التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ
١١
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
١٢
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٣
ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٤
-الأنفال

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(9) إِذْ تَسْتَغِيثونَ رَبَّكُمْ} لمّا علمتم أن لا محيص عن القتال مع قلّتكم وكثرة عدوّكم بدل من إذ يعدكم.
في المجمع عن الباقر عليه السلام
"أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وآله وسلم لمّا نظر الى كثرة عدد المشركين وقلّة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال اللهم انجز لي ما وعدتني اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال يهتف ربه مادّاً يديه حتّى سقط رداؤه عن منكبه فأنزل الله إذ تستغيثون الآية" {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضاً من أردفته أنا إذا جئت بعده وقرئ بفتح الدّال وهو من أردفته إيّاه.
{(10) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ} أي الإِمداد {إلاَّ بُشْرَى} بشارة لكم بالنصر {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} ليزول ما بها من الوَجَل لقلّتكم وذلّتِكم {وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وامداد الملائكة وكثرة العدد وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النّصَر منها ولا تيأسوا منه بفقدها.
{(11) إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعُاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} أمناً من الله بدل ثان من إذ يعدكم لإِظهار نعمة ثالثة والمعنى إذ تنعسون لأمنكم الحاصِل من الله بازالة الرّعب عن قلوبكم {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} من الحَدَث والخبث.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام اشربوا ماء السَّماءِ فإنّه يطهّر البدن ويدفع الأسقام ثم تلا هذه الآية.
ومثله في الخصال والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} يعني الجنابة وذلك لأنّه احتلم بعضهم وغلب المشركون على الماءِ ويحتمل أن يكون المراد برجز الشيطان وسوسته وتخويفه إيّاهم من العطش إذ روي أنّهم نزلوا في كثيب اعقر تسوخ فيه الأقدام على غير ماءٍ وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركون على الماءِ فوسوس إليهم الشيطان وقال كيف تنصرون وقد غلبتم على الماءِ وأنتم تصلّون محدثين مجنبين وتزعمون أنّكم أولياء الله وفيكم رسوله فاشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذوا الحياض على عدوته وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضئوا وتلبّدوا الرمل الذي بينهم وبين العدوّ وحتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكِمْ} بالوثوق على لطف الله تعالى بكم {وَيُثَبِّتَ بِهِ} بالمطر {الأَقْدَامَ} حتى لا تسوخ في الرمل أو بالرّبطِ على القلوب حتى تثبت في المعركة.
{(12) إذْ يُوحِى رَبُّكَ} بدل ثالث لإِظهار نعمة رابعة {إلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} في اعانتهم وتثبيتهم {فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بالبشارة لهم وبتكثير سوادهم ومحاربة أعادائهم {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ} أعاليها التي هي المذبح والرّؤوس {وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أصابع أي جزّوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
{(13) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ} بسبب مشاقّتهم لهما وكونهم في شقّ خلاف شقهما {وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ اللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
{(14) ذَلِكُمْ} الخطاب فيه مَعَ الكفار على طريقة الإِلتفات {فَذُقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} والمعنى ذوقوا ما عجّل لكم من القتل والأسر مع ما أجّل لكم في الآخرة من عذاب النار.
القميّ وكان سبب ذلك أنّ عير قريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم فأمر النّبيّ صلىّ الله عليه وآله وسلم أصحابه بالخروج ليأخذوها فأخبرهم أن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين إمّا العير أو القريش إن ظفر بهم فخرج في ثلثمأة وثلاثة عشر رجلاً فلما قارب بَدْراً وكان أبو سفيان لعنه الله في العير فلما بلغه أن رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم قد خرج يتعرض العير خاف خوفاً شديداً ومضى إلى الشام فلما وافى النقرة اكترى ضمضم بن عمرو الخزاعي بعشرة دنانير وأعطاه قلوصاً وقال له امض إلى قريش وأخبرهم أنّ محمّداً صلىّ الله عليه وآله وسلم والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم فأدركوا العير وأوصاه أن يحزم ناقته ويقطع أذنها حتى يسيل الدّم ويشقّ ثوبه من قبل ودبر فإذا دخل مكة وليّ وجهه إلى ذنب العير وصاح بأعلى صوته قال يا آل غالِب يا آل غالِب اللطيمة اللطيمة العير العير أدركوا أدركوا وما أريكم تدركون فإنَّ محمّدا صلّى الله عليه وآله وسلم والصباة من أهلِ يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم.
