التفاسير

< >
عرض

لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً
١٤٨
-النساء

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} استثناء من المفعول بتقدير الاّ جهر من ظلم او استثناء مفرّغ بتقدير لا يحبّ الله الجهر بالسّوء من احد الاّ ممّن ظلم وعليهما يكون الجهر بالسّوء من المظلوم محبوباً لكن هو محبوبٌ من كلّ المظلومين او من بعضهم، وفى كلّ اقسام الظّلم او بعضها، وبكلّ سوء او بسوء مخصوص ومجملٌ محتاج الى البيان، او المستثنى منقطع والتّقدير لا يحبّ الله الجهر بالسّوء لكن من ظلم يجهر بالسّوء او يباح له الجهر بالسّوء وهذا اوفق بقراءة ظلم مبنيّاً للفاعل وبيان نظم الآية بحيث يظهر القيود فيها هكذا لا يحبّ الله الشّيء المقول المجهور السّوء، يعنى لا الشّيء الصّادر من غير اللّسان من الاعضاء ولا الشّيء الصاّدر من اللّسان غير المجهور كالمخفت ولا الشّيء الصّادر من اللّسان المجهور غير السّيّء، ولمّا لم يكن مفهوم المخالفة من الوصف والقيد معتبراً لا يلزم ان يكون هذه محبوبة بل مسكوتاً عنها، وبيانها بالآيات الاُخر واخبار الاحكام وهذه الآية فى بيان حكم القول الجهر السّوء من احكام القالب واحكام ظاهر الشّريعة، وامّا الخطرات والخيالات فانّها وان كانت اقوال النّفس وسيّئها سيءّ وحسنها حسن لكن لا مؤاخذة عليها فى الشّريعة ورفعت عن الامّة المرحومة وكانت عليها مؤاخذة فى الطّريقة كما اشاروا اليها بقولهم، فى جواب من سئل عن الخطرات، هل ريح المنتن وريح الطّيب سواء، يعنى لطيّبها مجازاة وعلى منتنها مؤاخذة، وسوء القول اعمّ من كونه كذباً وافتراء، او صدقاً وغيبةً بما لا يجوز، او صدقاً وغيبة بما يجوز، او صدقاً من غير اسماعٍ لغير من ينسب السّوء اليه حتّى لا يكون غيبة او مع اسماع الغير فى حضور من ينسب السّوء اليه والكلّ غير محبوب لله الاّ قول الجهر السّوء ممّن ظلم، لكن هذا مجمل محتاج الى البيان لانّه لا يجوز بجميع شقوقه قطعاً فبيّنوا المجوّز منه لنا مثل موارد جواز الغيبة ومثل ذكر الضّيف مساوى مضيفه فى ضيافته اذا لم يحسن ضيافته، ومثل تكذيب من يمدحك بما ليس فيك، وقد نسب الى علىّ (ع) انّه قال استاههم الحفر وقال لخالدٍ: انّما يفعل ذلك من كان استه اضيق من استك، لكن بقى هل هو محبوب كما هو ظاهر الاستثناء او ليس بمذموم فنقول: انّه ليس بمحبوب لله على الاطلاق فانّه علّق محبّته على الاحسان فى مقابل الاساءة فى قوله { { وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] ويدلّ عليه الآيات الآخر الامرة بالصّبر عند الاساءة بل يكون محبوباً او غير مبغوضٍ على بعض الوجوه. فانّ للانسان من اوّل اسلامه الى كمال ايمانه مراتب ودرجات ولكلّ مرتبة حكم ليس لما فوقها ولا لما دونها فلا يجرى حكم مرتبةٍ فى مرتبةٍ اخرى، وهذا احد معنيى النّسخ فى الآيات والاخبار، فصاحب المرتبة الاولى من الاسلام الّذى لا يقنع نفسه من الاساءة الواحدة بالعشرة ولا يكسر سورة غضبه الاّ بالمائة فاذا ائتمر بأمر الله واكتقى من الواحدة بالواحدة كان ذلك منه محبوباً ولصاحب هذه المرتبة قال الله تعالى، { { فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } [البقرة:194]، ولكن هذا من صاحب الدّرجة الثّانية مذموم وهكذا، ولذلك ورد: حسنات الابرار سيّئات المقرّبين، والصّبر وكظم الغيظ لصاحب الدّرجة الثّانية، والعفو وتطهير القلب لصاحب الدّرجة الثّالثة، والاحسان الى المسيء للمنتهى فى الايمان، ويمكن جعل الاستثناء من لازم الآية وهو ما يستفاد من نفى المحبوبيّة من القول الجهر السّوء كأنه قيل: كلّ احد هذا منه مذموم الا من ظلم {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} فكلوا امر من ظلمكم اليه ولا تجهروا بالقول السّوء اتّكالاً على الله وحياءً منه، او المراد ردع المظلوم عن الزّيادة على قدر الظّلم يعنى فلا تتجاوزوا قدر الظّلم فتصيروا ظالمين فانّ الله سميع يسمع قول الظّالم وقول المظلوم عليمٌ بقدر كلّ.