التفاسير

< >
عرض

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
٢٧
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ
٢٨
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
٢٩
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ
٣٠
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٣١
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
٣٢
أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٣٣
لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ
٣٤
مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ
٣٥
-الرعد

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
عود ثان إلى قول الكفار: {لولا أُنزل عليه آية من ربه} نراها فنهتدي بها ونعدل بذلك عن الشرك إلى الإِيمان ويجيب تعالى عنه بأن الهدى والضلال ليس شيء منهما إلى ما ينزل من آية بل إن ذلك إليه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وقد جرت السنة الالهية على هداية من أناب إليه وكان له قلب يطمئن إلى ذكره وأُولئك لهم حسن المآب وعقبى الدار. وإضلال من كفر بآياته الواضحة وأولئك لهم عذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من دون الله من واق.
وإن الله أنزل عليهم آية معجزة مثل القرآن لو أمكنت هداية أحد من غير مشيئة الله لكانت به لكن الأمر إلى الله وهو سبحانه لا يريد هداية من كتب عليهم الضلال من أهل الكفر والمكر ومن يضلل الله فما له من هاد.
قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أُنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} عود إلى قول الكفار {لولا أُنزل عليه آية من ربه} وإنما أرادوا به أنه لو أُنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية من ربه لاهتدوا به واستجابوا له وهم لا يعدون القرآن النازل إليه آية.
والدليل على إرادتهم هذا المعنى قوله بعده: {قل إن الله يضل من يشاء} الخ وقوله بعد: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} إلى قوله {بل لله الأمر جميعاً} وقوله بعد: {وصدوا عن السبيل} إلى آخر الآية.
فأجاب تعالى عن قولهم بقوله آمراً نبيه أن يلقيه إليهم: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} فأفاد أن الأمر ليس إلى الآية حتى يهتدوا بنزولها ويضلوا بعدم نزولها بل أمر الإِضلال والهداية إلى الله سبحانه يضل من يشاء ويهدى من يشاء.
ولما لم يؤمن أن يتوهموا منه أن الأمر يدور مدار مشيئة جزافية غير منتظمة أشار إلى دفعه بتبديل قولنا: ويهدي إليه من يشاء من قوله: {ويهدي إليه من أناب} فبين أن الأمر إلى مشيئة الله تعالى جارية على سنة دائمة ونظام متقن مستمر وذلك أنه تعالى يشاء هداية من أناب ورجع إليه ويضل من أعرض ولم ينب فمن تلبس بصفة الإِنابة والرجوع إلى الحق ولم يتقيد بأغلال الأهواء هداه الله بهذه الدعوة الحقة ومن كان دون ذلك ضل عن الطريق وإن كان مستقيماً ولم تنفعه الآيات وإن كانت معجزة وما تغن الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.
ومن هنا يظهر أن قوله: {إن الله يضل} الخ، على تقدير: إن الله يضل بمشيئته من لم ينب إليه ويهدي إليه بمشيئته من أناب إليه.
ويظهر أيضا أن ضمير {إليه} في {يهدي إليه} راجع إليه تعالى وأن ما ذكره بعضهم أنه راجع إلى القرآن، وآخرون أنه راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير وجيه.
قوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} الاطمئنان السكون والاستقرار والاطمئنان إلى الشيء السكون إليه.
وظاهر السياق أن صدر الآية بيان لقوله في ذيل الآية السابقة: {من أناب} فالإِيمان واطمئنان القلب بذكر الله هو الإِنابة، وذلك من العبد تهيؤ واستعداد يستعقب عطية الهداية الإِلهية كما أن الفسق والزيغ في باب الضلال تهيؤ واستعداد يستعقب الإِضلال من الله كما قال:
{ وما يضل به إلا الفاسقين } } [البقرة: 26] وقال: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين } } [الصف: 5]. وليس الإِيمان بالله تعالى مثلاً مجرد إدراك أنه حق فإن مجرد الإِدراك ربما يجامع الاستكبار والجحود كما قال تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14] مع أن الإِيمان لا يجامع الجحود فليس الإِيمان بشيء مجرد إدراك أنه حق مثلاً بل مطاوعة وقبول خاص من النفس بالنسبة إلى ما أدركته يوجب تسليمها له ولما يقتضيه من الآثار وآيته مطاوعة سائر القوى والجوارح وقبولها له كما طاوعته النفس وقبلته فترى المعتاد ببعض الأعمال المذمومة ربما يدرك وجه القبح أو المساءة فيه غير أنه لا يكف عنه لأن نفسه لا تؤمن به ولا تستسلم له وربما طاوعته وسلمت له بعدما أدركته وكفت عنه عند ذلك بلا مهل وهو الإِيمان.
