التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
١٠٣
وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ
١٠٤
وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
١٠٥
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ
١٠٦
أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
١٠٧
قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٠٨
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠٩
حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١١٠
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١١١
-يوسف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات خاتمة السورة يذكر فيها أن الإِيمان الكامل وهو التوحيد الخالص عزيز المنال لا يناله إلا قليل من الناس وأما الأكثرون فليسوا بمؤمنين ولو حرصت بإيمانهم واجتهدت في ذلك جهدك، والأقلون وهم المؤمنون ما لهم إلا إيمان مشوب بالشرك فلا يبقى للإِيمان المحض والتوحيد الخالص إلا أقل قليل.
وهذا التوحيد الخالص هو سبيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يدعو إليه على بصيرة هو ومن اتبعه، وأن الله ناصره ومنجي من اتبعه من المؤمنين من المهالك التي تهدد توحيدهم وإيمانهم وعذاب الاستئصال الذي سيصيب المشركين كما كان ذلك عادة الله في أنبيائه الماضين كما يظهر من قصصهم.
وفي قصصهم عبرة وبيان للحقائق وهدى ورحمة للمؤمنين.
قوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} أي ليس من شأن أكثر الناس لانكبابهم على الدنيا وانجذاب نفوسهم إلى زينتها وسهوهم عما أُودع في فطرهم من العلم بالله وآياته أن يؤمنوا به، ولو حرصت وأحببت إيمانهم، والدليل على هذا المعنى الآيات التالية.
قوله تعالى: {وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين} الواو حالية أي ما هم بمؤمنين والحال أنك ما تسألهم على إيمانهم أو على هذا القرآن الذي ننزله عليك وتتلوه عليهم من أجر حتى يصدهم الغرامة المالية وإنفاق ما يحبونه من المال عن قبول دعوته والإِيمان به.
وقوله: {إن هو إلا ذكر للعالمين} بيان لشأن القرآن الواقعي وهو أنه ممحض في أنه ذكر للعالمين يذكرون به ما أودع الله في قلوب جماعات البشر من العلم به وبآياته فما هو إلا ذكر يذكرون به ما أنستهم الغفلة والإِعراض وليس من الأمتعة التي يكتسب بها الأموال أو ينال بها عزة أو جاه أو غير ذلك.
قوله تعالى: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} الواو حالية ويحتمل الاستئناف والمرور على الشيء هو موافاته ثم تركه بموافاة ما وراءه فالمرور على الآيات السماوية والأرضية مشاهدتها واحدة بعد أُخرى.
والمعنى أن هناك آيات كثيرة سماوية وأرضية تدل بوجودها والنظام البديع الجاري فيها على توحيد ربهم وهم يشاهدونها واحدة بعد أُخرى فتتكرر عليهم والحال أنهم معرضون عنها لا يتنبهون.
ولو حمل قوله: {يمرون عليها} على التصريح دون الكناية كان من الدليل على ما يبتني عليه الهيئة الحديثة من حركة الأرض وضعاً وانتقالاً فإنا نحن المارون على الأجرام السماوية بحركة الأرض الانتقالية والوضعية لا بالعكس على ما يخيل إلينا في ظاهر الحس.
قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} الضمير في {أكثرهم} راجع إلى الناس باعتبار إيمانهم أي أكثر الناس ليسوا بمؤمنين وإن لم تسألهم عليه أجراً وإن كانوا يمرون على الآيات السماوية والأرضية على كثرتها والذين آمنوا منهم - وهم الأقلون - ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم متلبسون بالشرك.
وتلبس الإِنسان بالإِيمان والشرك معاً مع كونهما معنيين متقابلين لا يجتمعان في محل واحد نظير تلبسه بسائر الاعتقادات المتناقضة والأخلاق المتضادة إنما يكون من جهة كونها من المعاني التي تقبل في نفسها القوة والضعف فتختلف بالنسبة والإِضافة كالقرب والبعد فإن القرب والبعد المطلقين لا يجتمعان إلا أنهما إذا كانا نسبيين لا يمتنعان الاجتماع والتصادق كمكة فإنها قريبة بالنسبة إلى المدينة بعيدة بالنسبة إلى الشام، وكذا هي بعيدة من الشام إذا قيست إلى المدينة قريبة منه إذا قيست إلى بغداد.
