التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٦
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ
٨
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٩
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
١٠
-لقمان

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} الاشتراء يستعمل فى المعاوضة المطلقة سواء كان العوضان من الاعيان ام غيرها، وسواء كان قريناً بصيغةٍ خاصّة ام لا، فيصدق على بذل الاموال على الوعّاظ والقصّاص والنقّال للاسمار، وعلى بذل القوى والاستعدادات والاعمار فى الاستماع الى ما فيه حظّ النّفس والخيال دون العقل، سواء كان المسموع من القرآن والاخبار او من الاباطيل والاسمار، ولهو الحديث عبارة عمّا يشغلك عن الله والآخرة من الاقوال اللّسانيّة والافعال الاركانيّة والاحاديث النّفسيّة سواء كان ذلك الشّاغل قرآناً وخبراً من المعصوم وعبادةً شرعيّة او كان لغواً فى ذاته ومعصيةً فانّ فى كلّ قول وفعل جهةً عقلانيةً وجهةً شيطانيّةً، فان كان الاستماع او الاشتغال به من جهته العقلانيّة كان ذلك حديثاً صحيحاً عقلانيّاً، وان كان صورته صورة الاباطيل والعصيان، وان كان الاستماع او الاشتغال به من جهته الشّيطانيّة كان ذلك لهو الحديث، وان كان صورته صورة القرآن والاخبار المعصوميّة، ومقصوده تعالى ههنا انّ القرآن وآياته هدى ورحمة للمحسنين وضلال ونقمة للمسيئين لكنّه عدل عن ذلك تنزيهاً للقرآن عن نسبة الاضلال والنّقمة اليه وتصريحاً بانّ الضّلال والنّقمة ليس الاّ من قبل انفسهم فانّهم بسوء استعدادهم وصنيعهم يضلّون بالقرآن الّذى هو هداية من الله ويصير القرآن فى اسماعهم كالاسمار لهو الحديث {لِيُضِلَّ} قرئ بفتح الياء وضمّها، والّلام مثل الّلام فى { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص:8]، او هى الّلام الدّاخلة على العّلة الغائيّة فانّ من النّاس من يشتغل بالملاهى وليس مقصوده الضّلال او الاضلال او كان مقصوده الاهتداء لكن يضلّ ويضلّ من حيث لا يشعر، ومنهم من يشتغل لقصد الاضلال كمن يحصّل العلم لافساد الشّريعة {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بالاشتراء او بغير علم بانّ الاشتراء المذكور ضلال واضلال، او بغير علم بضلاله واضلاله، او متّصفاً بغير علمٍ، وحينئذٍ يكون تنكير العلم للجنس او لفردٍ مّا لكن يكون مستغرقاً لوقوعه بعد غير الّذى هو فى معنى النّفى، او يكون التّنوين للتّفخيم اى بغير علم عظيم هو العلم بالولاية {وَيَتَّخِذَهَا} اى يتّخذ سبيل الله وليس سبيل الله الاّ سبيل الولاية {هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل بعدما ذكر جزاء المسيئين ما جزاء المحسنين؟- فقال: انّ الّذين آمنوا بالبيعة العامّة او بالبيعة الخاصّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} على وفق ما اخذ عليهم فى بيعتهم، ووضع الظّاهر موضع المضمر للفصل بين هذا الحكم وبين ذكر المحسنين، وللاشارة الى انّ المحسن ليس الاّ من آمن وعملوا الصّالحات {لَهُمْ} لا لغيرهم {جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} بيان لعزّته وحكمته، عن الرّضا (ع) انّه قال: ثمّ عمد ولكن لا ترونها، وقد مضى هذا فى اوّل سورة الرّعد {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} قد مضت الآية فى اوّل سورة النّحل {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} اى من كلّ صنفٍ فانّ كلّ صنفٍ باعتبار ما دونه وما فوقه يسمّى زوجاً او كلّ نباتٍ باعتبار كونه برّيّاً وبستانيّاً زوجٌ {كَرِيمٍ} الكرم فى كلّ شيء ٍ بحسبه وكرم النّبات باعتبار كثرة منافعه بدأ بخلق السّماوات فانّها اشرف من الارض، ثمّ بذكر خلق الارض فى ضمن القاء الرّواسىّ عليها، ثمّ بذكر خلق المواليد من الاشرف الى الاخسّ.