التفاسير

< >
عرض

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
٦
صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ
٧
-الفاتحة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} الخ؛ أما الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط، وأما الصراط فهو والطريق والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثم بيَّن أنه الصراط الذي يسلكه الذين أنعم الله تعالى عليهم، فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي سُئِل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة أي: إن العبد يسأل ربه أن تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط.
بيان ذلك: ان الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الإِنسان بل لجميع من سواه سبيلاً يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى:
{ يا أيُّها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه } [الإنشقاق: 6]. وقال تعالى: { وإليه المصير } [التغابن: 3]. وقال: { ألا إلى الله تصير الأمور } [الشورى: 53]. إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلاله على أن الجميع سالكوا سبيل، وانهم سائرون إلى الله سبحانه.
ثم بيَّن: أن السبيل ليس سبيلاً واحداً ذا نعتٍ واحد بل هو متشعب إلى شعبتين، منقسم إلى طريقين، فقال:
{ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوُّ مبين وأنِ اعبدوني هذا صراط مستقيم } [يس: 60-61]. فهناك طريق مستقيم وطريق آخر ورائه، وقال تعالى: { فإني قريب أُجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلَّهم يرشدون } [البقرة: 186]. وقال تعالى: { ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [غافر: 60]. فبيَّن تعالى: أنه قريب من عباده وأن الطريق الأقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون: { أُولئك ينادون من مكان بعيد } [فصلت: 44] فبيّن: أن غاية الذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة.
فتبيَّن: أن السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين، وسبيل بعيد وهو سبيل غيرهم، فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى:
{ إن الذين كذَّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبواب السماء } [الأعراف: 40]. ولولا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، وقال تعالى: { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } [طه: 81]. والهوي هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضلَّ سواء السبيل } [البقرة: 108]، فعرَّف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضلّ، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلثه أقسام: من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته، ومن طريقه إلى السفل، وهم المغضوب عليهم، ومن ضل الطريق وهو حيران فيه وهم الضالون، وربما اشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين}.
والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلاث، أعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الأول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلاَّ أن قوله تعالى:
{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11]. يدل على أن نفس الطريق الأول أيضاً يقع فيه انقسام.
وبيانه: أن كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى:
{ ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضلَّ سواء السبيل } [البقرة: 108]. وفي هذا المعنى قوله تعالى { أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌّ مبين وأنِ اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضلَّ منكم جِبلاً كثيراً } [يس: 60-61]. والقرآن يعد الشرك ظلماً وبالعكس، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن الشيطان لما قضي الأمر: { إني كفرت بما أشركتمون من قبلُ إنَّ الظَّالمين لهم عذاب أليم } [إبراهيم: 22]. كما يعد الظلم ضلالاً في قوله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [الأنعام: 82]، وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والأمن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال على ارتفاع الظلم ولبس الإِيمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم أمرها واحد وهي متلازمة مصداقاً، وهذا هو المراد من قولنا: إن كل واحد منها مُعرف بالآخر أو هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم.
إذا عرفت هذا علمت أن الصراط المستقيم الذي هو صراط غير الضالين صراط لا يقع فيه شرك ولا ظلم البته كما لا يقع فيه ضلال البته، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حق التوحيد علماً وعملاً إذ لا ثالث لهما وماذا بعد الحق إلاَّ الضلال؟ وينطبق على ذلك قوله تعالى:
{ الَّذِين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [الأنعام: 82]، وفيه تثبيت للأمن في الطريق ووعد بالاهتداء التام بناءً على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم، فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم.
ثم إنه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى:
{ ومن يطع الله والرسول فأُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً } [النساء: 69]. وقد وصف هذا الإِيمان والإِطاعة قبل هذه الآية بقوله: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً } [النساء: 65-66]. فوصفهم بالثبات التام قولاً وفعلاً وظاهراً وباطناً على العبودية لا يشذ منهم شاذ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعاً لأولئك المنعم عليهم، وفي صف دون صفهم لمكان مع ولمكان قوله: { وحسن أولئك رفيقاً } [النساء: 69] ولم يقل: فأولئك من الذين.
ونظير هذه الآية قوله تعالى:
{ والذين آمنو بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } [الحديد: 19]. وهذا هو الحاق المؤمنين بالشهداء والصديقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، وقوله: لهم أجرهم.