فخرج ضمضم يبادر إلى مكّة ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيّام كأنّ راكباً قد دخل مكة ينادي يا آل غدر يا آل غدر اغدوا إلى مصارعكم صبح ثالثة ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجراً فدهدهه من الجبل فما ترك داراً من دور قريش الا أصابه منه فلذة وكأنّ وادي مكّة قد سال من أسفله دماً.
فانتبهت ذَعِرَةً فأخبرت العباس بذلك فأخبر العباس عتبة بن ربيعة فقال عتبة هذه مصيبة تحدث في قريش وفشت الرّؤيا في قريش وبلغ ذلك أبا جهل فقال ما رأت عاتكة هذه الرّؤيا وهذه تبنية ثانية في بني عبد المطلبْ واللاّت والعزّى لننتظرنّ ثلاثة أيام فان كان ما رأت حقّاً فهو كما رأت وان كان غير ذلكَ لنكتبنّ بيننا كتاباً انه ما من أهل بيت من العَربَ أكذب رجالاً ولا نساءً من بني هاشم فلما مضى يوم قال أبو جهل هذا يوم قد مضى فلما كان اليوم الثاني قال أبو جهل هذان يومان قد مَضَيا فلما كان اليوم الثالث وافى ضمضم ينادي في الوادي يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة العير العير أدركوا أدركوا وما أريكم تدركون فإنَّ محمّداً صلىَّ الله عليه وآله وسلم والصّباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم التي فيها خزائنكم.
فتصايح الناس بمكّة وتهيّؤا للخروج وقام سهل بن عمرو وصفوان بن أميّة وأبو البختري بن هشام ومنبّه ونبيه ابنا الحجّاج ونوفل بن خويلد فقالوا يا معشر قريش والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه أن يطمع محمّد والصّباة من أهل يثرب أن يتعرّضوا لعيركم التي فيها خزائنكم فوالله ما قرشيّ ولا قرشيّة إلاَّ ولهما في هذه العير نَشّ فصاعداً وانّه للذّلّ والصغار أن يطمع محمد صلىَّ الله عليه وآله وسلم في أموالكم ويفرِّق بينكم وبين متجركم فاخرجوا.
وأخرج صفوان بن أميّة خمسمأة دينار وجهّز بها وأخرج سهيل بن عمرو وما بقي أحد من عظماءِ قريش إلاّ أخرجوا مالاً وحمّلوا وقوّوا وخرجوا عَلى الصعب والذّلول لا يملكون أنفسهم كما قال تعالى
{ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ } [الأنفال: 47] وخرج معهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحرث وعقيل بن أبي طالب وأخرجوا معهم القِيان يشربون الخمر ويضربون بالدّفوف.
وخرج رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم في ثلمثمأة وثلاثة عشر رجلاً فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث بشير بن أبي الرّغباء ومحمد بن عمرو يتجسّسان خبر العير فأتيا ماء بدر فأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماءِ وسمعا جاريتين قد تشبّثت إحديهما بالأخرى وتطالبها بدرهم كان لها عليها فقالت عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وهي تنزل غداً هاهنا واعمل لهم وأقضيكِ فرجعا فأخبراه بما سمعا فأقبل أبو سفيان بالعير فلما شارف بدراً تقدّم العير وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماءِ بدر وكان بها رجل من جهينة يقال له كِسب الجهني فقال له يا كِسب هل لك علم بمحمّد صلىّ الله عليه وآله وسلم وأصحابه قال لا قال واللاّت والعزّى لئن كتمتنا أمر محمّد صلىّ الله عليه وآله وسلم لا يزال قريش لك معادية آخر الدّهر فانّه ليس أحد من قريش إلاّ وله في هذا العير نَشّ فصاعداً فلا تكتمني.
