التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٦
-الأعراف

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} اعلم، انّ الانسان ما لم يبلغ حدّ الرّشد والتّكليف شأنه شأن البهائم فى طلب المشتهيات بأىّ نحوٍ اتّفق ودفع المولمات كذلك وليس له شأن الايتمار والانقياد الاّ لمن يخاف منه على بدنه، وليس له شأن الاصلاح فى ارض العالم الصّغير ولا فى ارض العالم الكبير، فاذا بلغ وحصل له العقل حصل له شأنيّة الايتمار والاصلاح فى ارضى العالمين فى الجملة، فان ساعده التّوفيق ودعاه الدعاة الآلهيّون دعوةً عامّةً ظاهرة وقبل منهم وانقاد لهم بالبيعة العامّة النّبويّة وصار مسلماً كمل له شأنيّة الاصلاح وحصل له الانقياد فى الجملة، فان زاد توفيقه ودعاه الدّعاة الآلهيّون دعوة خاصّةً باطنة وقبل منهم وبايع معهم البيعة الخاصّة الولويّة وتمّ له الانقياد، فامّا ان يلتحق بملكوت الدّاعى ويحصل له حالة الحضور معه وهو المصلح الحقيقىّ فى العالمين، وامّا ان يطلب الالتحاق وشأنه دعاء ربّه والتّضرّع والالتجاء اليه فى غيبته حتّى يلتحق به وهو المصلح فى الجملة، وان خذله الله بعد حصول العقل وشأنيّة الاصلاح ولم يطلب الاسلام، او طلب ودخل فيه ولم يطلب الايمان، او طلب ودخل فيه ولم يكن يدعو ربّه ولم يطلب الالتحاق بملكوته صار مفسداً فى العالمين فكأنّه قال: ادعو ربّكم ولا تتركوا الدّعاء فتفسدوا فى الارض {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} بالقوّة لحصول العقل او بالفعل بالاسلام والايمان وهكذا فى بواقى الاقسام فقوله: ولا تفسدوا فى الارض، من قبيل اقامة المسبّب مقام السّبب كأنّه قال: لا تتركوا الدّعاء والالتجاء والتّضرّع عليه فتفسدوا فى الارضين بعد شأنيّة اصلاحهما او بعد فعليّة اصلاحهما ولكون هذا الدّعاء هو غاية كلّ عبادة وطاعة كرّره بذكر جهة اخرى من جهات الدّعاء فقال {وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} مصدر ان او حالان كما سبق والمعنى خوفاً من فراقه وعدم اجابته وطمعاً فى لقائه واجابته، وسائر الوجوه المحتملة راجعة الى هذا، او ضعيفة بحسب مقام دعوة الرّبّ؛ كخوف سخطه وخوف عقابه وخوف ردّه وخوف عدله خوف ميزانه وخوف خذلاته والخوف من جلاله فانّ من استشعر فى حضور الملوك جلالهم اسشعر خوفاً وهيبة فى نفسه من غير استشعارٍ بسبب لتلك الهيبة، واستعمال الطّمع للاشارة الى انّ الانسان لا بدّ وان يكون مترقّباً للقاء الرّبّ ورحمته من غير نظرٍ الى حصول اسبابه من قبله او من قبل الله فانّ فعل الله لا يناط بالاسباب، لانّ الطّمع هو ترقّب حصول الشّيء من غير تهيّة سببٍ لحصوله بخلاف الرّجاء ولمّا اوهم ذكر الطّمع قرينة للخوف ترجيح جانب الرّجاء وعدم الاناطة بسببٍ وشرطٍ واستواء نسبة الرّحمة الى الكلّ بحسب القابل كما هو كذلك بحسب الفاعل، رفع ذلك بقوله {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تعليلاً للخوف والطّمع، يعنى انّ رحمته من جهة الفاعل وان كانت مستوية النّسبة الى الكلّ غير موقوفة على سببٍ وشرط لكنّها من جهة القابل متفاوتة النّسبة فليخف غير المحسن ولا يتّكل على عموم رحمته واستواء نسبتها وليطمع المحسن وليجدّ فى طلب لقائه، وتذكير قريب بتأويل الرّحمة بالرّحم او بتشبيهه بالفعيل بمعنى المفعول.