{فأُولئك} (وهم أصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدراً وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم من الضلال والشرك والظلم، فالتدبر في هذه الآيات يوجب القطع بأن هؤلاء المؤمنين و (شأنهم هذا الشأن) فيهم بقية بعد، لو تمت فيهم كانوا من الذين أنعم الله عليهم، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلّهم نوع من العلم بالله، ذكره في قوله تعالى:
{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11]. فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدراً، يربو على نعمة الإِيمان التام، وهذا أيضاً نعت من نعوت الصراط المستقيم.
ثم إنه تعالى على أنه كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد، وعد لنفسه سبلاً كثيرة، فقال عزّ من قائل:
{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [العنكبوت: 69]. وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلاَّ ما في هذه الآية {صراط الذين أنعمت عليهم} الآية ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة } [يوسف: 108]. وقال تعالى: { سبيل من أناب إليَّ } [لقمان: 15]. وقال: { سبيل المؤمنين } [النساء: 115]، ويعلم منها: أن السبيل غير الصراط المستقيم فإنه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله تعالى: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } [المائدة: 15-16]، فعد السبل كثيرة والصراط واحداً وهذا الصراط المستقيم، إما هي السبل الكثيرة وإما أنها تؤدي إليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها.
وأيضا قال تعالى:
{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلاَّ وهم مشركون } [يوسف: 106]. فبين أن من الشرك (وهو ضلال) ما يجتمع مع الإِيمان وهو سبيل، ومنه يعلم أن السبيل يجامع الشرك، لكن الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال: ولا الضالين.
والتدبر في هذه الآيات يعطي أن كل واحد من هذه السبل يجامع شيئاً من النقص أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، وإن كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه غير الآخر ويفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين أنه يتحد مع ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة وغيرها كقوله:
{ وأنِ اعبدوني هذا صراط مستقيم } [يس: 61]. وقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملّة إبراهيم حنيفاً } [الأنعام: 161]. فسمى العبادة صراطاً مستقيماً وسمى الدين صراطاً مستقيما وهما مشتركان بين السبل جميعاً، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن، فكما أن للبدن أطواراً في حياته هو عند كل طور غيره عند طور آخر، كالصبي والطفولية والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكن الروح هي الروح وهي متحدة بها والبدن يمكن أن تطرأ عليه أطوار تنافي ما تحبه وتقتضيه الروح لو خليت ونفسها، بخلاف الروح فطرة الله التي فطر الناس عليها، والبدن مع ذلك هو الروح أعني الإِنسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى هو صراط المستقيم إلاَّ أن السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتبعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت أن الإِيمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شيء من ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده، والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو.
وقد بيّن الله سبحانه هذا المعنى، أعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق والباطل في كلامه، فقال تعالى:
{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما توقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } [الرعد: 17]. فبين: أن القلوب والأفهام في تلقي المعارف والكمال مختلفة، مع كون الجميع متكئة منتهية إلى رزق سماوي واحد، وسيجيء تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد، وبالجملة فهذا أيضاً نعت من نعوت الصراط المستقيم.
وإذا تأملت ما تقدم من نعوت الصراط المستقيم تحصل لك أن الصراط المستقيم مهيمنٌ على جميع السبل إلى الله والطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى أن السبيل إلى الله إنما يكون سبيلاً له موصلاً إليه بمقدار يتضمنه من الصراط المستقيم حقيقة، مع كون الصراط المستقيم هادياً موصلاً إليه مطلقاً ومن غير شرط وقيد، ولذلك سمّاه الله تعالى صراطاً مستقيماً، فإن الصراط هو الواضح من الطريق، مأخوذ من سرطت سرطاً إذا بلعت بلعاً، كأنه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ولا يدفعهم عن بطنه، والمستقيم هو الذي يريد أن يقوم على ساق فيتسلط على نفسه وما لنفسه كالقائم الذي هو مسلط على أمره، ويرجع المعنى إلى أنه الذي لا يتغير أمره ولا يختلف شأنه، فالصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته وإيصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى:
{ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً } [النساء: 175]. أي لا يتخلف أمر هذه الهداية، بل هي على حالها دائماً، وقال تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيماً } [الأنعام: 125-126]. أي هذه طريقته التي لا يختلف ولا يتخلف، وقال تعالى: { قال هذا صراط عليَّ مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاَّ من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 41-42]. أي هذه سنَّتي وطريقتي دائماً من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله: { فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً } [فاطر: 43]. وقد تبيّن مما ذكرناه في معنى الصراط المستقيم أُمور.