فقال والله مالي علم بمحمّد وأصحابه بالتخبار الاّ أنّي رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا فاستعذبا من الماءِ وأناخا راحلتيهما ورَجَعا فلا أدري من هما فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففتّ أبعار الإِبل بيده فوجد فيها النّوى فقال هذه علايف يثرب هؤلاءِ والله عيون محمّد فرجع مسرعاً وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومرّوا مسرعين.
ونزل جبرئيل على رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم فأخبره أنّ العير قد افلتت وأنّ قريشاً قد أقبلت لتمنع عن عيرها وأمره بالقتال ووعده النّصرة وكان نازلاً ماء الصّفراءِ فأحبّ أن يبلو الأنصار لأنّهم إنّما وعدوه لأن ينصروه وكان في الدّار فأخبرهم أنّ العير قد جازت وأن قريشاً قد أقبلت لتمنع عن عيرها وأنّ الله قد أمرني بمحاربتهم.
فجزع أصحاب رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم من ذلك وخافوا خوفاً شديداً فقال رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم: أشيروا عليَّ فقام أبو بكر فقال يا رسول الله إنّها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت ولا ذلّت منذ عزّت ولم نخرج على هيئة الحرب.
فقال رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم اجلس فجلس فقال: أشيروا عليَّ فقام عمر فقال مثل مقالة أبي بكر فقال اجلس.
ثم قام المقداد فقال يا رسول الله إنّها قريش وخيلاؤها وقد آمنّا بك وصدَّقناك وشهدنا أنَّ ما جئت به حق من عند الله ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضنا معك ولا نقول لك ما قالت بَنو إسرائيل لموسى إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هيهنا قاعدون ولكنّا نقول إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون فجزاه النّبيّ خيراً ثم جلس.
ثم قال أشيروا عليَّ فقام سعد بن معاذ فقال بأبي أنت وأمّي يا رسول الله كأنّك أردتنا قال: نعم قال: فلعلّك خرجت على أمر قد أمرت بغيره قال: نعم
قالَ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنّنا قد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله فمرنا بما شئت وخذ من أموالنا ما شئت واترك منها ما شئت والّذي أخذت منه أحبّ إليّ من الذي تركت والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا مَعَك ثم قال بأبي أنت وأمّي يا رسول الله والله ما خضت هذا الطريق قطّ ومالي به علم وقد خلَّفنا بالمدينة قوما ليس نحن بأشدّ جهاداً لك منهم ولو علموا أنّه الحرب لما تخلّفوا ولكن نعدّ لك الرّواحل ونلقى عدّونا فانّا صُبَّرٌ عند اللقاء أنجاد في الحرب وانّا لنرجوا أن يقر الله عينيك بنا فإن يك ما تحبّ فهو ذاك وإن يك غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا.
فقال رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم ويحدث الله غير ذلك كأني بمصرع فلان هيهنا وبمصرع فلان هيهنا وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبّه ونبيه ابني الحجّاج فإنَّ الله قد وعدني إحدى الطّائفتين ولن يخلف الله الميعاد.
فنزل جبرئيل على رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم بهذه الآية
{ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ } [الأنفال: 5] إلى قوله {ولو كره المجرمون} فأمر رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم بالرّحيل حتى نزل عشاء على ماءِ بدر وهي العدوة الشّامية وأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانّية وبعثت عبيدها تستعذب من الماءِ فأخذهم أصحاب رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم وحبسوهم فقالوا لهم: من أنتم قالوا: نحن عبيد قريش قالوا فأين العير قالوا لا عِلمَ لنا بالعير فأقبلوا يضربونهم وكان رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم يصلِّي فانفتل من صلاته فقال إن صدّقوكم ضربتموهم وإن كذّبوكم تركتموهم عليَّ بهم فأتوا بهم.
