التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ
٣٥
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٦
قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
٣٧
وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
٣٨
يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ
٣٩
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٠
يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
٤١
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
٤٢
-يوسف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتضمن الآيات شطراً من قصته عليه السلام وهو دخوله السجن ومكثه فيه بضع سنين وهو مقدمة تقربه التام عند الملك ونيله عزة مصر، وفيه دعوته في السجن إلى دين التوحيد، وقد جاء ببيان عجيب، وإظهاره لأول مرة أنه من أُسرة إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
قوله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} البداء هو ظهور رأى بعد ما لم يكن يقال؟ بدا لي في أمر كذا أي ظهر لي فيه رأى جديد، والضمير في قوله: {لهم} إلى العزيز وامرأته ومن يتلوهما من أهل الاختصاص وأعوان الملك والعزة.
والمراد بالآيات الشواهد والأدلة الدالة على براءة يوسف عليه السلام وطهارة ذيله مما اتهموه به كشهادة الصبى وقدّ القميص من خلفه واستباقهما الباب معاً، ولعل منها تقطيع النسوة أيديهن برؤيته واستعصامه عن مراودتهن إياه عن نفسه واعتراف امراة العزيز لهن أنها راودته عن نفسه فاستعصم.
وقوله: {ليسجننه} اللام فيه للقسم أي أقسموا وعزموا ليسجننه البتة، وهو تفسير للرأى الذي بدا لهم، ويتعلق به قوله: {حتى حين} ولا يخلو من معنى الانتظار بالنظر إلى قطع حين عن الإِضافة والمعنى على هذا ليسجننه حتى ينقطع حديث المراودة الشائع في المدينة وينساه الناس.
ومعنى الآية: ثم ظهر للعزيز ومن يتلوه من امرأته وسائر مشاوريه رأي جديد في يوسف من بعد ما رأوا هذه الآيات الدالة على براءته وعصمته وهو أن يسجنوه حيناً من الزمان حتى ينسى حديث المراودة الذي يجلب لهم العار والشين وأقسموا على ذلك.
ويظهر بذلك أنهم إنما عزموا على ذلك لمصلحة بيت العزيز وصوناً لأُسرته عن هوأن التهمة والعار، ولعل من غرضهم أن يتحفظوا على أمن المدينة العام ولا يخلوا الناس وخاصة النساء أن يفتتنوا به فإن هذا الحسن الذي أو له امرأة العزيز والسيدات من شرفاء المدينة وفعل بهم ما فعل من طبعه أن لا يلبث دون أن يقيم في المدينة بلوى.
لكن الذي يظهر من قوله في السجن لرسول الملك: {إرجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} إلى آخر ما قال، ثم قول الملك لهن: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، وقولهن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء ثم قول امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، كل ذلك يدل على أن المراة ألبست الأمر بعد على زوجها وأرابته في براءة يوسف عليه السلام فاعتقد خلاف ما دلت عليه الآيات أو شك في ذلك، ولم يكن ذلك إلا عن سلطة تامة منها عليه وتمكن كامل من قلبه ورأيه.
وعلى هذا فقد كان سجنه بتوسل أو بأمر منها لتدفع بذلك تهمة الناس عن نفسها وتؤدب يوسف لعله ينقاد لها ويرجع إلى طاعتها فيما كانت تأمره به كما هددته به بمحضر من النسوة بقولها: {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين}.
قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان} إلى آخر الآية الفتى العبد وسياق الآيات يدل على أنهما كانا عبدين من عبيد الملك، وقد وردت به الروايات كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً} فصل قوله: {قال أحدهما} للدلالة على الفصل بين حكاية الرؤيا وبين الدخول كما يشعر به ما في السياق من قوله: {أراني} وخطابه له بصاحب السجن.
وقوله: {أراني} لحكاية الحال الماضية كما قيل، وقوله: {أعصر خمراً} أي أعصر عنباً كما يعصر ليتخذ خمراً فقد سمى العنب خمراً باعتبار ما يؤول إليه.
والمعنى أصبح أحدهما وقال ليوسف عليه السلام إنى رأيت فيما يرى النائم أني أعصر عنباً للخمر.