أحدها: أن الطرق إلى الله مختلفة كمالاً ونقصاً وغلاءً ورخصاً، في جهة قربها من منبع الحقيقة والصراط المستقيم كالإِسلام والإِيمان والعبادة والإِخلاص والإِخبات، كما أن مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود والطغيان والمعصية كذلك، قال سبحانه:
{ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون } [الأحقاف: 19] وهذا نظير المعارف الإِلهية التي تتلقاها العقول من الله فإنها مختلفة باختلاف الاستعدادات ومتلونة بألوان القابليات على ما يفيده المثل المضروب في قوله تعالى: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } [الرعد: 17]الآية.
وثانيها: أنه كما أن الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل، فكذلك أصحابه الذين مكنهم الله تعالى فيه وتولى أمرهم وولاهم أمر هداية عباده حيث قال:
{ وحسن أولئك رفيقاً } [النساء: 69]. وقال تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاه وهم راكعون } [المائدة: 55]. والآية نازلة في أمير المؤمنين علي عليه السلام بالأخبار المتواترة وهو عليه السلام أول فاتح لهذا الباب من الأمة وسيجيء تمام الكلام في الآية.
وثالثها: أن الهداية إلى الصراط يتعين معناها بحسب تعيّن معناه، وتوضيح ذلك أن الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، وفيه أن تعديتها لمفعولين لغة أهل الحجاز، وغيرهم يعدونه إلى المفعول الثاني بإلى، وقوله هو الظاهر، وما قيل: إن الهداية إذا تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الإِيصال إلى المطلوب، وإذا تعدت بإلى فبمعنى إراءة الطريق، مستدلاً بنحو قوله تعالى:
{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [القصص: 56] حيث أن هدايته بمعنى إراءة الطريق ثابتة فالمنفى غيرها وهو الإِيصال إلى المطلوب قال تعالى: { وهديناهم صراطاً مستقيماً } [النساء: 69]. وقال تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } [الشورى: 52]. فالهداية بالإِيصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، والهداية بإراءة الطريق بإلى، وفيه أن النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية التي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها أصلاً، وبعبارة أُخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة، مضافاً إلى أنه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: { يا قوم اتبعونِ أهدكم سبيل الرشاد } [غافر: 38]. فالحق أنه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، ومن الممكن أن يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار.
وبالجملة فالهداية هي الدلالة وإراءة الغاية بإراءة الطريق وهي نحو إيصال إلى المطلوب، وإنما تكون من الله سبحانه، وسنته سنة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره، وقد بيَّنه الله سبحانه بقوله:
{ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام } [الأنعام: 125]. وقوله: { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء } [الزمر: 23]. وتعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمئنان، فهو إيجاده تعالى وصفاً في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه، وكما أن سبله تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به.
وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى:
{ والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } [العنكبوت: 69]. إذ فرق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله، وبين أن يجاهد في الله، فالمجاهد في الأول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فإنه إنما يريد وجه الله فيمده الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به، وكذا يمده الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلّت عظمته.
ورابعها: أن الصراط المستقيم لما كان أمراً محفوظاً في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها، صح أن يهدي الله الإِنسان إليه وهو مهدي فيهديه من الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهديه إلى سبيل من سبله ثم يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أن قوله تعالى: {اهدنا الصراط} (وهو تعالى يحكيه عمّن هداه بالعبادة) من هذا القبيل، ولا يرد عليه: أن سؤال الهداية ممن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال، وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلق به سؤال، والجواب ظاهر.
وكذا الإِيراد عليه: بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع الأمم السابقة، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الذين أنعم الله عليهم منهم؟ وذلك أن كون شريعة أكمل من شريعة أمٌر، وكون المتمسك بشريعة أكمل من المتمسك بشريعة أمر آخر وراءه، فإن المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (مع كون شريعته أكمل وأوسع) ليس بأكمل من نوح وإبراهيم عليهما السلام مع كون شريعتهما أقدم وأسبق، وليس ذلك إلاَّ أن حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكن فيها والتخلق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص وإن كان من أهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممن لم يتمكن من مقام التوحيد ولم تستقر حياة المعرفة في روحه ولم يتمكن نور الهداية الإِلهية من قلبه، وإن كان عاملاً بالشريعة المحمدية التي هي أكمل الشرائع وأوسعها، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية إلى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة التي هي دونها.
ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام، ما ذكره بعض المحققين من أهل التفسير جواباً عن هذه الشبهة: أن دين الله واحد وهو الإِسلام، والمعارف الأصلية وهي التوحيد والنبوّة والمعاد وما يتفرع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع، وإنما مزية هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي أن الأحكام الفرعية فيها أوسع وأشمل لجميع شؤون الحيوة، فهي أكثر عناية بحفظ مصالح العباد، على أن أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الأحسن، ثم أن الدين وإن كان ديناً واحداً والمعارف الكلية في الجميع على السواء، غير أنهم سلكوا سبيل ربهم قبل سلوكنا، وتقدموا في ذلك علينا، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه هذا.
أقول: وهذا الكلام مبنى على أصول في مسلك التفسير مخالفة للأصول التي يجب أن يبتنى مسلك التفسير عليها، فإنه مبني على أن حقائق المعارف الأصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات، وكذا سائر الكمالات الباطنية المعنوية، فأفضل الأنبياء المقربين مع أخس المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجي التكويني على حد سواء، وإنما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعي من غير أن يتكي على تكوين، كما أن التفاضل بين الملك والرعية إنما هو بحسب المقام الجعلي الوضعي من غير تفاوت من حيث الوجود الإِنساني هذا.
ولهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه، وهو القول بأصالة المادة ونفي الأصالة عمّا وراءها والتوقف فيه إلاَّ في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل، وقد وقع في هذه الورطة من وقع، لأحد أمرين: إما القول بالاكتفاء بالحسِّ اعتماداً على العلوم المادية وإما إلغاء التدبر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العامي.
وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الأبحاث العلمية الآتية أن شاء الله تعالى.
وخامسها: أن مزية أصحاب الصراط المستقيم على غيرهم، وكذا صراطهم على سبيل غيرهم، إنما هو بالعلم لا العمل، فلهم من العلم بمقام ربهم ما ليس لغيرهم، إذ قد تبيّن مما مرّ: أن العمل التام موجود في بعض السبل التي دون صراطهم، فلا يبقى لمزيتهم إلاَّ العلم، وأما ما هذا العلم؟ وكيف هو؟ فنبحث عنه إن شاء الله في قوله تعالى:
{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } [الرعد: 17]. ويشعر بهذا المعنى قوله تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11]، وكذا قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } [فاطر: 10]، فالذي يصعد إليه تعالى هو الكلم الطيب وهو الاعتقاد والعلم، وأما العمل الصالح فشأنه رفع الكلام الطيب والامداد دون الصعود إليه تعالى، وسيجيء تمام البيان في البحث عن الآية.
(بحث روائي)
في الكافي عن الصادق عليه السلام في معنى العبادة قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفاً، فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله عزّ وجل حباً، فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة.
وفي نهج البلاغة: أن قوماً عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار.
وفي العلل والمجالس والخصال، عن الصادق عليه السلام: أن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني أعبده حباً له عز وجل فتلك عبادة الكرام، لقوله عزّ وجلّ: {وهم من فزعٍ يومئذٍ آمنون}. ولقوله عزّ وجلّ: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، فمن أحب الله عزّ وجلَّ أحبه، ومن أحبه الله كان من الآمنين، وهذا مقام مكنون لا يمسه إلاَّ المطهرون.
أقول: وقد تبيّن معنى الروايات مما مرّ من البيان، وتوصيفهم عليهم السلام عبادة الأحرار تارة بالشكر وتارة بالحب، لكون مرجعهما واحداً، فإن الشكر وضع الشيء المنعم به في محله، والعبادة شكرها أن تكون لله الذي يستحقها لذاته، فيعبد الله لأنه الله، أي لأنه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته، فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته، فليس الحب إلاَّ الميل إلى الجمال والانجذاب نحوه، فقولنا فيه تعالى هو معبود لأنه هو، وهو معبود لأنه جميل محبوب، وهو معبود لأنه منعم مشكور بالعبادة يرجع جميعها إلى معنى واحد.
وروي بطريق عامي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {إِيَّاك نعبد} الآية، يعني: لا نريد منك غيرك ولا نعبدك بالعوض والبدل: كما يعبدك الجاهلون بك المغيبون عنك.
أقول: والرواية تشير إلى ما تقدم، من استلزام معنى العبادة للحضور وللإِخلاص الذي ينافي قصد البدل.