وهذا هو الذي يظهر من قوله تعالى:
{ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء } [الأنعام: 125] فالهداية من الله سبحانه تستدعي من قلب العبد أو صدره وبالآخرة من نفسه أمراً نسبته إليها نسبة القبول والمطاوعة إلى الأمر المقبول المطاوع، وقد عبر عنه في آية الأنعام بشرح الصدر وتوسعته، وفي الآية المبحوث عنها بالإِيمان واطمئنان القلب وهو أن يرى الإِنسان نفسه في أمن من قبوله ومطاوعته ويسكن قلبه إليه ويستقر هو في قلبه من غير أن يضطرب منه أو ينقلع عنه.
ومن ذلك يظهر أن قوله: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} عطف تفسيري على قوله: {آمنوا} فالإِيمان بالله يلازم اطمئنان القلب بذكر الله تعالى.
ولا ينافي ذلك ما في قوله تعالى:
{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } } [الأنفال: 2] فإن الوجل المذكور فيه حالة قلبية متقدمة على الاطمئنان المذكور في الآية المبحوث عنها كما يرشد إليه قوله تعالى: { الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشّعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء } [الزمر: 23] وذلك أن النعمة هي النازلة من عنده سبحانه وأما النقمة أياً ما كانت فهي بالحقيقة إمساك منه عن إفاضة النعمة وإنزال الرحمة وليست فعلاً ثبوتياً صادراً منه تعالى على ما يفيده قوله: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } } [فاطر: 2]. وإذا كان الخوف والخشية إنما هو من شر متوقع ولا شر عنده سبحانه فحقيقة الخوف من الله هي خوف الإِنسان من أعماله السيئة التي توجب إمساك الرحمة وانقطاع الخير المفاض من عنده، والنفس الإِنسانية إذا قرعت بذكر الله سبحانه التفتت أولاً إلى ما أحاطت به من سمات القصور والتقصير فأخذتها القشعريرة في الجلد والوجل في القلب ثم التفتت ثانياً إلى ربه الذي هو غاية طلبة فطرته فسكنت إليه واطمأنت بذكره.
وقال في مجمع البيان: وقد وصف الله المؤمن ههنا بأنه يطمئن قلبه إلى ذكر الله، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه لأن المراد بالأول أنه يذكر ثوابه وإنعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن إليه، وبالثاني أنه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه. انتهى، وهذا الوجه أوفق بتفسير من فسر الذكر في الآية بالقرآن الكريم وقد سماه الله تعالى ذكراً في مواضع كثيرة من كلامه كقوله:
{ وهذا ذكر مبارك } [الأنبياء: 50] وقوله: { إنا نحن نزلنا الذكر } } [الحجر: 9] وغير ذلك.
لكن الظاهر أن يكون المراد بالذكر أعم من الذكر اللفظي وأعني به مطلق انتقال الذهن والخطور بالبال سواء كان بمشاهدة آية أو العثور على حجة أو استماع كلمة، ومن الشاهد عليه قوله بعده: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فإنه كضرب القاعدة يشمل كل ذكر سواء كان لفظياً أو غيره، وسواء كان قرآناً أو غيره.
وقوله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فيه تنبيه للناس أن يتوجهوا إليه ويريحوا قلوبهم بذكره فإنه لا هم للإِنسان في حياته إلا الفوز بالسعادة والنعمة ولا خوف له إلا من أن تغتاله الشقوة والنقمة والله سبحانه هو السبب الوحيد الذي بيده زمام الخير وإليه يرجع الأمر كله، وهو القاهر فوق عباده والفعال لما يريد وهو ولى عباده المؤمنين به اللاجئين إليه فذكره للنفس الأسيرة بيد الحوادث الطالبة لركن شديد يضمن له السعادة، المتحيرة في أمرها وهي لا تعلم أين تريد ولا أنى يراد بها؟ كوصف الترياق للسليم تنبسط به روحه وتستريح منه نفسه، والركون إليه والاعتماد عليه والاتصال به كتناول ذاك السليم لذلك الترياق وهو يجد من نفسه نشاط الصحة والعافية آنا بعد آن.
فكل قلب - على ما يفيده الجمع المحلى باللام من العموم - يطمئن بذكر الله ويسكن به ما فيه من القلق والاضطراب نعم إنما ذلك في القلب الذي يستحق أن يسمى قلباً وهو القلب الباقي على بصيرته ورشده، وأما المنحرف عن أصله الذي لا يبصر ولا يفقه فهو مصروف عن الذكر محروم عن الطمأنينة والسكون قال تعالى:
{ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } } [الحج: 46]، وقال: { لهم قلوب لا يفقهون بها } [الأعراف: 179] وقال: { نسوا الله فنسيهم } } [التوبة: 67]. وفي لفظ الآية ما يدل على الحصر حيث قدم متعلق الفعل أعني قوله: {بذكر الله} عليه فيفيد أن القلوب لا تطمئن بشيء غير ذكر الله سبحانه، وما قدمناه من الإِيضاح ينور هذا الحصر إذ لا هم لقلب الإِنسان وهو نفسه المدركة إلا نيل سعادته والأمن من شقائه وهو في ذلك متعلق بذيل الأسباب، وما من سبب إلا وهو غالب في جهة ومغلوب من أخرى إلا الله سبحانه فهو الغالب غير المغلوب الغني ذو الرحمة فبذكره أي به سبحانه وحده تطمئن القلوب ولا يطمئن القلب إلى شيء غيره إلا غفلة عن حقيقة حاله ولو ذكر بها أخذته الرعدة والقلق.