فقال لهم: من أنتم؟ قالوا يا محمّد نحن عبيد قريش قال: كم القوم قالوا لا علم لنا بعددهم قال كم ينحرون في كلّ يوم جزوراً قالوا تسعة إلى عشرة.
فقال رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلم القوم تسعمأة إلى ألف قال: فمن فيهم من بني هاشم قالوا العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب فأمر رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم بهم فحبسُوا.
وبلغ قريشاً ذلك فخافوا خوفاً شديداً ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختريّ بن هشام فقال له أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغياً وعدواناً والله ما أفلح قوم قطّ بغوا ولوددت أنّ ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله ولم نسر هذا المسير.
فقال له أبو البختري إنّك سيّد من سادات قريش فسر في الناس وتحمّل العير التي أصابها محمّد صلىّ الله عليه وآله وسلم بنخلة وَدَم ابن الحضرمي فانّه حليفك فقال عتبة أنت تشير عليّ بذلك وما على أحد منّا خلاف إلاّ ابن الحنظلية يعني أبا جهل فسر إليه وأعلمه أنّي قد تحمّلت العير الّتي أصابها محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلم بنخلة وَدَم ابن الحضرميّ.
فقال أبو البختريّ فقصدت خبأه واذا هو قد أخرج درعاً فقلت له إنّ أبا الوليد بعثني إليك برسالة فغضب ثم قال أما وجد عتبة رسولاً غيرك فقلت أما والله لو غيره أرسلني ما جئت ولكن أبا الوليد سيّد العشيرة فغضب غضبة أخرى فقال تقول سيّد العشيرة فقلت أنا أقوله وقريش كلّها تقول أنه قد تحمّل العير وَدَم ابن الحضرميّ.
فقال إن عتبة أطول النّاس لساناً وأبلغهم في الكلام ويتعصّب لمحمّد صلَّى الله عليه وآله وسلم فانّه من بني عبد مناف وابنه معه ويريد أن لا يخذله بين الناس لا واللاّت والعزّى حتى نقحم عليهم بيثرب ونأخذهم أسارى فندخلهم مكة فتسامع العرب بذلك ولا يكون بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه.
وبلغ أصحاب رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم كثرة قريش ففزعوا فزعاً شديداً وشكوا وبكوا واستغاثوا فأنزل الله على رسوله صلىَّ الله عليه وآله وسلم {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم إنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلاّ بُشرى ولتطمئنّ به قلوبكم ومَا النّصر إلاّ من عند الله إنّ الله عزيز حكيم} فلمّا أمسى رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم وجنّه اللّيل القى الله تعالى على أصحابه النّعاس حتى ناموا وأنزل الله تعالى عليهم السماءَ.
وكان نزول رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم في موضع لا يثبت فيه القدم فأنزل الله عليهم السّماءَ ولبد الأرض حتى تثبت أقدامهم وهو قول الله تعالى {إذ يغشّيكم النعاس أَمَنَةً وينزّل عليكم من السّماءِ ماءً ليطهّركم به ويذهب عنكم رجز الشّيطان} وذلك أنّ بعض أصحاب النبي صلىَّ الله عليه وآله وسلم احتلم وليربط على قلوبكم ويثبّت به الأقدام وكان المطر على قريش مثل العزالى وكان على أصحاب رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم رَذاذاً بقدر ما يلبد به الأرض وخافت قريش خوفاً شديداً فأقبلوا يتحارسونَ يخافون البيات فبعث رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم عمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فقال ادخلا في القوم وَأْتونا بأخبارهم فكانا يجولان بعسكرهم لا يرون إلاّ خائفاً ذعراً إذا صهل الفرس وثب على جحفلته فسمعوا منبّه بن الحجّاج يقول:

لا يترك الجوع لنا مبيتنا لا بدّ أن نموت أو يميتنا

قال قد والله كانوا شباعاً ولكنهم من الخوف قالوا هذا والقى الله في قلوبهم الرّعب كما قال الله تعالى {سألقي في قلوب الذين كفَروا الرّعب} فلما أصبح رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم عبّا أصحابه وكان في عسكر رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم فرسان فرس للزّبير بن العوام وفرس لمقداد وكان في عسكره سبعون جملاً يتعاقبون عليها
وكان رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم وعليّ بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد الغنويّ على جمل يتعاقبون عليه والجمل لمرثد وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس فعبّأ رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم أصحابه بين يديه فقال غضّو أبصاركم ولا تبدؤهم بالقتال ولا يتكلّمن أحد فلمّا نظرت قريش إلى قلّة أصحاب رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم.