والإِيمان بالله والشرك به وحقيقتهما تعلق القلب بالله بالخضوع للحقيقة الواجبية وتعلق القلب بغيره تعالى مما لا يملك شيئاً إلا بإذنه تعالى يختلفان بحسب النسبة والإِضافة فإن من الجائز أن يتعلق الإِنسان مثلاً بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة وينسى مع ذلك كل حق وحقيقة، ومن الجائز أن ينقطع عن كل ما يصد النفس ويشغلها عن الله سبحانه ويتوجه بكله إليه ويذكره ولا يغفل عنه فلا يركن في ذاته وصفاته إلا إليه ولا يريد إلا ما يريده كالمخلصين من أوليائه تعالى.
وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه وهى التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع، ومن الدليل على ذلك الأخلاق والصفات المتمكنة في النفوس التي تخالف مقتضى ما تعتقده من حق أو باطل، والأعمال الصادرة منها كذلك ترى من يدعى الإِيمان بالله يخاف وترتعد فرائصه من أي نائبة أو مصيبة تهدده وهو يذكر أن لا قوة إلا بالله، ويلتمس العزة والجاه من غيره وهو يتلو قوله تعالى: {إن العزة لله جميعاً} ويقرع كل باب يبتغي الرزق وقد ضمنه الله، ويعصي الله ولا يستحيي وهو يرى أن ربه عليم بما في نفسه سميع لما يقول بصير بما يعمل ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وعلى هذا القياس.
فالمراد بالشرك في الآية بعض مراتبه الذي يجامع بعض مراتب الإِيمان وهو المسمى باصطلاح فن الأخلاق بالشرك الخفي.
فما قيل: إن المراد بالمشركين في الآية مشركو مكة في غير محله، وكذا ما قيل: إنهم المنافقون، وهو تقييد لإطلاق الآية من غير مقيد.
قوله تعالى: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون} الغاشية صفة سادة مسد الموصوف المحذوف لدلالة كلمة العذاب عليه، والتقدير عقوبة غاشية تغشاهم وتحيط بهم.
والبغتة الفجأة. وقوله: {وهم لا يشعرون} حال من ضمير الجمع أي تفاجئهم الساعة في إتيانها والحال أنهم لا يشعرون بإتيانها لعدم مسبوقيتها بعلامات تعين وقتها وتشخص قيامها والاستفهام للتعجيب، والمعنى أن أمرهم في إعراضهم عن آيات السماء والأرض وعدم إخلاصهم الإِيمان لله وتماديهم في الغفلة عجيب أفامنوا عذاباً من الله يغشاهم أو ساعة تفاجئهم وتبهتهم؟.
قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} لما ذكر سبحانه أن محض الإِيمان به وإخلاص التوحيد له عزيز المنال وهو الحق الصريح الذي تدل عليه آيات السماوات والأرض أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لهم أن سبيله هو الدعاء إلى هذا التوحيد على بصيرة.
فقوله: {هذه سبيلي} إعلان لسبيله، وقوله: {أدعوا إلى الله على بصيرة} بيان للسبيل، وقوله: {وسبحان الله} اعتراض للتنزيه، وقوله: {وما أنا من المشركين} تأكيد لمعنى الدعوة إلى الله بيان أن هذه الدعوة ليست دعوة إليه تعالى كيف كان بل دعوة على أساس التوحيد الخالص لا معدل عنه إلى شرك أصلاً.
وأما قوله: {أنا ومن اتبعني} فتوسعة وتعميم لحمل الدعوة وأن السبيل وإن كانت سبيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مختصة به لكن حمل الدعوة والقيام به لا يختص به بل من اتبعه صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بها لنفسه.
لكن السياق يدل على أن الإِشراك ليس بذاك العموم الذي يتراءى من لفظ {من اتبعني} فإن السبيل التي تعرفها الآية هي الدعوة عن بصيرة ويقين إلى إيمان محض وتوحيد خالص وإنما يشاركه صلى الله عليه وآله وسلم فيها من كان مخلصاً لله في دينه عالماً بمقام ربه ذا بصيرة ويقين وليس كل من صدق عليه أنه اتبعه على هذا النعت، ولا أن الاستواء على هذا المستوى مبذول لكل مؤمن حتى الذين عدهم الله سبحانه في الآية السابقة من المشركين وذمهم بأنهم غافلون عن ربهم آمنون من مكره معرضون عن آياته، وكيف يدعو إلى الله من كان غافلاً عنه آمناً من مكره معرضاً عن آياته وذكره؟ وقد وصف الله في آيات كثيرة أصحاب هذه النعوت بالضلال والعمى والخسران ولا تجتمع هذه الخصال بالهداية والارشاد البتة.
قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} إلى آخر الآية، لما ذكر سبحانه حال الناس في الإِيمان به ثم حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إياهم عن رسالة إلهية من غير أن يسألهم فيها أجراً ويجر لنفسه نفعاً بين أن ذلك ليس ببدع من الأمر بل مما جرت عليه السنة الإِلهية في الدعوة الدينية فلم يكن الرسل الماضون ملائكة وإنما بعثوا من بين هؤلاء الناس وكانوا رجالاً من أهل القرى يخالطون الناس ويعرفون عندهم أوحى الله إليهم وأرسلهم نحوهم يدعونهم إليه كما أن النبي كذلك، ومن الممكن أن يسير هؤلاء المدعوون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم فبلادهم الخربة ومساكنهم الخالية تفصح عما آل إليه أمرهم، وتنبئ عن عاقبة كفرهم وجحودهم وتكذيبهم لآيات الله.
فالنبى صلى الله عليه وآله وسلم لا يدعوهم إلا كما كان يدعوهم الأنبياء من قبله، وليس يدعوهم إلا إلى ما فيه خيرهم وصلاح حالهم وهو أن يتقوا الله فيفلحوا ويفوزوا بسعادة خالدة ونعيم مقيم في دار باقية ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون.
فقوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} تطبيق لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على دعوة من قبله من الرسل. ولعل توصيفهم بأنهم كانوا من أهل القرى للدلالة على أنهم كانوا من أنفسهم يعيشون بينهم ومعروفين عندهم بالمعاشرة والمخالطة ولم يكونوا ملائكة ولا من غير أنفسهم، ويؤيد ذلك توصيفهم بأنهم كانوا رجالاً فإن الرجال كانوا اقرب إلى المعرفة من النساء ذوات الخدر.
وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} إنذار لأُمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل ما أُنذر به الأُمم الخالية فلم يسمعوا فذاقوا وبال أمرهم.
وقوله: {ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون} بيان النصح وأن ما يدعون إليه وهو التقوى ليس وراءه إلا ما فيه كل خيرهم وجماع سعادتهم.
قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} إلى آخر الآية ذكروا أن يئس واستيأس بمعنى، ولا يبعد أن يقال: إن الاستيئاس هو الاقتراب من اليأس بظهور آثاره لمكان هيئة الاستفعال وهو مما يعد يأساً عرفاً وليس باليأس القاطع حقيقة.
وقوله {حتى إذا استيأس} الخ متعلق الغاية بما يتحصل من الآية السابقة والمعنى تلك الرسل الذين كانوا رجالاً أمثالك من أهل القرى وتلك قراهم البائدة دعوهم فلم يستجيبوا وأنذروهم بعذاب الله فلم ينتهوا حتى إذا استيأس الرسل من إيمان أولئك الناس، وظن الناس أن الرسل قد كذبوا أي أخبروا بالعذاب كذباً جاء نصرنا {فنجيء} بذلك {من نشاء} وهم المؤمنون {ولا يرد بأسنا} أي شدتنا عن {القوم المجرمين}.
أما استيئاس الرسل من إيمان قومهم فكما أُخبر في قصة نوح:
{ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } } [هود: 36] { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً } } [نوح: 26ـ27] ويوجد نظيره في قصص هود وصالح وشعيب وموسى وعيسى عليهم السلام.
وأما ظن أُممهم أنهم قد كذبوا فكما أخبر عنه في قصة نوح من قولهم:
{ بل نظنكم كاذبين } [هود: 27]، وكذا في قصة هود وصالح وقوله: { فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً } } [الإسراء: 101]. وأما تنجية المؤمنين بالنصر فكقوله تعالى: { وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } [الروم: 47] وقد أخبر به في هلاك بعض الأُمم أيضاً كقوله: { نجينا هوداً والذين آمنوا معه } [هود: 58] { نجينا صالحاً والذين آمنوا معه } [هود: 66] { نجينا شعيباً والذين آمنوا معه } [هود: 94]، إلى غير ذلك.
وأما أن بأس الله لا يرد عن المجرمين فمذكور في آيات كثيرة عموماً وخصوصاً كقوله:
{ ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } [يونس: 47] وقوله: { وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } [الرعد: 11] إلى غير ذلك من الآيات.