وفي تحف العقول عن الصادق عليه السلام في حديث: ومن زعم أنه يعبد بالصفة لا بالإِدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لأن الصفة غير الموصوف، ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر بالكبير، وما قدروا الله حق قدره. الحديث.
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام في معنى قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} يعني أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنّتك، والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك.
وفي المعاني أيضاً عن علي عليه السلام: في الآية، يعني، أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.
أقول: والروايتان وجهان مختلفان في الجواب عن شهبة لزوم تحصيل الحاصل من سؤال الهداية للمهدي، فالرواية الأولى ناظرة إلى اختلاف مراتب الهداية مصداقاً والثانية إلى اتحادها مفهوماً.
وفي المعاني أيضاً عن علي عليه السلام: الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنّة.
وفي المعاني أيضاً عن علي عليه السلام: في معنى {صراط الذين} الآية: أي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، لا بالمال والصحة، فإنهم قد يكونون كفاراً أو فساقاً، قال: وهم الذين قال الله:
{ ومن يطع الله والرسول فأُؤلئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً } [النساء: 69]. وفي العيون عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "قال الله عزّ وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: {بسم الله الرَّحمن الرَّحيم} قال الله جلَّ جلاله بدأ عبدي باسمي، وحق عليَّ أن أتمم له أموره، وأبارك له في أحواله، فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله جلَّ جلاله: حمدني عبدي، وعلم أن النعم التي له من عندي وأن البلايا التي دفعت عنه بتطولي، أشهدكم أني أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، وإذا قال: {الرَّحمن الرَّحيم}، قال الله جلَّ جلاله: شهد لي عبدي أني الرَّحمن الرَّحيم أُشهدكم لأوفرن من رحمتي حظه ولأجزلن من عطائي نصيبه، فإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال الله تعالى: أُشهدكم، كما اعترف بأني أنا المالك يوم الدين، لأسهلن يوم الحساب حسابه، ولأتقبلن حسناته ولأتجاوزن عن سيئآته، فإذا قال: {إِيَّاك نعبد}، قال الله عزّ وجلَّ: صدق عبدي، إياى يعبد أُشهدكم لأثيبنه على عبادته ثواباً يغبطه كل من خالفه في عبادتة لي، فإذا قال: {وإِيَّاك نستعين}، قال الله تعالى: بي استعان عبدي وإليَّ التجأ، أُشهدكم لأعيننه على أمره، ولأغيثنه في شدائده ولآخذن بيده يوم نوائبه، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم}، إلى آخر السورة، قال الله عزّ وجلَّ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، وقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمّل وآمنته مما منه وجل"
]. أقول: وروى قريباً منه الصدوق في العلل عن الرضا عليه السلام، والرواية كما ترى تُفسر سورة الفاتحة في الصلاة فهي تؤيد ما مرّ مراراً أن السورة كلام له سبحانه بالنيابة عن عبده في ما يذكره في مقام العبادة وإظهار العبودية من الثناء لربه وإظهار عبادته، فهى سورة موضوعة للعبادة، وليس في القرآن سورة تناظرها في شأنها وأعني بذلك:
أولاً: أن السورة بتمامها كلام تكلم به الله سبحانه في مقام النيابة عن عبده فيما يقوله إذا وجه وجهه إلى مقام الربوبية ونصب نفسه في مقام العبودية.
وثانياً: أنها مقسمة قسمين، فنصف منها لله ونصف منها للعبد.
وثالثاً: أنها مشتملة على جميع المعارف القرآنية على إيجازها واختصارها، فإن القرآن على سعته العجيبة في معارفه الأصلية وما يتفرع عليها من الفروع من أخلاق وأحكام في العبادات والمعاملات والسياسات والاجتماعيات ووعد ووعيد وقصص وعبر، يرجع جمل بياناتها إلى التوحيد والنبوة والمعاد وفروعاتها، وإلى هداية العباد إلى ما يصلح به أولاهم وعقباهم، وهذه السورة كما هو واضح تشتمل على جميعها في أوجز لفظ وأوضح معنى.
وعليك أن تقيس ما يتجلى لك من جمال هذه السورة التي وضعها الله سبحانه في صلاة المسلمين بما يضعه النصارى في صلاتهم من الكلام الموجود في إنجيل متى: (6 - 9 - 13) وهو ما نذكره بلفظه العربي، "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا، أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجّنا من الشرير آمين".
