التفاسير

< >
عرض

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٨
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ
٥٩
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ
٦٠
قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
٦١
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٦٢
-يوسف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل آخر مختار من قصة يوسف عليه السلام يذكر الله تعالى فيه مجيئ إخوته إليه في خلال سني الجدب لاشتراء الطعام لبيت يعقوب، وكان ذلك مقدمة لضم يوسف عليه السلام أخاه من أُمه - وهو المحسود المذكور في قوله تعالى حكاية عن الإِخوة ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة - إليه ثم تعريفهم نفسه ونقل بيت يعقوب عليه السلام من البدو إلى مصر.
وإنما لم يعرفهم نفسه ابتداء لأنه أراد أن يلحق أخاه من أُمه إلى نفسه ويري إخوته من أبيه عند تعريفهم نفسه صنع الله بهما ومنَّ الله عليهما إثر تقواهما وصبرهما على ما آذوهما عن الحسد والبغي ثم يشخصهم جميعاً، والآيات الخمس تتضمن قصة دخولهم مصر واقتراحه أن يأتوا بأخيهم من أبيهم إليه إن عادوا إلى اشتراء الطعام والميرة وتقبلهم ذلك.
قوله تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} في الكلام حذف كثير وإنما ترك الاقتصاص له لعدم تعلق غرض هام به، وإنما الغرض بيان لحوق أخي يوسف من أُمه به وإشراكه معه في النعمة والمنّ الإِلهي ثم معرفتهم بيوسف ولحوق بيت يعقوب به فهو شطر مختار من قصته وما جرى عليه بعد عزة مصر.
والذي جاء إليه من إخوته هم العصبة ما خلا أخيه من أُمه فان يعقوب عليه السلام كان يأنس به ولا يخلي بينه وبينهم بعد ما كان من أمر يوسف ما كان، والدليل على ذلك كله ما سيأتي من الآيات.
وكان بين دخولهم هذا على أخيهم يوسف وبين انتصابه على خزائن الأرض وتقلده عزة مصر بعد الخروج من السجن أكثر من سبع سنين فإنهم إنما جاؤوا إليه في بعض السنين المجدبة وقد خلت السبع السنون المخصبة، ولم يروه منذ سلموه إلى السيارة يوم أُخرج من الجب وهو صبي وقد مر عليه سنون في بيت العزيز ولبث بضع سنين في السجن وتولى أمر الخزائن منذ أكثر من سبع سنين، وهو اليوم في زي عزيز مصر لا يظن به أنه رجل عبري من غير القبط، وهذا كله صرفهم عن أن يظنوا به أنه أخوهم ويعرفوه لكنه عرفهم بكياسته أو بفراسة النبوة كما قال تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون}.
قوله تعالى: {ولما جهّزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أُوفي الكيل وأنا خير المنزلين} قال الراغب في المفردات: الجهاز ما يعد من متاع وغيره، والتجهيز حمل ذلك أو بعثه. انتهى. فالمعنى ولما حملهم ما أعد لهم من الجهاز والطعام الذي باعه منهم أمرهم بأن يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم وقال ائتونى "الخ".
وقوله: {ألا ترون أني أُوفي الكيل} أي لا أبخس فيه ولا أظلمكم بالاتكاء على قدرتي وعزتي {وأنا خير المنزلين} أُكرم النازلين بى وأُحسن مثواهم، وهذا تحريض لهم أن يعودوا إليه ثانياً ويأتوا إليه بأخيهم من أبيهم كما أن قوله في الآية التالية: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} تهديد لهم لئلا يعصوا أمره، وكما أن قولهم في الآية الآتية: {سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون} تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب لنفس يوسف عليه السلام.
ثم من المعلوم أن قوله عليه السلام أوان خروجهم: {ائتوني بأخ لكم من أبيكم} مع ما فيه من التأكيد والتحريض والتهديد ليس من شأنه أن يورد كلاماً ابتدائياً من غير مقدمة وتوطئة تعمي عليهم وتصرفهم أن يتفطنوا أنه يوسف أو يتوهموا فيه ما يريبهم في أمره. وهو ظاهر. وقد أورد المفسرون في القصة من مفاوضته لهم وتكليمه إياهم أُموراً كثيرة لا دليل على شيء منها من كلامه تعالى في سياق القصة ولا أثر يطمأن إليه في أمثال المقام.
وكلامه تعالى خال عن التعرض لذلك، وإنما الذي يستفاد منه أنه سألهم عن خطبهم فأخبروه وهم عشرة أنهم إخوة وأن لهم أخاً آخر بقي عند أبيهم لا يفارقه أبوه ولا يرضى أن يفارقه لسفر أو غيره فأحب العزيز أن يأتوا به إليه فيراه.
قوله تعالى: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} الكيل بمعنى المكيل وهو الطعام، ولا تقربون أي لا تقربوني بدخول أرضي والحضور عندي للامتيار واشتراء الطعام. ومعنى الآية ظاهر، وهو تهديد منه لهم لو خالفوا عن أمره كما تقدم.
قوله تعالى: {قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون} المراودة كما تقدم هي الرجوع في أمر مرة بعد مرة بالإلحاح أو الاستخدام، ففي قولهم ليوسف عليه السلام {سنراود عنه أباه} دليل على أنهم قصوا عليه قصته أن أباهم يضن به ولا يرضى بمفارقته له ويأبى أن يبتعد منه لسفر أو أي غيبة، وفي قولهم: {أباه} ولم يقولوا: أبانا تأييد لذلك.
وقولهم: {وإنا لفاعلون} أي فاعلون للإِتيان به أو للمراودة لحمله معهم والإِتيان به إليه، ومعنى الآية ظاهر، وفيه تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب لنفس يوسف عليه السلام كما تقدم.
قوله تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون} الفتيان جمع الفتى وهو الغلام، وقال الراغب: البضاعة قطعة وافرة من المال يقتنى للتجارة يقال: أبضع بضاعة وابتضعها، قال تعالى: {هذه بضاعتنا ردت إلينا} وقال تعالى: {ببضاعة مزجاة} والأصل في هذه الكلمة البضع - بفتح الباء - وهو جملة من اللحم يبضع أي يقطع - قال - وفلان بضعة مني أي جار مجرى بعض جسدي لقربه مني - قال - والبضع بالكسر المنقطع من العشرة، ويقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة وقيل: بل هو فوق الخمس ودون العشرة. انتهى، والرحال جمع رحل وهو الوعاء والأثاث، والانقلاب الرجوع.
ومعنى الآية: وقال يوسف عليه السلام لغلمانه: اجعلوا مالهم وبضاعتهم التي قدموها ثمناً لما اشتروه من الطعام في أوعيتهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا ورجعوا إلى أهلهم - وفتحوا الأوعية لعلهم يرجعون إلينا ويأتوا بأخيهم فإن ذلك يقع في قلوبهم ويطمعهم إلى الرجوع والتمتع من الإِكرام والإِحسان.