وقوله: {وقال الآخر إني أرانى أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه} أي تنهشه وهى رؤيا أُخرى ذكرها صاحبه. وقوله: {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} أي قالا نبئنا بتأويله فاكتفى عن ذكر الفعل بقوله: {قال} {وقال} وهذا من لطائف تفنن القرآن، والضمير في قوله: {بتأويله} راجع إلى ما يراه المدلول عليه بالسياق، وفي قوله: {إنا نراك من المحسنين} تعليل لسؤالهما التأويل و {نراك} أي نعتقدك من المحسنين لما نشاهد فيك من سيماهم، وإنما أقبلا عليه في تأويل رؤياهما لإِحسانه، لما يعتقد عامة الناس أن المحسنين الأبرار ذوو قلوب طاهرة ونفوس زاكية فهم ينتقلون إلى روابط الأمور وجريان الحوادث انتقالاً أحسن وأقرب إلى الرشد من انتقال غيرهم.
والمعنى: قال أحدهما ليوسف: إني رأيت فيما يرى النائم كذا وقال الآخر:إني رأيت كذا، وقالا له: أخبرنا بتأويل ما رآه كل منا لأنا نعتقد أنك من المحسنين، ولا يخفى لهم أمثال هذه الأُمور الخفية لزكاء نفوسهم وصفاء قلوبهم.
قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} لما أقبل صاحبا السجن على يوسف عليه السلام في سؤاله عن تأويل رؤيا رأياها عن حسن ظن به من جهة ما كانا يشاهدان منه سيماء المحسنين اغتنم عليه السلام الفرصة في بث ما عنده من أسرار التوحيد والدعوة إلى ربه سبحانه الذي علمه ذلك فأخبرهما أنه عليم بذلك بتعليم من ربه خبير بتأويل الأحاديث وتوسل بذلك إلى الكشف عن سر التوحيد ونفي الشركاء ثم أول رؤياهما.
فقال أولاً: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} وأنتما في السجن {إلا نبأتكما بتأويله} أي بتأويل ذاكما الطعام وحقيقته وما يؤول إليه أمره - فأنا خبير بذلك فليكن آية لصدقي فيما أدعوكما إليه من دين التوحيد.
هذا على تقدير عود الضمير في قوله: {بتأويله} إلى الطعام، ويكون عليه إظهاراً منه عليه السلام لآية نبوته نظير قول المسيح عليه السلام لبنى إسرائيل: {وأُنبؤكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}، ويؤيد هذا المعنى بعض الروايات الواردة من طرق أهل البيت عليهم السلام كما سيأتي في بحث روائي إن شاء الله تعالى.
وأما على تقدير عود ضمير {بتأويله} إلى ما رأياه من الرؤيا فقوله: {لا يأتيكما طعام} الخ، وعد منه لهما تأويل رؤياهما ووعد بتسريعه غير أن هذا المعنى لا يخلو من بعد بالنظر الى السياق.
قوله تعالى: {ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} بين عليه السلام أن العلم والتنبؤ بتأويل الأحاديث ليس من العلم العادى الاكتسابى في شيء بل هو مما علمه إياه ربه ثم علل ذلك بتركه ملة المشركين واتباعه ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب أي رفضه دين الشرك وأخذه بدين التوحيد.
والمشركون من أهل الأوثان يعتقدون بالله سبحانه ويثبتون يوم الجزاء بالقول بالتناسخ كما تقدم في الجزء السابق من الكتاب لكن دين التوحيد يحكم أن الذي يقدر له شركاء في التأثير أو في استحقاق العبادة ليس هو الله وكذا عود النفوس بعد الموت بأبدان أُخرى تتنعم فيها أو تعذب ليس من المعاد في شيء، ولذلك نفي عليه السلام عنهم الإيمان بالله وبالآخرة، وأكد كفرهم بالآخرة بتكرار الضمير حيث قال: {وهم بالآخرة هم كافرون} وذلك لأن من لا يؤمن بالله فأحرى به أن لا يؤمن برجوع العباد إليه.
وهذا الذي يقصه الله سبحانه من قول يوسف عليه السلام: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} هو أول ما أنبأ في مصر نسبه وأنه من أهل بيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام.
قوله تعالى: {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي لم يجعل الله سبحانه لنا أهل البيت سبيلاً إلى أن نشرك به شيئاً ومنعنا من ذلك، ذلك المنع من فضل الله ونعمته علينا أهل البيت وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله تعالى بل يكفرون به.