قال أبو جهل ما هم إلاّ أكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذاً باليد.
فقال عتية بن ربيعة أترى لهم كميناً ومدداً فبعثوا عمرو بن وهب الجُمَحي وكان فارساً شجاعاً فجال بفرسه حتّى طاف على عسكر رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم ثم صعد في الوادي وصوّت ثم رجع إلى قريش فقال ما لهم كمين ولا مدد ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع أما ترونهم خرساً لا يتكلّمون يتلمّظون تلمّظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلاّ سيوفهم وما أريهم يولّون حتّى يقتلوا ولا يُقْتَلُونَ حتى تقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم فقال أبو جهل كذبت وجبنت وانتفخ سحْرُك يعني نظرت إلى سيوف أهل يثرب.
وفزع أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم حين نظروا إلى كثرة قريش وقوّتهم فأنزل الله تعالى على رسوله
{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } [الأنفال: 61] وقد علم الله أنهّم لا يجنحُون ولا يجيبون إلى السّلم وانّما أراد الله تعالى بذلك لتطيب قلوب أصحاب النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فبعث رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم إلى قريش فقال:
يا معشر قريش ما أجد من العرب أبغض إليّ من أبدأكم فخلّوني والعرب فان أكُ صادقاً فأنتم أعلا بي عيناً وإن أكُ كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمري فارجعوا
فقال عتبة والله ما أفلح قوم قط ردّوا هذا ثمّ ركب جملاً له أحمر فنظر إليه رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم يجول في العسكر وينهى عن القتال فقال إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن تطيعوه ترشدوا فأقبل عتبة يقول يا معشر قريش اجتمعوا واسمعوا ثم خطبهم فقال:
يُمْن مع رحْب ورُحْب مع يمن يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدّهر وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور وعانقوا الحور فإنَّ محمّداً صلىَّ الله عليه وآله وسلم إلّ وذمّة وهو ابن عمّكم فارجعوا ولا تردّوا رأيي وإنّما تطالبون محمّداً بالعير التي أخذها محمّد بنخله وَدَم ابن الحضرمي وهو حليفي وعليّ عقله.
فلّما سمع أبو جهل ذلك غاظه وقال إنّ عتبة أطول الناس لساناً وأبلغهم في الكلام ولئن رجعت قريش بقوله ليكوننّ سيّد قريش إلى آخر الدّهر ثم قال يا عتبة نظرت إلي سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سَحْرُك وتـأمر الناس بالرجوع وقد رأينا آثارنا بأعيينا فنزل عتبة عن جمله وحمل على أبي جهل وكان على فرس فأخذ بشعره فقال الناس يقتله فعرقب فرسه فقال أمثلي يجبن وسيعلم قريش اليوم أيّنا الألئم والأجبن وأيّنا المفسد لقومه لا يمشي الاّ أنا وأنت بالموت عياناً ثم قال هذا جَناي وخياره فيه وكل جان يده إلى فيه أخذ بشعره يجره فاجتمع إليه الناس فقالوا:
يا أبا الوليد الله الله لا تَفُتَّ في أعضاد الناس تنهى عن شيء تكون أوّله فخلّصوا أبا جهل من يده.
