التفاسير

< >
عرض

قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٦٤
-آل عمران

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{قُلْ} يا محمّد (ص) بعد ما اتممت لهم الحجّة بتقرير حال عيسى (ع) واثبات المخلوقيّة والعبديّة له من بيان احواله ثمّ بالزامهم بالمباهلة بعد ان لم تنجع فيهم الحجّة البيانيّة وانقيادهم شيئاً من الانقياد مع بقائهم على دينهم لعموم اهل الكتاب من اليهود والنّصارى بطريق اللّطف فى المحاجّة والمداراة فيها {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ} من الخلاف والشّقاق {إِلَىٰ} الاتّفاق والاجتماع فى {كَلِمَةٍ} واحدةٍ هى توحيد الله فى العبادة وفى الآلهة وفى الطّاعة {سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} يعنى حتّى تصير تلك الكلمة متساوية النّسبة فى القبول بيننا وبينكم فلفظ سواء مصدر بمعنى اسم الفاعل للزّمان الاتى {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} بخلاف عبدة عزيرٍ باعتقاد انّه ابن الله من اليهود، وعبدة المسيح باعتقاد انّه الله او انّه ابن الله من النّصارى وهو خبر مبتدءٍ محذوفٍ او بدل من كلمة {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} فى الآلهة بخلاف من قال من النّصارى انّ الله ثالث ثلاثةٍ {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فى الطّاعة بخلاف من اتّخذ الاحبار والرّهبان والرّؤساء ارباباً فى الانقياد والطّاعة ثابتين بعضاً من غير الله، او ناشئة ربوبيّتهم من غير الله، او من غير اذن الله فلفظ من للتّبعيض والظّرف مستقرّ وصف لارباباً، او لفظ من للابتداء والظّرف لغو، او مستقرّ وصفة لارباباً، وطاعة المخلوق فى الدّين من غير اذن الله وأمره به نحو عبادة للمطاع من حيث لا يشعر؛ ولذلك قال فى سورة التّوبة: { ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً } [التوبة:31] يعنى انّ طاعتهم للاحبار من غير نظرٍ الى اذن الله وأمره عبادة لهم وما أمروا الاّ بالعبادة للاله الواحد وروى انّه لمّا نزلت آية اتّخذوا احبارهم ورهبانهم ارباباً من دون الله قال عدىّ بن حاتم: ما كنّا نعبدهم يا رسول الله (ص)؟ - قال: "اليس كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟ - قال: نعم، قال: هو ذاك" {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الاتّفاق فى الكلمة معكم مع انّ الانبياء واممهم كانوا متّفقين فى تلك الكلمة {فَقُولُواْ} جمع الامّة معه (ص) فى الخطاب لانّ هذا الكلام امر بالموادعة معهم بعد اتمام الحجّة والزامهم، وهذا لجميع الامّة بخلاف الكلمات السّابقة فانّها كانت دعوة واحتجاجاً وليسا الاّ شأنه (ص) ولذلك خصّه فى السّابق بالخطاب {ٱشْهَدُواْ} يعنى تبجّحوا وتفاخروا بالانقياد لتلك الكلمة وقولوا لمن تولّوا عن الانقياد: اشهدوا علينا {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} منقادون لتلك الكلمة.