشجرة وكان الأمر كما حكى الله بدت لهما سواتهما وسقط عنهما ما البسهمّا الله من لباس الجنة واقبلا يستران من ورق الجنّة {وَنَاداهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} عتاب على مخالفة النهي وتوبيخ على الإِغترار بقول العدّو.