فنظر عتبة إلى أخيه شيبة ونظر إلى ابنه الوليد فقال قم يا بنيّ فقام ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه فلم يجدوها لعظم هامته فاعتمّ بعمامتين ثم أخذ سيفه وتقدم هو وأخوه وابنه ونادى يا محمّد أخرج إلينا أكفّاءنا من قريش فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار عوذ ومعوذ وعون بني عفراء فقال عتبة من أنتم انتسبوا لنعرفكم فقالوا نحن بنو عفراء أنصار الله وأنصار رسول الله فقال ارجعوا فإنّا لسنا إيّاكم نريد إنّما نريد الأكفّاء من قريش فبعث إليهم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ان ارجعوا فرجعوا و كره أن يكون أوّل الكرّة بالأنصار فرجعوا وواقفوا موقفهم.
ثم نظر رسول الله صلىَّ الله عليه وآله وسلم إلى عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة فقال له قم يا عبيدة فقام بين يديه بالسّيف ثم نظر إلى حمزة بن عبد المطلب فقال له قم يا عمّ ثم نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له قم يا عليّ وكان أصغر القوم سنّاً فقاموا بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم بسيوفهم فاطلبوا بحقّكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفي نور الله ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره.
ثم قال رسول الله يا عبيدة عليك بِعُتْبَة وقال لحمزة عليك بشيبة وقال لعليّ عليك بالوليد بن عتبة فمرّوا حتى انتهوا إلى القوم فقال عتبة من أنتم انتسبوا لنعرفكم فقال أنا عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب فقال كفو كريم فقال: فمن هذان فقال حمزة ابن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب فقال كفوان كريمان لعن الله من أوقفنا وإيّاكم هذا الموقف فقال شيبة لحمزة من أنت فقال أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله فقال له شيبة لقد لقّبت أسد الحلفاء فانظر كيف يكون صولتك يا أسد الله.
فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته وضرب عتبة عبيدة على ساقه وقطعها وسقطا جميعاً وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسّيفين حتى انثلما وكلّ واحد منهما يتّقي بدَرقته وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد بن عتبة فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه فقال عليّ عليه السلام فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أنَّ السماء وقعت على الأرض.
ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون يا عليّ أما ترى الكلب قد نهر عمّك فحمل إليه عليّ عليه السلام ثم قال: يا عمّ طأطىء رأسك وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره فضر به أمير المؤمنين عليه السلام على رأسه فطيّر نصفة ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه وحُمِل عبيدة بين حمزة وعليّ حتّى أتوا به رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فنظر إليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فاستعبر فقال:
يا رسول الله بأبي أنت وأمي ألست شهيداً؟ قال: بلى أنت أول شهيد مِن أهل بيتي فقال أما لو أنَّ عمّك حيّ لعلم أنِّي أولى بما قال منه قال صلَّى الله عليه وآله وسلم وأيِّ أعمامي تعني قال أبو طالب حيث يقول:

كذبتم وبيت الله نبري محمّداًولمّا نطاعن دونه ونناضل
ونُسْلمه حتى نُضَّرَع حَولهونذهل عن أبنائنا والحلائل

فقال رسول الله أما ترى ابنه كاللّيث العادي بين يدي الله ورسوله وابنه الآخر في جهاد أعداءِ اللهِ بأرض الحبشة فقال يا رسول الله أسخطت عليّ في هذه الحالة؟ فقال: ما سخطت عليك ولكن ذكرت عمّي فانقبضت لذلك.
