التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
١٦٩
-البقرة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ} جواب للسّؤال عن حاله مع الانسان او عن علّة النهى عن اتّباع خطواته، والسّوء كلّ ما عدّه الشّرع او العقل او العرف قبيحاً لكنّ المراد منه هاهنا ما لم ينته فى القبح {وَٱلْفَحْشَآءِ} وهو ما انتهى من ذلك فى القبح {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} حقيقته او اثره النّافع او الضارّ كان تنسبوا لحرمة او الاباحة فى شيءٍ من الادوية او الاغذية الى الله تعالى من غير ان تعلموا أنّه ضارّ او نافع.
تحقيق القول على الله بما لا يعلمه
وعلى هذا اذا علم الانسان أنّ هذا الدّواء بحسب الاسباب الطبيعيّة مضرٌّ لشخص خاصّ او لعموم النّاس لا مانع له من ان يقول: هذا حرام من الله لهذا الشخص او لعموم النّاس، وان كان هذا يرجع الى ما علم حرمته من الشّريعة بالضّرورة، او {أَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} انتسابه الى الله من الاحكام الشّرعيّة والاخلاق النّفسيّة والعقائد الدينيّة وعلم ذلك امّا بالوحى او بالاتّصال الى عالم الامر او بالتّقليد من صاحب الوحى او صاحب الاتّصال؛ فصاحب الوحى لا ينطق عن الهوى بل ينطق عن وحىٍ يوحى، وصاحب الاتّصال هو الّذى علم حقيقة الامر وآثاره فلا ينطق عن الهوى
{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ } [النجم: 12] وصاحب التّقليد شأنه التسليم يقول: { كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [آل عمران: 7]، وامّا غير الثّلاثة فلا يجوز له القول فى الضارّ والنّافع من الاشياء ولا القول بالحلّ والحرمة فيها والظّنّ لا يقوم هاهنا مقام العلم الاّ ان يدلّ دليل على خروجه من القضيّة الكلّيّة القائلة بأنّ الظّنّ لا يغنى من الحقّ شيئاً والعامّة العمياء القائلة بالظّنّ والرّأى والقياس والاستحسان قائلون على الله ما لا يعلمون وامّا الخاصّة فليس شأنهم الاّ التسليم واتّباع صاحب الوحى والاتّصال وتقليدهم، نعم ان خرجوا من التّسليم والتّقليد واتّبعوا الرّأى والقياس واجترؤا على الفتيا من غير اذنٍ واجازةٍ من صاحب الاجازة كانوا مثلهم من غير فرقٍ ولا يستعمل العلم فى الظّنّ حتّى يجوز ادّعاء الظّنّ من العلم هاهنا وظنّيّة الطريق لا يفيد الاّ الظّنّ بالحكم، والقطع بجواز العمل بالمظنون غير القطع بالحكم فنسبة المظنون الى الله قولٌ على الله بما لا يعلم والتّصويب ليس من مذهب الشّيعة وقد صرّح بعض العامّة بأنّ فى هذه الآية منعاً من اتّباع الظّنّ فى المسائل الدّينيّة ولا حاجة لمن تأمّل فيها ادنى تأمّلٍ الى بيانٍ آخر ولكن لمزيد التّوضيح نذكر قليلاً ممّا ورد من المعصومين (ع) فنقول: نسب الى الصّادق (ع) أنّه قال: ايّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك؛ ايّاك ان تفتى النّاس برأيك او تدين بما لا تعلم، وعنه (ع): أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرّجال، أنهاك ان تدين الله بالباطل وتفتى النّاس بما لا تعلم، وعنه (ع) انّ الله خصّ عباده بآيتين من كتابه ان لا يقولوا حتّى يعلموا ولا يردّوا ما لم يعلموا، قال الله تعالى: { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } [الأعراف: 169] وقال { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } [يونس: 39]، وعن الباقر (ع) من أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدى لعنته ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه، وعنه (ع) انّه سئل ما حقّ الله على العباد؟ - قال: ان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عندما لا يعلمون، وعن الصّادق (ع) انّه قال: قال رسول الله (ص): "من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك" ومن أفتى النّاس بغير علمٍ وهو لا يعلم النّاسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك، وأمثال هذه الاخبار كثيرة جدّاً.