وأما أنه تعالى جعلهم بحيث لا سبيل لهم إلى أن يشركوا به فليس جعل إجبار وإلجاء بل جعل تأييد وتسديد حيث أنعم عليهم بالنبوة والرسالة والله أعلم حيث يجعل الرسالة فاعتصموا بالله عن الشرك ودانوا بالتوحيد.
وأما أن ذلك من فضل الله عليهم وعلى الناس فلأنهم أيدوا بالحق وهو أفضل الفضل والناس في وسعهم أن يرجعوا إليهم فيفوزوا باتباعهم ويهتدوا بهداهم.
وأما أن اكثر الناس لا يشكرون فلأنهم يكفرون بهذه النعمة وهى النبوة والرسالة فلا يعبؤون بها ولا يتبعون أهلها أو لأنهم يكفرون بنعمة التوحيد ويتخذون لله سبحانه شركاء من الملائكة والجن والإِنس يعبدونهم من دون الله.
هذا ما ذكره أكثر المفسرين في معنى الآية.
ويبقى عليه شيء وهو أن التوحيد ونفي الشركاء ليس مما يرجع فيه إلى بيان النبوة فإنه مما يستقل به العقل وتقضى به الفطرة فلا معنى لعده فضلاً على الناس من جهة الاتباع بل هم والأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحد وشرع سواء ولو كفروا بالتوحيد فإنما كفروا لعدم إجابتهم لنداء الفطرة لا لعدم اتباع الأنبياء.
لكن يجب أن يعلم أنه كما أن من الواجب في عناية الله سبحانه أن يجهز نوع الإِنسان مضافاً إلى إلهامه من طريق العقل الخير والشر والتقوى والفجور بما يدرك به أحكام دينه وقوانين شرعه وهو سبيل النبوة والوحي، وقد تكرر توضيحه في أبحاثنا السابقة كذلك من الواجب في عنايته أن يجهز أفراداً منه بنفوس طاهرة وقلوب سليمة مستقيمة على فطرتها الأصلية لازمة لتوحيده ممتنعة عن الشرك به يستبقي به أصل التوحيد عصراً بعد عصر ويحيي به روح السعادة جيلاً بعد جيل، والبرهان عليه هو البرهان على النبوة والوحي فإن الواحد من الإِنسان العادي لا يمتنع عليه الشرك ونسيان التوحيد، والجائز على الواحد جائز على الجميع وفي تلبس الجميع بالشرك فساد النوع في غايته وبطلان الغرض الإِلهى في خلقته.
فمن الواجب أن يكون في النوع رجال متلبسون بإخلاص التوحيد يقومون بأمره ويدافعون عنه وينبهون الناس عن رقدة الغفلة والجهالة بإلقاء حججه وبث شواهده وآياته وبينهم وبين الناس رابطة التعليم والتعلم دون السوق والاتباع.
وهذه النفوس إن كانت فهى نفوس الأنبياء والأئمة عليهم السلام، وفي خلقهم وبعثهم فضل من الله سبحانه عليهم بتعليم توحيده لهم، وعلى الناس بنصب من يذكرهم الحق الذي تقضى به فطرتهم ويدافع عن الحق تجاه غفلتهم وضلالتهم فإن اشتغال الناس بالأعمال المادية ومزاولتهم للأمور الحسية تجذبهم إلى اللذات الدنيوية وتحرضهم على الإِخلاد إلى الأرض فتبعدهم عن المعنويات وتنسيهم ما في فطرهم من المعارف الإِلهية، ولولا رجال متألهون متولهون في الله الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار في كل برهة من الزمان لأُحيطت الأرض بالعماء، وانقطع السبب الموصول بين الأرض والسماء، وبطلت غاية الخلقة، وساخت الأرض بأهلها.
ومن هنا يظهر أن الحق أن تنزل الآية على هذه الحقيقة فيكون معنى الآية: لم يجعل لنا بتأييد من الله سبيل إلى أن نشرك بالله شيئاً، ذلك أي كوننا في أمن من الشرك من فضل الله علينا لأنه الهدى الذي هو سعادة الإِنسان وفوزه العظيم. وعلى الناس لأن في ذلك تذكيرهم إذا نسوا وتنبيههم إذا غفلوا، وتعليمهم إذا جهلوا، وتقويمهم إذا عوجوا ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله بل يكفرون بهذا الفضل فلا يعبؤون به ولا يقبلون عليه بل يعرضون عنه. هذا.
