التفاسير

< >
عرض

وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
٣٠
إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً
٣١
-النساء

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} الصرّف والقتل {عُدْوَاناً} لعدوان او فعل عدوان او عدى عدواناً او حال كونه عادياً او يفعل عدوانه ذلك على ان يكون تميزاً يعنى من يفعل ذلك عن عمد وتجاوز عن حدود الله او عن عداوة من نفسه {وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} كأنّه قيل: وايّنا يخلو من صرف المال بالباطل خصوصاً على ما فسّر؟ - فقال: تسلية وتطييباً ان تجتنبوا (الى آخر الآية) وقد اختلف الاخبار والاقوال فى بيان الكبيرة ففى بعض هى سبع وفى بعض اكثر مع الاختلاف فى بيان انواعها فلا بدّ من ميزان به يوزن الاعمال ويجمع بين الاخبار والاقوال.
تحقيق الكبير والصّغير
فنقول: الافعال من حيث انّها حركات وسكنات لا توصف بالحسن والقبح لاشتراكها فى تلك الحيثيّة ولا من حيث نسبتها الى الانسان لاشتراكها فيها ايضاً، ولا من حيث انواعها المخصوصة كالصّوم والصّلوة والجهاد والقتل والنّهب والفساد لاتّصافها بالحسن تارة والقبح اخرى، بل الحسن والقبح يلحقان الاعمال من حيث نسبتها الى العقل والجهل فكلّ عمل يصدر عن الانسان بحكومة العقل وطاعته خصوصاً عقل الانبياء والاولياء الّذين هم العقول الكلّيّة المحيطة فى اىّ صورة كان العمل فهو حسنة وبحسب درجات الطّاعة وقبول الحكومة بالشّدّة والضّعف تتفاوت درجات الحسنة بالشّدّة والضّعف والصّغر والكبر، وكلّما صدر عن حكومة الجهل وطاعته خصوصاً الجهل الكلىّ الّذى هو الشّيطان فهو سيئّة فى اىّ صورة كان وبحسب تفاوت درجات الطّاعة وقبول الحكومة تتفاوت درجات السّيئّة بالشّدّة والضّعف والصّغر والكبر، فمن اراد طاعة الله ومتابعة اوامره فكلّما صدر عنه بحسب هذه الارادة فهو حسنة لكنّها ضعيفة واذا علم انّ اوامر العقل الّتى هى اوامر الله لا تتميّز عنده عن اوامر الجهل الّتى هى اوامر الشّيطان بل لا بدّ من بصيرٍ نقّاد وذى قلب وقّاد اتّصل بالعقل واخذ من الله حتّى يبيّن له اوامر العقل من اوامر الشّيطان وذلك النّقّاد هو النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) وعزم على الوصول اليه والاخذ منه، فكلّما صدر عنه بحسب هذا العزم فهو حسنة اقوى من الاولى فاذا اتّصل بهذا العالم وعاهد معه وبايع على يده وانقاد له واخذ الاحكام القالبيّة منه وهذا الاخذ والبيعة هو الاسلام فكلّما صدر عنه بحسب هذا الانقياد وهذا الاخذ فهو حسنة اقوى من سابقتها. واذا علم انّ الاسلام واحكام القالب قوالب لاحكام الباطن ولا يمكن له الوصول الى حضرة العقل الاّ من طريق الباطل ولا يمكن السّلوك من طريق الباطن الى تلك الحضرة الاّ برفع المانع منه وارتكاب الباعث عليه وعلم انّه لا يمكنه معرفة المانع والباعث الاّ بالاخذ من بصيرٍ حكيمٍ وعزم على الوصول اليه والأخذ منه ففعله من جهة هذا العزم حسنة اقوى، واذا وصل الى هذا الحكيم وبايع معه على قبول احكام الباطن واخذ احكام الباطن منه وذلك الاخذ والبيعة هو الايمان صار مؤمناً وصار افعاله من هذه الجهة حسنات اقوى ممّا قبلها، وللايمان بعد ذلك درجات حتّى وصل الى العقل وتحقّق به وحينئذٍ يصير اصل الحسنات وفرعها واوّلها وآخرها؛ ان ذكر الخير كنتم اصله وفرعه واوّله وآخره، وبالعكس من ذلك من تحقّق بالجهل فهو اصل السّيئّة وفرعها واوّلها وآخرها ومن تحقّق من افراد البشر بالجهل كان اقوى فى السّوء من الجهل نفسه كما انّ المتحقّق بالعقل اقوى من العقل، ولذا كان علىّ (ع) مقدّماً على العقل وجبريل وعدوّه مقدّماً على الشّيطان وكلّ ذى سوء حتّى يحمل عليه معصية كلّ ذى معصية، ومن تمكّن فى طاعة الجهل بحيث لم يبق عليه اثر من طاعة العقل فكلّما فعل فهو معصية كبيرة ومن لم يتمكّن فى طاعة الجهل بل بقى عليه اثر من طاعة العقل او ارادة طاعة العقل فما فعل من جهة طاعة الجهل فهو سيّئة مغفورة ان شاء الله، ومن غلب عليه طاعة العقل او ارادة طاعة العقل ويطرء عليه طاعة الجهل حيناً فما فعل من جهة طريان طاعة الجهل فهو لمّة ممحوّة ان شاء الله، وبين المراتب المذكورة فى الحسنات والسّيئّّات درجات غير محصورة بحسب الشّدة والضّعف والمذكورة امّهاتها، هذا بحسب نسبة الحسنة والسيئّة الى الفاعل؛ وبهذا الاعتبار يصير شرب دعبلٍ صغيرة وصلوة النّاصبين كبيرة ولذلك ورد: لا صغيرة مع الاصرار، اى مع التّمكّن فى طاعة الجهل بحيث كلّما تمكّن من تلك المعصية وقع فيها: ولا كبيرة مع الاستغفار، اى مع بقاء طاعة العقل بحيث يحمله على الاستغفار وقد تعتبر النّسبة بين انواع الحسنات والسّيئّات مع قطع النّظر عن الفاعل او مع اعتبارها الى فاعل واحد من جهة واحدة فيعدّ بعضها احسن من بعض فى الحسنات وبعضها اغلظ من بعض فى السّيئّات، كالوطى الحرام اذا اعتبر من فاعلٍ واحدٍ فانّه مع المحصنة والّذكران اغلظ من الوطى مع غير المحصنة، والوطى مع امرأة غير محصنة اغلظ من الوطى مع البهائم، والوطى الحرام اغلظ من النّظر الحرام، فمعنى الآية ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه باجتناب التّمكّن فى طاعة الجهل نكفّر عنكم سيّئاتكم الّتى تصدر عنكم بطاعة الجهل ونمحو لمّاتكم الّتى تعرض عليكم {وَ} بعد تكفير اثر الجهل الّذى يمنعكم من الدّخول فى دار كرامتى ومحوه {نُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} ادخالاً او مكاناً كريماً.