هذا أحسن ما أوردوه في الآية من المعاني، والدليل عليه كون الآية بمضمونها غاية لما تتضمنه سابقتها كما قدمناه، وقد أوردوا لها معاني أُخرى لا يخلو شيء منها من السقم والإِضراب عنها أوجه.
قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب} إلى آخر الآية قال الراغب أصل العبر تجاوز من حال إلى حال فأما العبور فيختص بتجاوز الماء - إلى أن قال - والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد قال تعالى: {إن في ذلك لعبرة. انتهى.
والضمير في قصصهم للأنبياء ومنهم يوسف صاحب القصة في السورة، واحتمل رجوعه إلى يوسف وإخوته والمعنى أقسم لقد كان في قصص الأنبياء أو يوسف وإخوته عبرة لأصحاب العقول، ما كان القصص المذكور في السورة حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يدي القرآن، وهو التوراة المذكور فيها القصة يعني توراة موسى عليه السلام.
وقوله: {وتفصيل كل شيء} الخ أي بياناً وتمييزاً لكل شيء مما يحتاج إليه الناس في دينهم الذي عليه بناء سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهدى إلى السعادة والفلاح ورحمة خاصة من الله سبحانه لقوم يؤمنون به فإنه رحمة من الله لهم يهتدون بهدايته إلى صراط مستقيم.
(بحث روائي)
في تفسير القمي بإسناده عن الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام: في قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: شرك طاعة وليس شرك عبادة، والمعاصي التي يرتكبون فهى شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله الطاعة لغيره وليس باشراك عبادة أن يعبدوا غير الله.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام قال: شرك لا يبلغ به الكفر.
وفيه عن مالك بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام: في الآية قال: هو الرجل يقول: لولا فلان لهلكت ولولا فلان لأصبت كذا وكذا ولضاع عيالي ألا ترى أنه جعل لله شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه؟ قال: قلت: فيقول: لولا أن من الله علي بفلان لهلكت قال: نعم لا بأس بهذا.
وفيه عن زرارة قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: من ذلك قول الرجل: لا وحياتك.
أقول: يعني القسم بغير الله لما فيه من تعظيمه بما لا يستحقه بذاته والأخبار في هذه المعاني كثيرة.
وفي الكافي بإسناده عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر عليه السلام: في قوله: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والأوصياء من بعدهما.
وفيه بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام: في الآية قال: يعني علي أول من اتبعه على الإِيمان والتصديق له وبما جاء به من عند الله عز وجل من الأُمة التي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق ممن لم يشرك بالله قط ولم يلبس إيمانه بظلم وهو الشرك.
أقول: والروايتان تؤيدان ما قدمناه في بيان الآية وفي معناهما روايات، ولعل ذكر المصداق من باب التطبيق.
وفيه بإسناده عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: {سبحان الله} ما يعني به؟ قال: أنفة لله.
وفيه بإسناده عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عز وجل: {سبحان الله} قال: تنزيه.
وفي المعاني بإسناده عن السيار عن الحسن بن علي عن آبائه عن الصادق عليهم السلام في حديث قال فيه مخاطباً: أو لست تعلم أن الله تعالى لم يخل الدنيا قط من نبي أو إمام من البشر؟ أو ليس الله تعالى يقول: {وما أرسلنا من قبلك} يعنى إلى الخلق {إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الأرض فيكونوا أئمة وحكاماً وإنما أُرسلوا إلى الأنبياء.
وفي العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فقال له المأمون: يابن رسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى وذكر الحديث إلى أن قال فيه - قال المأمون لأبي الحسن: فأخبرني عن قول الله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} قال الرضا: يقول الله: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم فظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا.
أقول: وهو يؤيد ما قدمناه في بيان الآية، وما في بعض الروايات أن الرسل ظنوا أن الشيطان تمثل لهم في صورة الملائكة لا يعتمد عليه.
وفي تفسير العياشي عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف لم يخف رسول الله فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟ قال: فقال: إن الله إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار وكان الذي يأتيه من الله مثل الذي يراه بعينه.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم عن أبي حمزة الجزري قال: صنعت طعاماً فدعوت ناساً من أصحابنا منهم سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله كيف تقرء هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فقال الضحاك: لو رحلت في هذه إلى اليمن لكان قليلاً.