وذكر بعضهم في معنى الآية: إن المشار إليه بقوله: {ذلك من فضل الله علينا} الخ، هو العلم بتأويل الأحاديث. وهو كما ترى بعيد من سياق الآية.
قوله تعالى: {يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} لفظة الخير بحسب الوزن صفة من قولهم: خار يخار خيرة إذا انتخب واختار أحد شيئين يتردد بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه فالخير منهما هو الذي يفضل على الآخر في صفة المطلوبية فيتعين الأخذ به فخير الفعلين هو المطلوب منهما الذي يتعين القيام به وخير الشيئين هو المطلوب منهما من جهة الأخذ به كخير المالين من جهة التمتع به وخير الدارين من جهة سكناها وخير الإِنسانين من جهة مصاحبته، وخير الرأيين من جهة الأخذ به، وخير الإِلهين من جهة عبادته ومن هنا ذكر أهل الأدب أن الخير في الأصل {أخير} أفعل تفضيل، والحقيقة أنه صفة مشبهة تفيد بحسب المادة ما يفيده أفعل التفضيل من الفضل في القياس.
وبما مر يتبين أن قوله عليه السلام: {ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} الخ مسوق لبيان الحجة على تعينه تعالى للعبادة إذا فرض تردد الأمر بينه وبين سائر الأرباب التي تدعى من دون الله لا لبيان أنه تعالى هو الحق الموجود دون غيره من الأرباب أو أنه تعالى هو الإِله الذي تنتهى إليه الأشياء بدءاً وعوداً دونها أو غير ذلك فإن الشيء إنما يسمى خيراً من جهة طلبه وتعيينه بالأخذ به بنحو فقوله عليه السلام: أهو خير أم سائر الأرباب يريد به السؤال عن تعين أحد الطرفين من جهة الأخذ به والأخذ بالرب هو عبادته.
ثم إنه عليه السلام سمى آلهتهم أرباباً متفرقين لأنهم كانوا يعبدون الملائكة وهم عندهم صفات الله سبحانه أو تعينات ذاته المقدسة التي تستند إليها جهات الخير والسعادة في العالم فيفرقون بين الصفات بتنظيمها طولاً وعرضاً ويعبدون كلاً بما يخصه من الشأن فهناك إله العلم وإله القدرة وإله السماء وإله الأرض وإله الحسن وإله الحب وإله الأمن والخصب وغير ذلك، ويعبدون الجن وهم مبادئ الشر في العالم كالموت والفناء والفقر والقبح والألم والغم وغير ذلك، ويعبدون أفراداً كالكملين من الأولياء والجبابرة من السلاطين والملوك وغيرهم، وهم جميعاً متفرقون من حيث أعيانهم ومن حيث أصنامهم والتماثيل المتخذة لهم المنصوبة للتوجه بها إليهم.
وقابل الأرباب المتفرقين بذكر الله عز اسمه ووصفه بالواحد القهار حيث قال: {أم الله الواحد القهار} فالكلمة تفيد بحسب المعنى خلاف ما يفيده قوله: {ءأرباب متفرقون} لضرورة التقابل بين طرفي الترديد.
فالله علم بالغلبة يراد به الذات المقدسة الإِلهية التي هي حقيقة لا سبيل للبطلان إليه ووجود لا يتطرق العدم والفناء إليه، والوجود الذي هذا شأنه لا يمكن أن يفرض له حد محدود ولا أمد ممدود لأن كل محدود فهو معدوم وراء حده، والممدود باطل بعد أمده فهو تعالى ذات غير محدود ووجود غير متناه بحب، وإذا كان كذلك لم يمكن أن يفرض له صفة خارجة عن ذاته مباينة لنفسه كما هو الحال في صفاته لتأدية هذه المغايرة إلى كونه تعالى محدوداً غير موجود في ظرف الصفة وفاقراً لا يجد الصفة في ذاته ولم يمكن أيضاً فرض المغايرة والبينونة بين صفاته الذاتية كالحياة والعلم والقدرة لأن ذلك يؤدي إلى وجود حدود في داخل الذات لا يوجد ما في داخل حد في خارجه فيتغاير الذات والصفات ويتكثر جميعاً ويحد، وهذا كله مما اعترفت به الوثنية على ما بأيدينا من معارفهم.