ومما قيل في الآية الكريمة أعني قوله: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} الخ أنها استئناف، وقوله: {الذين آمنوا} مبتدأ خبره قوله في الآية التالية: {طوبى لهم وحسن مآب} وقوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} بدل من المبتدأ وقوله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} اعتراض بين المبتدأ وخبره، وهو تكلف بعيد من السياق.
قوله تعالى: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} طوبى على وزن فعلى بضم الفاء مؤنث أطيب فهي صفة لمحذوف وهو على ما يستفاد من السياق - الحياة أو المعيشة وذلك أن النعمة كائنة ما كانت إنما تغتبط وتهنأ إذا طابت للإِنسان ولا تطيب إلا إذا اطَمأنّ القلب إليه وسكن ولم يضطرب ولا يوجد ذلك إلا لمن آمن بالله وعمل عملاً صالحاً فهو الذي يطمئن منه القلب ويطيب له العيش فإنه في أمن من الشر والخسران وسلام مما يستقبله ويدركه وقد أوى إلى ركن لا ينهدم واستقر في ولاية الله لا يوجه إليه ربه إلا ما فيه سعادته إن اعطي شيئاً فهو خير له وإن منع فهو خير له.
وقد قال في وصف طيب هذه الحياة:
{ من عمل صالحاً من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [النحل: 97] وقال في صفة من لم يرزق اطمئنان القلب بذكر الله: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى } [طه: 124]، ولعل وصف الحياه أو المعيشة في الآية التي نحن فيها بزيادة الطيب تلميحاً إلى أنها نعمة لا تخلو من طيب على أي حال إلا أنها فيمن اطمأن قلبه بذكر الله أكثر طيباً لخلوصها من شوائب المنغصات.
فقوله: {طوبى لهم} في تقدير لهم حياة أو معيشة طوبى، فطوبى مبتدأ و {لهم} خبره وإنما قدم المبتدأ المنكر على الظرف لأن الكلام واقع موقع التهنئة وفي مثله يقدم ما به التهنئة استعجالاً بذكر ما يسر السامع ذكره نظير قولهم في البشارة: بشرى لك.
وبالجملة في الآية تهنئة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله اطمئناناً مستمراً - بأطيب الحياة أو العيش وحسن المرجع، وبذلك يظهر اتصالها بما قبلها فإن طيب العيش من آثار اطمئنان القلب كما تقدم.
وقال في مجمع البيان: {طوبى لهم} وفيه أقوال:
أحدها: إن معناه فرح لهم وقرة عين. عن ابن عباس.
والثاني: غبطة لهم. عن الضحاك.
والثالث: خير لهم وكرامة. عن إبراهيم النخعي.
والرابع: الجنة لهم. عن مجاهد.
والخامس: معناه العيش المطيب لهم. عن الزجاج، والحال المستطابة لهم، عن ابن الأنباري لأنه فعلى من الطيب، وقيل: أطيب الأشياء لهم وهو الجنة. عن الجبائي.
والسادس: هنيئاً يطيب العيش لهم.
والسابع: حسنى لهم. عن قتادة.
والثامن: نعم ما لهم. عن عكرمة.
التاسع: طوبى لهم دوام الخير لهم.
العاشر: إن طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن عن عبيد بن عمير ووهب وأبي هريرة وشهر بن حوشب وروي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. انتهى موضع الحاجة.
وأكثر هذه المعاني من باب الانطباق وهي خارجة عن دلالة اللفظ.
قوله تعالى: {كذلك أرسلناك في أُمة قد خلت من قبلها أُمم} إلى آخر الآية متاب مصدر ميمي للتوبة وهى الرجوع، والإِشارة بقوله: {كذلك} إلى ما ذكره تعالى من سنته الجارية من دعوة الأُمم إلى دين التوحيد ثم إضلال من يشاء وهداية من يشاء على وفق نظام الرجوع إلى الله والإِيمان به وسكون القلب بذكره وعدم الرجوع إليه.
