التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
٢٧
-الشورى

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} اعلم، انّ النّفس الانسانيّة ليس اختيالها وظلمها وعداوتها مع خلق الله وعدولها عن الحقّ الاّ لانانيّتها واعجابها بنفسها، وكلّما قلّل حاجتها وزاد غناءها زاد فى انانيّتها، وكلّما زيد فى انانيّتها زاد اعجابها بنفسها ولوازم اعجابها من تحقير العباد والعداوة مع من يظنّ انّه يريد الاستعلاء عليه والظّلم على من يقابله ولا يكون ملائماً لحاله والعدول عن الحقّ، واذا بسط الله الرّزق النّباتىّ من المأكول والمشروب او الرّزق الحيوانىّ من الشّهوات البهيميّة والبسطات السّبعيّة والاعتبارات الشّيطانيّة او الرّزق الانسانىّ من الالهامات والعلوم والحكم والمكاشفات الصّوريّة والمعنويّة على العباد عدوا على العباد وظلموهم وحقّروهم وعدلوا عن الحقّ فانّ الانسان ما كان باقياً عليه شوبٌ من نفسه كانت العلوم الصّوريّة مورثة لازدياد انانيّته وكذلك المشاهدات الصّوريّة والمكاشفات المعنويّة فانّ المذاهب الباطلة اكثرها تولّدت من المشاهدات الّتى كانت للنّاقصين كما سبق منّا تفصيل ذلك {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ} الارزاق الثّلاثة على العباد {بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} يعنى ينزّل ما يشاء ان ينزّل بقدر استحقاق المنزّل عليه لانّه لا يشاء ما يشاء الاّ بحسب حال من يشاء له وقوله {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ} (الى قوله) بصيرُ لرفع توهّمٍ نشأ من قوله تعالى { يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [الشورى: 26] فانّه يورث توهّم انّه لو كان هذا حقّاً لكان ينبغى ان لا يكون من المؤمنين فقيرٌ محتاجٌ مع انّ اكثر المؤمنين محتاجون فى امر معيشتهم {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} تعليل لسابقه يعنى انّه يعلم قدر استحقاقهم وقدر ما يصلحهم وما يفسدهم فيعطى المؤمنين قدر ما يصلحهم، والكافرين قدر ما يصلح العالم والنّظام الكلّىّ، وقدر ما يصلح المؤمنين فانّ من العباد من لا يصلحه الاّ الفقر ومنهم من لا يصلحه الاّ الغنى ولو اصبح المؤمن يملك ما بين المشرق والمغرب لكان خيراً له، ولو اصبح يقطع ارباً ارباً لكان خيراً له.