فمما لا يتطرق إليه الشك عند المثبتين لوجود الإِله سبحانه لو تفطنوا أن الله سبحانه موجود في نفسه ثابت بذاته لا موجود بهذا النعت غيره، وأن ماله من صفات الكمال فهو عينه غير زائد عليه ولا بعض صفات كما له صفات زائد على بعض فهو علم وقدرة وحياة بعينه.
فهو تعالى أحدي الذات والصفات أي إنه واحد في وجوده بذاته ليس قباله شيء إلا موجوداً به لا مستقلاً بالوجود وواحد في صفاته أي ليس هناك صفة له حقيقية إلا أن تكون عين الذات فهو الذي يقهر كل شيء لا يقهره شيء.
والإِشارة إلى هذا كله هي التي دعته عليه السلام أن يصف الله سبحانه بالواحد القهار حيث قال: {أم الله الواحد القهار} أي إنه تعالى واحد لكن لا واحد عددي إذا أُضيف إليه آخر صار اثنين بل واحد لا يمكن أن يفرض قباله ذات إلا وهى موجودة به لا بنفسها ولا أن يفرض قباله صفة له إلا وهى عينه وإلا صارت باطلة كل ذلك لأنه بحث غير محدود بحد ولا منته إلى نهاية.
وقد تمت الحجة على الخصم منه عليه السلام في هذا السؤال بما وصف الأرباب بكونهم متفرقين، وإياه تعالى بالواحد القهار لأن كون ذاته المتعالية واحداً قهاراً يبطل التفرقة - أي تفرقة مفروضة - بين الذات والصفات، فالذات عين الصفات والصفات بعضها عين بعض فمن عبد الذات عبد الذات والصفات ومن عبد علمه فقد عبد ذاته، وإن عبد علمه ولم يعبد ذاته فلم يعبد لا علمه ولا ذاته وعلى هذا القياس.
فإذا فرض تردد العبادة بين أرباب متفرقين وبين الله الواحد القهار تعالى وتقدس تعينت عبادته دونهم إذ لا يمكن فرض أرباب متفرقين ولا تفرقة في العبادة.
نعم يبقى هناك شيء وهو الذي يعتمد عليه عامة الوثنية من أن الله سبحانه أجلّ وأرفع ذاتاً من أن تحيط به عقولنا أو يناله أفهامنا فلا يمكننا التوجه إليه بعبادته ولا يسعنا التقرب منه بعبوديته والخضوع له، والذي يسعنا هو أن نتقرب بالعبادة إلى بعض مخلوقاته الشريفة التي هي مؤثرات في تدبير النظام العالمي حتى يقربونا منه ويشفعوا لنا عنده فأشار عليه السلام في الشطر الثاني من كلامه أعني قوله: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء} الخ إلى دفعه.
قوله تعالى: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} الخ، بدأ عليه السلام بخطاب صاحبيه في السجن أولاً ثم عمم الخطاب للجميع لأن الحكم مشترك بينهما وبين غيرهما من عبدة الأوثان.
ونفى العبادة إلا عن الأسماء كناية عن أنه لا مسميات وراء هذه الأسماء فتقع العبادة في مقابل الأسماء كلفظة إله السماء وإله الأرض وإله البحر وإله البر والأب والأم وابن الإِله ونظائر ذلك.
وقد أكد كون هذه الأسماء ليس وراءها مسميات بقوله: {أنتم وآباؤكم} فإنه في معنى الحصر أي لم يضع هذه الأسامي أحد غيركم بل أنتم وآباؤكم وضعتموها، ثم أكده ثانياً بقوله: {ما أنزل الله بها من سلطان} والسلطان هو البرهان لتسلطه على العقول أي ما أنزل الله بهذه الأسماء أو بهذه التسمية من برهان يدل على أن لها مسميات وراءها، وحينئذ كان يثبت لها الالوهية أي المعبودية فصحت عبادتكم لها.
ومن الجائز أن يكون ضمير {بها} عائداً إلى العبادة أي ما أنزل الله حجة على عبادتها بأن يثبت لها شفاعة واستقلالاً في التأثير حتى تصح عبادتها والتوجه إليها فإن الأمر الى الله على كل حال. وإليه أشار بقوله بعده: {أن الحكم إلا لله}.
