التفاسير

< >
عرض

وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ
٥٢
قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
٥٣
إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
٥٤
مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ
٥٥
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٦
-هود

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} قد مضى فى هذه السّورة تفسيره {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} درّ السّماء بالمطر سالت به والمدرار بمعنى كثير الدّر حال من السّماء وارسال السّماء عبارة عن ارسال السّحاب او المطر من جهة انّهما يجيئان من جهتها، او المراد بالسّماء هو السّحاب او المطر من دون ملاحظة علاقة لاطلاقها على كلّ علوىّ {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} رغّبهم فى الايمان بذكر ترتّب الغايات الدّنيويّة عليه لانّ حالهم كانت كحال الصّبيان لا يرون الخير الاّ فيما احسّوه خيراً من الاعراض الدّنيويّة وكان المناسب لحالهم وعدهم بما يظنّونه خيراً، وقيل: لم يمطروا ثلاث سنين وكانوا قد اعقمت نساؤهم فكانوا طالبين للمطر وللاولاد والمراد بزيادة القوّة زيادة العدد {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} دالّة على صدقك قالوه عناداً {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} يعنى ما نقول وما تحتمل فى حقّك شيئاً الاّ هذا القول وهو قولنا اعتريك اى اصابك بعض الهتنا بسوءٍ فصرت مجنوناً، او ما نقول معك الاّ هذا القول يعنى لا تخاطب لنا معك لانّك مجنون باصابة بعض آلهتنا.
اعلم، انّ الشياطين كانوا يظهرون حيناً ما على هياكل الاصنام بعض الغرائب مثل التّكلّم على السنتهم ولذا كانوا مغترّين بها مع انّها جمادات بلا روح والاّ فالعاقل لا ينسب الى الجماد ما يخوّف به الانسان {قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ} اجابهم عن التّخويف بالاصنام بالتّحدىّ وعدم المبالاة بها {فَكِيدُونِي} انتم وآلهتكم {جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} كناية عن تسخيره تعالى وقهره لكلّ دابّة.
بيان فى وحدة الوجود
اعلم، انّ الاصل فى التّحقّق هو الوجود كما سبق فى اوّل البقرة وعليه معظم الحكماء والمشّائين والاشراقيّين، وقرّره جميع اهل الذّوق من العرفاء والصّوفيّة الصّافيّة الطويّة رضوان الله عليهم وانّه حقيقة واحدة وسيعة ذات مراتب عديدة وبحسب تنزّلاتها وكثرة مراتبها يطرؤها الحدود الكثيرة، وباعتبار الحدود ينتزع منها مهيّات عديدة متباينة ومتشاركة، وبكثرة الحدود والمهيّات لا ينثلم وحدتها اذ وحدتها ليست اعتباريّة حتّى تنثلم باعتبار الكثرة، ولا جنسيّة حتّى تنثلم بانضمام الفصول، ولا نوعيّة ولا صنفيّة حتّى تنثلم بالمصنّفات والمشخّصات، ولا عدديّة حتّى يتصورّ لها ثان، ولا تركيبيّة ولا اتّصاليّة حتّى تنثلم بالتّحليل والتّقسيم بل لا تركيب فيها من جنس وفصل ولا نوع ومشخّص ولا مهيّة ووجود ولا وجود وحدّ وجود، ولذا كانت لا اسم لها ولا رسم وكانت غيباً مطلقاً لا خبر عنها ولا اثر والاسماء والرّسوم والكثرات المتراءات فيها انّما هى فى مقام ظهورها فحقيقة الوجوب هى الظّاهرة فى كلّ المظاهر وهى الغاية عن الكلّ ومن قال: سبحان من اظهر الاشياء وهو عينها؛ نظر الى تلك الحقيقة فانّها باعتبار مقام الغيب ومرتبة الوجوب خالق الكلّ ومظهرها، وباعتبار مقام الظّهور عين الكلّ وحقائقها فانّه ليس فى تلك العبارة اشعار بوحدة الوجود المؤدّية الى الاباحة والالحاد فانّه نزّهه سبحانه اوّلاً عن الاختلاط بالكثرات ثمّ اسند الاظهار اليه واثبت الاشياء فأشار الى الكثرات والى تنزّهه تعالى عن الكلّ وعلوّه على الكلّ ثمّ قال: انّه باعتبار حقيقة الوجود عين الكلّ والكلّ متحقّق به لا باعتبار مرتبة الوجوب والاّ لزم التّناقض فى كلامه وهو اجلّ شأناً من ان يأتى بالتّناقض فى كلامٍ واحدٍ، والى هذا المعنى اشير فى الكلام الآلهىّ بقوله تعالى:
{ { هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد:3] اى الله باعتبار حقيقة الوجود لا باعتبار مقام الوجوب، وما ورد من امثال هذا فى كلمات الكبار من الصّوفيّة فهو ناظر الى تلك الحقيقة لا الى مقام الوجوب حتّى يرد عليهم ما اوردوه مثل قولهم:

غيرتش غير درجهان نكذاشت زان سبب عين جملة اشياء شد
كه يكى هست وهيج نيست جزاو وحده لا اله الاّ هو
جنبشى كرد بحر قلزم عشق صد هزاران حباب بيدا شد
ليس فى الدّار غيره ديار هو لحظه بشكلى بت عيار برآمد
دل بردو نهان شـــــد هردم بلباس دكران ياربرآمد
كه بيرو جوان شــــد

الى آخر ما قاله المولوىّ من هذا القبيل، فانّ الكلّ اثبتوا الكثرات ثمّ ذكروا تحقّقها بحقيقة الوجود لا بمقام الوجوب والاّ لزم التّناقض فى كلامهم وتلك الحقيقة من حيث هى منزّهة عن جملة الكثرات وتمام القيود والاعتبارات حتّى اعتبار الاطلاق وقيد اللاّ بشرطيّة، ولذا صارت مقسماً لجملة المقيّدات والمطلّقات لا كمقسميّة المفاهيم العامّة ولا كمقسميّة الاجناس والانواع بل مقسميّته فوق ما ندركه مجهولة الكنه كنفس تلك الحقيقة، فاذا اعتبرت بشرط لا كانت مقام الوجوب، واذا اعتبرت مطلقة مقيّدة بالاطلاق كانت مقام الفعل ومرتبة المشيّة والصّراط المستقيم بين الخلق والحقّ، واذا اخذت بشرط شيءٍ كانت ممكنة ومخلوقة بمراتبها المتكثّرة، فالحقيقة فى الواجب وجود وفى مقام الفعل وجود وفى مقام الممكن وجود ولا يلزم من ذلك تشبيه ولا تشريك، لانّ المخلوقيّة فى الحقيقة راجعة الى المهيّات الّتى ما شمّت رائحة الوجود ابداً ووجود المخلوق هو خالقيّته تعالى وفعله الّذى هو اضافته الى الاشياء ولا حكم له على حياله بل هو باعتبار المهيّات محكوم عليه بالمخلوقيّة وباعتبار الفاعل بالوجوب فهو فى الخارجيّات كالمعنى الحرفىّ فى الّذهنيّات وهو ليس ايّاه وليس غيره بل هو هو بوجهٍ وغيره بوجهٍ، فمن نظر الى وجود الممكنات من حيث تحدّدها وتعيّنها بالمهيّات فهو ناظر الى المصنوع مردود ملعون عن الله، ومن نظر اليه من حيث انّه فعل الرّبّ وصنعه فهو مرحوم مكرم:

عاشق صنع خدا بافرّ بود عاشق مصنوع او كافر بود

ناظر الى ما ذكرنا والاشكال بانّ الرّضا بالقضاء واجب والرّضا بالكفر كفر مع انّ الكفر من القضاء مشهود، مدفوع بما ذكر، اذا تقرّر هذا فاعلم، انّ ناصية كلّ شيءٍ ما به اوّل ظهوره وما به توجّهه الى ما يتوجّه اليه وهى فى كلّ الممكنات جهة وجودها الّتى بها ظهورها وتحقّقها وبها توجّهها الى اصلها الّذى هو حقيقة الوجود والوجودات الامكانيّة اظلال الوجود المطلق الّذى هو ظلّ الحقّ تعالى، والاظلال الوجوديّة كلّها محاطة مقهورة مسخّرة تحت الوجود المطلق، والحقّ الاوّل تعالى شأنه محيط بفعله آخذ له قاهر عليه والوجود المطلق هو الصّراط المسقيم فقوله: ما من دابّة فى الارض اشارة الى جملة الممكنات بذكر اشرفها الاّ هو اشارة الى مقام الوجوب آخذ اشارة الى الوجود المطلق بناصيتها اشارة الى الوجودات الامكانيّة ولذا علّله بقوله { إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لانّه محيط بالوجود المطلق الّذى هو محيط بالوجودات الامكانيّة وباعتبار كثرة العوالم فى العالم الكبير والعالم الصّغير تتكثّر مصاديق الآية الشريفة ومظاهر مصداقها الحقيقى.