وقال أبو جهل لقريش لا تعجّلوا ولا تبطروا كما عجّل وبطر ابنا ربيعة عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزراً وعليكم بقريش فخذوهم أخذاً حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها وكان فئة من قريش أسلموا بمكة فأحبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش إلى بدر وهم على الشّكّ والإِرتياب والنفاق منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكهة والحرث بن ربيعة وعليّ بن أميّة بن خلف والعاص بن المنبّه فلما نظروا إلى قلة أصحاب محمّد صلىَّ الله عليه وآله وسلم قالوا مساكين هؤلاءِ غرهم دينهم فيقتلون الساعة فأنزل الله على رسوله
{ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [الأنفال: 49] وجاء إبليس عليه اللّعنة إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: أنا جار لكم ادفعوا إليّ رايتكم فدفعوها إليه وجاء بشياطينه يهوّل بهم على أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ويخيّل إليهم ويفزعهم وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الرَّاية فنظر إليه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: غضّوا أبصاركم وعضّوا على النواجد ولا تسلّوا سيفاً حتّى آذن لكم ثم رفع يده إلى السّماءِ فقال: يا ربّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد وإنْ شئت لا تعبد لا تعبد ثم أصابه الغشي فسرى عنه وهو يسلت العرق عن وجهه وهو يقول هذا جبرئيل قد آتاكم في ألف من الملائكة مردفين.
قال فنظرنا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لا يح قد وقعت على عسكر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وقائل يقول إقدم حيزوم قدم حيزوم وسمعنا قعقعة السّلاح من الجوّ ونظر إبليس إلى جبرئيل فراجع ورمى باللواءِ فأخذ منبّه بن الحجاج بمجامع ثوبه ثم قال: ويلك يا سراقة تفتّ في أعضاد الناس فركله إبليس ركلة في صدره وقال: إنِّي بريء منكم إنِّي أرى ما لا ترون إنّي أخاف الله وهو قول الله
{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } [الأنفال: 48] وقال: { لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } [الأنفال: 48] ثم قال عزّ وجلّ: { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } [الأنفال: 50].
وحمل جبرئيل على إبليس فطلبه حتى غاص في البحر وقال ربِّ أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم الدّين.
وروي في خبر إنَّ إبليس التفت إلى جبرئيل وهو في الهزيمة فقال: يا هذا بد لكم فيما أعطيتمونا فقيل لأبي عبد الله عليه السلام أترى كان يخاف أن يقتله فقال: لا ولكنه كان يضربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة وأنزل الله على نبيّه {إذ يوحى ربّك إلى الملائكة إنِّي معكم فثبِّتوا الذين آمنُوا سألقي في قلوب الذين كفرُوا الرّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان} قال أطراف الأصابع فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفىء نور الله ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره.
وخرج أبو جهل بين الصّفيّن فقال: اللّهم إنَّ محمّداً أقْطَعَنَا الرّحم وأتانا بما لا نعرفه فأهنه الغداة فأنزل الله على رسوله
{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأنفال: 19] ثم أخذ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم كفّاً من حصًى فرمى به في وجوه قريش وقال شاهت الوجُوه فبعث الله رياحاً تضرب وجوه قريش فكانت الهزيمة.
ثمّ قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم اللّهم لا يغلبنّك فرعون هذه الأمّة أبو جهل بن هشام فقتل منهم سبعين وأسر منهم سبعين والتقى عمرو بن الجموح مع أبي جهل فضرب عمرو أبا جهل على فخذه وضرب أبو جهل عمراً على يده فأبانها من العضد فتعلقت بجلده فاتكى عمرو على يده برجله ثم تراخى في الساءِ حتى انقطت الجلدة ورمى بيده.
وقال عبد الله بن مسعود انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحّط بدمه فقلت الحمد لله الذي أخزاك فرفع رأسه.
فقال إنّما أخزى الله عبداً ابن أمّ عبد لمن الدين ولمن الملك ويلك قلت لله ولرسوله وانّي قاتلك ووضعت رجلي على عنقه فقال لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رُوَيْعِيَ الغنم أما أنّه ليس شيء أشدّ من قتلك ايّاي في هذا اليوم ألا يتولّى قتلي إلاّ رجل من المطّلبيّين أو رجل من الأحلاف فانقلعت بيضة كان على رأسه فقتلته وأخذت رأسه وجئت به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقلت يا رسول الله البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام فسجد لله شكراً.
