التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١٥٤
-الأنعام

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة او التّوراة الّتى هى صورة النّبوّة والعطف باعتبار المعنى كأنّه قال هذا ما آتينا محمّداً (ص) ثمّ آتينا موسى الكتاب والعطف ثمّ باعتبار الاخبارين والاعلامين او باعتبار تفاوت الخبرين فى الشّرف باعتبار موضوعيهما ويحتمل العطف على جملة ذلكم وصيّكم به لكنّه بعيد عن الفصاحة لعدم المناسبة بينهما، وامّا العطف على وصيّكم كما قيل فبعيد غاية البعد لعدم ظهور الرّابط لمبتدء المعطوف عليه {تَمَاماً} من غير نقصٍ فيه او تماماً للنّعمة وهو حال او مفعول مطلق او تعليل {عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} صار ذا حسنٍ او جعل عمله حسناً وبأحد هذين المعنيين ورد تفسيره بان تعبد الله كأنّك تراه او احسن الى الغير ومنع اساءته عنهم، اعلم، انّ الحسن المطلق منحصر فى الولاية المطلقة الّتى صاحبها علىّ (ع) بعد محمّد (ص) وحسن غيرها من الّذوات والصّفات والافعال باعتبار اتّصاله بها، وتفاوت الحسن فى الاشياء باعتبار تفاوتها فى القرب والبعد عنها، فالطّالب للولاية يكون فى نفسه حسناً وافعاله الّتى تصدر عن طلبه تكون حسنة، والقابل لها يكون احسن وأفعاله الّتى تصدر عن جهة ذلك القبول أحسن من افعال الطّالب، والقابل المشاهد لصورة الولىّ والنّاظر الى ملكوته احسن من القابل الغائب عن المشاهدة، وتلك المشاهدة هى الّتى تسمّى عند الصّوفيّة بالفكر وتمثّل صورة الشّيخ والنّظر الى صورته أحسن من جميع افعاله والمتحقّق بحقيقة الولاية وافعاله احسن من القابل المشاهد وافعاله {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} اعلم، انّه تعالى وصف كتاب موسى (ع) بكونه تماماً وتفصيلاً لكلّ شيءٍ ههنا وقال فى سورة الاعراف: { { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [الأعراف:145] وهذا يدلّ على انّه تعالى جعل فى كتاب رسالته كلّ شيء مشتملاً على كلّ شيءٍ وكلّ شيءٍ مظهراً تامّاً ومرآةً كاملة لكلّ شيءٍ، وقد قال بعض الصّوفيّة: كلّ شيءٍ فى كلّ شيءٍ لكن ليس لكلّ احد ان ينظر كلّ شيءٍ فى كلّ شيءٍ، ولهذا قال: وكتبنا لموسى وما كان لغيره ذلك، ولمّا كان موسى (ع) بعد نبيّنا (ص) وبعد ابراهيم (ع) اوسع نظراً من حيث النّظر الى الكثرات ومراتب كلّ ومباديه وغاياته، وصف كتابه المنزل عليه بأنّه كتب له فيه من كلّ شيءٍ تفصيلاً لكلّ شيءٍ، بمعنى أنّه تعالى جعل لوح صدر موسى (ع) بحيث اذا انتقش فيه شيءٌ من الاشياء انتقش فيه جميع مباديه الى مبدء المبادى وجميع غاياته الى غاية الغايات، وانتقش جميع لوازم المبادى والغايات، واذا انتقش جميع المبادى والغايات ولوازمها فى شيءٍ لم يبق شيءٌ الاّ انتقش، فيه لانّ الموجودات كلّها متلازماتٌ اذا الكلّ معاليل علّة واحدة {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ} اى بنى اسرائيل {بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} ان كان المراد بربّهم الرّبّ المطلق فالمراد باللّقاء لقاء جزائه وحسابه وحُسّابه، وان كان المراد به الرّبّ المضاف وهو ربّهم فى الولاية فالمراد باللّقاء لقاء ملكوت ذلك الرّبّ وهو ادنى مراتب اللّقاء والمعرفة بالنّورانيّة وفوقه لقاء جبروته بمراتبها، يعنى آتينا موسى الكتاب للدّعوة الظّاهرة حتّى يستعدّوا بقبول تلك الدّعوة الباطنة، ويستعدّوا بقبول تلك الدّعوة لفتح باب القلب ويشاهدوا بفتح باب القلب صورة ولىّ الامر بملكوته، وهو لقاء ربّهم الّذى هو ولىّ امرهم وبهذا اللّقاء يحصل الفوز بالرّوح والرّاحة والامن والامان والسّلامة من حوادث الزّمان والنّجاة من مضيق المكان؛ والى هذا اللّقاء اشار من قال:

كرد شهنشاه عشق درحرم دل ظهورقد زميان برفراشت رايت الله نور

وقد فسّر السّكينة فى الاخبار بما يدلّ على ظهور ملكوت ولىّ الامر فى القلب حيث ورد، انّها ريح تفوح من الجنّة لها وجه كوجه الانسان، فانّ الملكوت من الجنّة، وكونها ذات وجه كوجه الانسان يدلّ على انّها من الّذوات الجوهريّة الملكوتيّة لكونها من الجنّة لا ما يفهم من لفظ الرّيح، ويسمّى فى عرف الصّوفيّة ظهور ملكوت ولىّ الامر على قلب الانسان بالسّكينة كما يسمّى بالفكر والحضور، وهذا اللّقاء هو المراد بما يقولون: لا بدّ للسّالك ان يجعل صورة المرشد نصب عينيه، يعنى ينبغى ان يصفو نفسه بالعبادات حتّى يظهر فى قلبه ولىّ امره فيكون مع الصّادق معيّة حقيقيّة لا ما يتوهّم من ظاهر اللّفظ من انّه لا بدّ ان يتعمّل ويتصوّر صورة مخلوقة له مردودة اليه، وقد ورد منهم، وقت تكبيرة الاحرام تذكّر رسول الله (ص) واجعل واحداً من الائمّة نصب عينيك؛ وعلى هذا كان المراد بالايمان ههنا الايمان الشّهودىّ لا الايمان بالغيب.