تأمل في المعاني التي تفيدها ألفاظ هذه الجمل بعنوان أنها معارف سماوية، وما تشتمل عليه من الأدب العبودي، إنها تذكر أولاً: أن أباهم (وهو الله تقدس اسمه) في السماوات!! ثم تدعو في حق الأب بتقدس اسمه وإتيان ملكوته ونفوذ مشيئته في الأرض كما هي نافذة في السماء، ولكن من الذي يستجيب هذا الدعاء الذي هو بشعارات الأحزاب السياسية أشبه؟ ثم تسأل الله إعطاء خبز اليوم ومقابلة المغفرة بالمغفرة، وجعل الاغماض عن الحق في مقابل الاغماض، وماذا هو حقهم لو لم يجعل الله لهم حقاً؟ وتسأله أن لا يمتحنهم بل ينجيهم من الشرير، ومن المحال ذلك، فالدار دار الامتحان والاستكمال وما معنى النجاة لولا الابتلاء والامتحان؟.
ثم العجب مما ذكره بعض المستشرقين من علماء الغرب وتبعه بعض من المنتحلين: أن الإِسلام لا يربو على غيره في المعارف، فإن جميع شرائع الله تدعو إلى التوحيد وتصفية النفوس بالخلق الفاضل والعمل الصالح، وإنما تتفاضل الأديان في عراقة ثمراتها الاجتماعية!!
(بحث آخر روائي)
في الفقيه وتفسير العيّاشي عن الصادق عليه السلام قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام.
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام قال: هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو الإِمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمُه في الآخرة فتردى في نار جهنم.
وفي المعاني أيضاً عن السجاد عليه السلام قال: ليس بين الله وبين حُجّته حجابٌ، ولا لله دون حجته سترٌ، نحن أبواب الله ونحن الصراط المستقيم ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه ونحن أركان توحيده ونحن موضع سره.
وعن ابن شهراشوب عن تفسير وكيع بن الجراح عن الثوري عن السّدي، عن اسباط ومجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}، قال: قولوا معاشر العباد! أرشدنا إلى حب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.
أقول: وفي هذه المعاني روايات أُخَر، وهذه الأخبار من قبيل الجري، وعد المصداق للآية، واعلم أن الجري (وكثيراً ما نستعمله في هذا الكتاب) اصطلاحٌ مأخوذ من قول أئمة أهل البيت عليهم السلام.
ففي تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الرواية، ما في القرآن آيةٌ إلاَّ ولها ظهر وبطن وما فيها حرفٌ إلاَّ وله حدٌّ، ولكل حدٍ مُطَّلَعٌ؛ ما يعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بَعدُ، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلما جاء منه شيء وقع؛ الحديث.
وفي هذا المعنى روايات أُخَر، وهذه سليقة أئمه أهل البيت فإنهم عليهم السلام يُطبقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وان كان خارجاً عن مورد النزول، والاعتبار يساعده، فإن القرآن نُزِّلَ هدىً للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخلق وواجب العمل، وما بيَّنه من المعارف النظرية حقائق لا تختص بحال دون حال ولا زمان دون زمان، وما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو شرعه من حكم عملي لا يتقيد بفرد دون فرد ولا عصر دون عصر لعموم التشريع.
وما ورد من شأن النزول (وهو الأمر أو الحادثة التي تعقب نزول آية أو آيات في شخص أو واقعة) لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها لأن البيان عامٌّ والتعليل مطلقٌ، فإن المدح النازل في حق أفراد من المؤمنين أو الذم النازل في حق آخرين معللاً بوجود صفات فيهم، لا يمكن قصرُهما على شخص مورد النزول مع وجود عين تلك الصفات في قوم آخر بعدهم وهكذا، والقرآن أيضاً يدل عليه، قال تعالى:
{ يهدي به الله من اتبع رضوانه } [المائدة: 16] وقال: { وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } [فصلت: 41-42]. وقال تعالى: { إنَّا نحن نزّلنا الذِّكر وإنا له لحافظون } [الحجر: 9]. والرواياتُ في تطبيق الآيات القرآنية عليهم (ع) أو على اعدائهم أعني: روايات الجري، كثيرةٌ في الأبواب المختلفة، وربما تبلغ المئين، ونحن بعد هذا التنبيه العام نترك إيراد أكثرها في الأبحاث الروائية لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلاَّ ما تعلّق بها غرض في البحث فليتذكر.