التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
٧٩
-آل عمران

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{مَا كَانَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل يجوز لنبىّ (ص) ان يدعو النّاس الى نفسه؟ - او هو جواب لسؤال كان مذكوراً ولم يحك لنا على ما قيل: انّ ابا رافع القرظىّ والسيّد النجرانىّ قالا: "يا محمّد (ص) أتريد ان نعبدك ونتّخذك ربّاً؟ - فقال: معاذ الله ان نعبد غير الله وان نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثنى، ولا بذلك أمرنى" ، فنزل {ما كان} اى ما صحّ {لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} والمراد بالكتاب الرّسالة واحكامها والكتاب التّدوينىّ صورتها وبالحكم الولاية وآثارها والنّبوّة برزخ بينهما ولذلك أخّرها {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي} لانّه ما لم يخرج من انانيّّته ولم يحي بانانيّة الله ولم يبق بالله لم يؤت الكتاب، واذا خرج من انانيّته لم يكن له نفسيّة حتّى يقول: {كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} بل ان قال {كونوا عباداً لى} كان قوله متّحداً مع قوله كونوا عباداً لله فانّه ان قال انَا كان اناه من الحق جارياً على لسانه لا من نفسه كما اشار اليه المولوىّ قدّس سرّه:

كَفت فرعونى انَا الحق كَشت بست كَفت منصورى انَا الحق و برست
اين انَاهو بود در سرّاى فضول ز اتّحاد نور نزراه حلول
بود انا الحق در لب منصور نور بود انَا الله در لب فرعون زور
آن انَا بى وقت كَفتن لعنت است وين انَا در وقت كَفتن رحمت است

وكما انّه لا يجوز الدّعوة الى نفسه لمن بقى عليه من انانيّته شيءٌ كذلك لا يجوز ذلك اذا كان المدعوّ محجوباً عن مشاهدة الحقّ تعالى فى المظاهر فانّ المحجوب اذا دعى الى المظاهر كان اضلالاً ودعوة الى عبادة الاسم دون المعنى، ولهذا طرد الصّادق (ع) ابا الخطّاب بعد ما كان يدعو المريدين ممّن لا يرى الله فى المظاهر الى آلهة الصّادق (ع)، واذا خرج الدّاعى من انانيّته وبقى بانانيّة الله كان الدّاعى هو الله لانّ الدّعوة كانت من الله بآلة لسان الدّاعى واذا كان المدعوّ ايضاً لا يرى فى مظهر النّبىّ (ص) الاّ الله كان النّبىّ اسماً محضاً من غير شوب كونه مسمّى، فاذا دعا هذا الدّاعى الى نفسه كان دعاؤه الى الله واذا لم ير المدعوّ فى مظهر الدّاعى الاّ الله لم يكن توجّهه الاّ الى المسمّى لا الاسم فلم يكن عبادته الاّ للمسمّى بايقاع الاسم عليه، وبهذا الوجه قيل بالفارسيّة:

اكَر كافر ز بت آكَاه بودى جرا در دين خود كَمراه بودى
اكَر مؤمن بدانستى كه بت جيست يقين كردى كه دين در بت برستى ست

{وَلَـٰكِن} يقول {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} هو منسوب الى الرّب بزيادة الالف والنّون وهذه الزّيادة تدلّ على المبالغة فى النّسبة الى الربّ، والمبالغ فى الانتساب الى الرّب من لا يرى فى المظاهر الاّ الربّ وخصوصاً فى المظاهر الفانية من أنفسهم فلا يرى للدّاعى نفسيّة حتى يكون دعوة الى نفسه فيقول للنّبىّ (ص): كونوا خارجين عن حجب انانيّاتكم حتّى تروا الله فى كلّ المظاهر {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ} يعنى كونوا تعلّمون الكتاب وتدرسونه حتّى تكونوا ربّانيّين بما كنتم تعلّمون الكتاب امثالكم على قراءة تشديد الّلام {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} اى تقرؤن الكتاب على قراءة تخفيف الرّاء لانّ الاشتغال بالكتب السّماويّة والتّدبّر فى الشّرائع الالهيّة وتذكّرها يخرجكم تدريجاً من ظلمات انانيّاتكم ويدخلكم فى نور ظهور عبوديّتكم وبروز ربوبيّتكم وقرء تعلمون بتخفيف اللام وتدرسون من باب التّفعيل او الافعال.