وهو أعني قوله: {إن الحكم إلا لله} مما لا ريب فيه البتة إذ الحكم في أمر ما لا يستقيم إلا ممن يملك تمام التصرف، ولا مالك للتصرف والتدبير في أُمور العالم وتربية العباد حقيقة إلا الله سبحانه فلا حكم بحقيقة المعنى إلا له.
وهو أعني قوله: {إن الحكم إلا لله} مفيد فيما قبله وما بعده صالح لتعليلهما معاً، أما فائدته في قوله قبل: {ما أنزل الله بها من سلطان} فقد ظهرت أنفاً، وأما فائدته في قوله بعد: {أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} فلأنه متضمن لجانب إثبات الحكم كما أن قوله قبل: {ما أنزل الله بها من سلطان} متضمن لجانب السلب، وحكمه تعالى نافذ في الجانبين معاً فكانه لما قيل: {ما أنزل الله بها من سلطان} قيل: (فماذا حكم به في أمر العبادة) فقيل: {أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} ولذلك جيء بالفعل.
ومعنى الآية - والله أعلم - ما تعبدون من دون الله إلا أسماء خالية عن المسميات لم يضعها إلا أنتم وآباؤكم من غير أن ينزل الله سبحانه من عنده برهاناً يدل على أن لها شفاعة عند الله أو شيئاً من الاستقلال في التأثير حتى يصح لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها، أو طمعاً في خيرها أو خوفاً من شرها.
وأما قوله: {ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فيشير به إلى ما ذكره من توحيد الله ونفى الشريك عنه، والقيم هو القائم بالأمر القوي على تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل والمتضعضع، والمعنى أن دين التوحيد وحده هو القوي على إدارة المجتمع وسوقه إلى منزل السعادة، والدين المحكم غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غى والحقية من غير بطلان، ولكن أكثر الناس لأُنسهم بالحس والمحسوس وأنهماكهم في زخارف الدنيا الفإنية حرموا سلامة القلب واستقامة العقل لا يعلمون ذلك، وإنما يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة معرضون.
أما أن التوحيد دين فيه الرشد ومطابقة الواقع فيكفي في بيانه ما أقامه عليه السلام من البرهان، وأما أنه هو القوي على إدارة المجتمع الإِنساني فلأن هذا النوع أنما يسعد في مسير حياته إذا بنى سنن حياته وأحكام معاشه على مبنى حق مطابق للواقع فسار عليها لا إذا بناها على مبنى باطل خرافي لا يعتمد على أصل ثابت.
فقد بان من جميع ما تقدم أن الآيتين جميعاً أعني قوله: {يا صاحبي السجن} إلى قوله {أن لا تعبدوا إلا إياه} برهان واحد على توحيد العبادة، محصله أن عبادة المعبود إن كانت لألوهيته في نفسه ووجوب وجوده بذاته فالله سبحانه في وجوده واحد قهار لا يتصور له ثان ولا مع تأثيره مؤثر آخر فلا معنى لتعدد الآلهة، وإن كانت لكون آلهة غير الله شركاء له شفعاء عنده فلا دليل على ثبوت الشفاعة لهم من قبل الله سبحانه بل الدليل على خلافه فإن الله حكم من طريق العقل وبلسان أنبيائه أن لا يعبد إلا هو.
وبذلك يظهر فساد ما أورد البيضاوي في تفسيره تبعاً للكشاف أن الآيتين تتضمنان دليلين على التوحيد فما في الأولى وهو قوله: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} دليل خطابي، وما في الثانية وهو قوله: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء} الخ برهان تام.
قال البيضاوي: وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة بيَّن لهم أولاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الإِلهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير وكلا القسمين منتف عنهما ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضى العقل غيره ولا يرتضي العلم دونه. انتهى.
ولعل الذي حداه إلى ذلك ما في الآية الأولى من لفظة الخير فاستظهر منه الرجحان الخطابي، وقد فاته ما فيها من قيد {الواحد القهار} وقد عرفت تقرير ما تتضمنه الآيتان من البرهان، وأن الذي ذكره من معنى الآية الثانية هو مدلول مجموع الآيتين دون الثانية فحسب.