وأسر أبو بشر الأنصاري العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وجاء بهما إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
فقال له صلَّى الله عليه وآله وسلم هل أعانك عليهما أحد قال: نعم رجل عليه ثياب بيض.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم: ذاك من الملائكة ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم للعبَّاس: افد نفسك وابن اخيك فقال يا رسول الله قد كنت أسلمت ولكن القوم استكرهوني فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقّاً فالله يُجْزيكَ عليه فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا ثم قال: يا عباس إنّكم خاصمتم الله فخصمكم ثم قال أفد نفسك وابن أخيك. وقد كان العباس اخذ معه اربعين اوقية من ذهب فغنمها رسول الله صلَّى الله عليه وآله فلمّا قال رسول الله للعباس أفد نفسك قال يا رسول الله احسبها من فدائي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ذاك شيء أعطانا الله منك فافد نفسك وابن أخيك فقال العباس فليس لي مال غير الذي ذهب مني قال بلى المال الذي خلفته عند أمّ الفضلّ بمكّة وقلت لها إن حدث عليّ حدث فاقسمُوه بينكم فقال له أتتركني وأنا أسأل الناس بكفّي فأنزل الله على رسوله في ذلك
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الأنفال: 70]. ثم قال الله وان يريدوا خيانتك في عليّ فقد خانوا الله من قبل فيك فامكن منهم ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لعقيل قد قتل الله يا أبا يزيد أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبّه ونبيه ابني الحجاج ونوفل بن خويلد وأسر سهيل بن عمرو والنضر بن الحرث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان فقال عقيل إذاً لا تنازعون في تهامة فان كنت قد أثخنت القوم والاّ فاركب اكتافهم فتبسّم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وكان القتلى ببدر سبعين والأسرى سبعين قتل منهم أمير المؤمنين عليه السلام سبعة وعشرين ولم يؤسر أحداً فجمعوا الاسارى وفرّقوهم في الجمال وساقوهم على أقدامهم وجمعوا الغنائم وقتل من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم تسعة رجال فيهم سعد بن خيثمة وكان من النقباءِ فرحل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم من بدر ونزل الأثيل عند غروب الشمس وهو من بدر على ستة أميال فنظر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى عقبة بن أبي معيط وإلى النضر بن الحرث بن كلدة وهما في قران واحد فقال النّضر لعقبة يا عقبة أنا وأنت مقتولان فقال عقبة من بين قريش قال نعم لأنّ محمّداً صلَّى الله عليه وآله وسلم قد نظر إلينا نظرةً رأيت فيها القتل فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يَا عَليُّ عَلَيَّ بالنّضر وعقبة.
وكان النضر رجلاً جميلاً عليه شعر فجاء عليّ عليه السلام فأخذه بشعره فجرّه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فقال النضر يا محمّد أسألك بالرّحم بيني وبينك الا أَجْرَيتني كرجل من قريش إن قتلتهم قتلتني وإن فاديتهم فاديتني وان أطلقتهم أطلقتني.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لا رحم بيني وبينك قطع الله الرّحم بالإِسلام وقدّمه يا عَلِيّ فاضرب عنقه فقال عقبة يا محمّد ألم تقل لا تُصْبر قريش أي لا يقتلون صبراً قال وأنت من قريش إنّما أنت علج من أهل صفوريّة لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له ليس منها قدّمه يا عليّ فاضرب عنقه فقدّمه فضرب عنقه.
فلمّا قتل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم النضر وعقبة خافت الأنصار أن يقتل الأسارى كلّهم فقاموا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وقالوا يا رسول الله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك وأساراك هبهم لنا يا رسول الله وخذ منهم الفداء وأطلقهم فأنزل الله عليهم
{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً } [الأنفال: 67-69] فأطلق لهم أن يأخذوا الفداءَ ويطلقوهم وشرط أن يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء فرضوا منه بذلك وتمام الحديث مضى في سورة آل عمران.