وربما يقرر مدلول الآيتين برهانين على التوحيد بوجه آخر ملخصه أن الله الواحد الذي يقهر بقدرته الأسباب المتفرقة التي تفعل في الكون ويسوقها على تلاؤم آثارها المتفرقة المتنوعة بعضها مع بعض حتى ينتظم منها نظام واحد غير متناقض الأطراف كما هو المشهود من وحدة النظام وتوافق الأسباب خير من أرباب متفرقين تترشح منها لتفرقها ومضادتها أنظمة مختلفة وتدابير متضادة تؤدى إلى انفصام وحدة النظام الكونى وفساد التدبير الواحد العمومي.
ثم الآلهة المعبودة من دون الله أسماء لا دليل على وجود مسمياتها في الخارج بتسميتكم لا من جانب العقل ولا من جانب النقل لأن العقل لا يدل إلا على التوحيد والأنبياء لم يؤمروا من جهة الوحي إلا بأن لا يعبد إلا الله وحده. انتهى.
وهذا التقرير - كما ترى - ينزل الآية الأولى على معنى قوله تعالى:
{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } } [الأنبياء: 22]، ويعمم الآية الثانية على نفى ألوهية آلهة إلا الله بذاتها ونفى أُلوهيتها من جهة إذن الله في شفاعتها.
ويرد عليه أولاً: أن فيه تقييداً لإِطلاق قوله: {القهار} من غير مقيد فإن الله سبحانه كما يقهر الأسباب في تأثيرها يقهر كل شيء في ذاته وصفته وآثاره فلا ثانى له في وجوده ولا ثانى له في استقلاله في نفسه وفي تأثيره فلا يتأتى مع وحدته القاهرة على الإِطلاق أن يفرض شيء يستقل عنه في وجوده، ولا أمر يستقل عنه في أمره، والإِله الذي يفرض دونه إما مستقل عنه في ذاته وآثار ذاته جميعاً وإما مستقل عنه في آثار ذاته فحسب، وكلا الأمرين محال كما ظهر.
وثانياً: إن فيه تعميماً لخصوص الآية الثانية من غير معمم فإن الآية - كما عرفت - تنيط كونها آلهة بإذن الله وحكمه كما هو ظاهر قوله: {ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله} الخ ومن الواضح أن هذه الالوهية المنوطة بإذنه تعالى وحكمه ألوهية شفاعة لا الوهية ذاتية أي ألوهية بالغير لا ما هو أعم من الالوهية بالذات وبالغير جميعاً.
قوله تعالى: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} معنى الآية ظاهر، وقرينة المناسبة قاضية بأن قوله: {أما أحدكما} الخ، تأويل رؤيا من قال منهما: {إني أراني أعصر خمراً} وقوله: {وأما الآخر} الخ، تأويل لرؤيا الآخر.
وقوله: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} لا يخلو من إشعار بأن الصاحبين أو أحدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا ولعله الثاني لما سمع تأويل رؤياه بالصلب وأكل الطير من رأسه، ويتأيد بهذا ما ورد من الرواية من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام أن الثاني من الصاحبين قال له: إني كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال عليه السلام: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} أي إن التأويل الذي استفتيتما فيه مقضيّ مقطوع لا مناص عنه.
قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} الضمائر في قوله: {قال} و {ظن} و {لبث} راجعة إلى يوسف أي قال يوسف للذين ظن هو أنه سينجو منهما: اذكرني عند ربك بما يثير رحمته لعله يخرجني من السجن.
وإطلاق الظن على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنه من المقضيّ المقطوع به وتصريحه بأن ربه علمه تأويل الأحاديث لعله من إطلاق الظن على مطلق الاعتقاد وله نظائر في القرآن كقوله تعالى:
{ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } } [البقرة: 46]. وأما قول بعضهم: إن إطلاق الظن على اعتقاده يدل على أنه إنما أوّل ما أوّل عن اجتهاد منه. يفسده ما قدّمنا الإِشارة إليه أنه صرح لهما بعلمه في قوله: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} والله سبحانه أيد ذلك بقوله: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} وهذا ينافى الاجتهاد الظنى.
وقد احتمل أن يكون ضمير {ظن} راجعاً إلى الموصول أي قال يوسف لصاحبه الذي ظن ذلك الصاحب أنه ناج منهما. وهذا المعنى لا بأس به إن ساعده السياق.
وقوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} الخ، الضميران راجعان إلى {الذي} أي فأنسى الشيطان صاحبه الناجى أن يذكره لربه أو عند ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين والبضع ما دون العشرة فإضافة الذكر إلى ربه من قبيل إضافة المصدر إلى معموله المعدى إليه بالحرف أو إلى المظروف بنوع من الملابسة.
وأما إرجاع الضميرين إلى يوسف حتى يفيد أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله سبحانه فتعلق بذيل غيره في نجاته من السجن فعوقب على ذلك فلبث في السجن بضع سنين كما ذكره بعضهم وربما نسب إلى الرواية.
فمما يخالف نص الكتاب فإن الله سبحانه نص على كونه عليه السلام من المخلصين ونص على أن المخلصين لا سبيل للشيطان إليهم مضافاً إلى ما أثنى الله عليه في هذه السورة.
والإِخلاص لله لا يستوجب ترك التوسل بالأسباب فإن ذلك من أعظم الجهل لكونه طمعاً فيما لا مطمع فيه بل إنما يوجب ترك الثقة بها والاعتماد عليها وليس في قوله: {اذكرني عند ربك} ما يشعر بذلك البتة.
على أن قوله تعالى بعد آيتين: {وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أُمه} الخ، قرينة صالحة على أن الناسي هو الساقي دون يوسف.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في رواية أبى الجارود عن أبي جعفر عليه السلام: في قوله: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} فالآيات شهادة الصبى والقميص المخرق من دبر واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب، فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتى حبسه.
ودخل معه السجن فتيان يقول: عبدان للملك أحدهما خباز والآخر صاحب الشراب، والذي كذب ولم ير المنام هو الخباز.
وذكر الحديث علي بن إبراهيم القمي قال: ووكل الملك بيوسف رجلين يحفظانه فلما دخل السجن قالا له: ما صناعتك؟ قال: أُعبر الرؤيا. فرأى أحد الموكلين في منامه كما قال يعصر خمراً. قال يوسف: تخرج وتصير على شراب الملك وترتفع منزلتك عنده، وقال الآخر: إني أرانى أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه، ولم يكن رأى ذلك فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فضحك الرجل وقال: إني لم أر ذلك فقال يوسف كما حكى الله: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}.
فقال أبو عبد الله عليه السلام في قوله: {إنا نراك من المحسنين} قال: كان يقوم على المريض، ويلتمس للمحتاج، ويوسع على المحبوس فلما أراد من يرى في نومه يعصر خمراً الخروج من الحبس قال له يوسف: {اذكرني عند ربك} فكان كما قال الله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه}.
أقول: وفي الرواية اضطراب لفظي، وظاهرها أن صاحبيه في السجن لم يكونا مسجونين وإنما كانا موكلين عليه من قبل الملك، ولا يلائم ذلك ظاهر قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما} وقوله: {قال الذي نجا منهما}.
وفي تفسير العياشي عن سماعة عن قول الله: {اذكرني عند ربك} قال: هو العزيز.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله تعالى"
]. أقول: ورواه عن ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم ولفظه "رحم الله يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن طول ما لبث" وروى مثله عن عكرمة والحسن وغيرهما.
وروى ما في معناه العياشي في تفسيره عن طربال وعن أبي يعقوب وعن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام، ولفظ الأخير قال: "قال الله ليوسف: ألست الذي حببتك إلى أبيك وفضلتك على الناس بالحسن؟ أو لست الذي سقت إليك السيارة فأنقذتك وأخرجتك من الجب؟ أو لست الذي صرفت عنك كيد النسوة؟ فما حملك على أن ترفع رعية أو تدعو مخلوقاً هو دوني؟ فالبث لما قلت بضع سنين" وقد تقدم أن هذه وأمثالها روايات تخالف نص الكتاب.
ومثلها ما في الدر المنثور عن ابن مردويه عن ابن عباس قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: قوله: {اذكرني عند ربك} وقوله لإِخوته: {إنكم لسارقون} وقوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فقال له جبرئيل: ولا حين هممت؟ فقال: {وما أُبرئ نفسي} وفي الرواية نسبة الفرية والكذب الصريح إلى الصديق عليه السلام.
وفي بعض هذه الروايات أن عثراته الثلاث هي همه بها، وقوله: اذكرني عند ربك، وقوله: إنكم لسارقون. والله سبحانه يبرئه من هذه المفتريات بنص كتابه.