والمعنى: وأرسلناك في أُمة قد خلت من قبلها أُمم إرسالاً يماثل هذه السنة الجارية ويجري في أمره على وفق هذا النظام لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وتبلغهم ما يتضمنه هذا الكتاب وهم يكفرون، بالرحمان وإنما قيل: بالرحمان، دون أن يقال: {بنا} على ما يقتضيه ظاهر السياق إيماء إلى أنهم في ردهم هذا الوحي الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم وهو القرآن وعدم اعتنائهم بأمره حيث يقولون مع نزوله: {لولا أُنزل عليه آية من ربه} يكفرون برحمة إلهية عامة تضمن لهم سعادة دنياهم وأُخراهم لو أخذوه وعملوا به.
ثم أمر تعالى: أن يصرح لهم القول في التوحيد فقال: {قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} أي هو وحده ربي من غير شريك كما تقولون ولربوبيته لي وحده أتخذه القائم على جميع أُموري وبها، وأرجع إليه في حوائجي وبذلك يظهر أن قوله: {عليه توكلت وإليه متاب} من آثار الربوبية المتفرعة عليها فإن الرب هو المالك المدبر فمحصل المعنى هو وكيلي وإليه أرجع.
وقيل: إن المراد بالمتاب هو التوبة من الذنوب لما في المعنى الأول من لزوم كون {إليه متاب} تأكيداً لقوله: {عليه توكلت} وهو خلاف الظاهر.
وفيه منع رجوعه إلى التأكيد ثم منع كونه خلاف الظاهر وهو ظاهر.
وذكر بعضهم: إن المعنى إليه متابي ومتابكم. وفيه أنه مستلزم لحذف وتقدير لا دليل عليه ومجرد كون مرجعهم إليه في الواقع لا يوجب التقدير من غير أن يكون في الكلام ما يوجب ذلك.
قوله تعالى: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً} المراد بتسيير الجبال قلعها من أصولها وإذهابها من مكان إلى مكان وبتقطيع الأرض شقها وجعلها قطعة قطعة، وبتكليم الموتى إحياؤهم لاستخبارهم عما جرى عليهم بعد الموت ليستدل على حقيقة الدار الآخرة فإن هذا هو الذي كانوا يقترحونه.
فهذه أُمور عظيمة خارقة للعادة فرضت آثاراً لقرآن فرضه الله سبحانه بقوله: {ولو أن قرآناً} الخ، وجزاء لو محذوف لدلالة الكلام عليه فإن الكلام معقب بقوله: {بل لله الأمر جميعاً} والآيات - كما عرفت - مسوقة لبيان أن أمر الهداية ليس براجع إلى الآية التي يقترحونها بقولهم: {لولا أُنزل عليه آية} بل الأمر إلى الله يضل من يشاء كما أضلهم ويهدي إليه من أناب.
وعلى هذا يجري سياق الآيات كقوله تعالى بعد: {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد}، وقوله: {وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ولئن اتبعت أهواءهم} الآية، وقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} الآية إلى غير ذلك، وعلى مثله جرى سياق الآيات السابقة.
فجزاء لو المحذوف هو نحو من قولنا: ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله والمعنى: ولو فرض أن قرآناً من شأنه أنه تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يحيا به الموتى فتكلم ما كان لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله بل الأمر كله لله ليس شيء منه لغيره حتى يتوهم متوهم أنه لو أُنزلت آية عظيمة هائلة مدهشة أمكنها أن تهديهم لا بل الأمر لله جميعاً والهداية راجعة إلى مشيئته.
وعلى هذا فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى:
{ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } } [الأنعام: 111]. وما قيل: إن جزاء لو المحذوف نحو من قولنا: لكان ذلك هذا القرآن، والمراد بيان عظم شأن القرآن وبلوغه الغاية القصوى في قوة البيان ونفوذ الأمر وجهالة الكفار حيث أعرضوا عنه واقترحوا آية غيره. والمعنى: إن القرآن في رفعة القدر وعظمة الشأن بحيث لو فرض أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى - أو في الموضعين لمنع الخلو لا لمنع الجمع - لكان ذلك هذا القرآن لكن الله لم ينزل قرآناً كذلك فالآية بوجه نظيرة قوله: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } } [الحشر: 21]. وفيه أن سياق الآيات كما عرفت لا يساعد على هذا التقدير ولا يلائمه قوله بعده: {بل لله الأمر جميعاً} وكذا قوله بعده: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} كما سنشير إليه إن شاء الله ولذلك تكلفوا في قوله: {بل لله الأمر جميعاً} بما لا يخلو عن تكلف.
فقيل: إن المعنى لو أن قرآناً فعل به ذلك لكان هو هذا القرآن ولكن لم يفعل الله سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده.
وقيل: إن حاصل الإِضراب أنه لا تكون هذه الأمور العظيمة الخارقة بقرآن بل تكون بغيره مما أراده الله فإن جميع الأمر له تعالى وحده.
وقيل: إن الأحسن أن يكون قوله: {بل لله الأمر جميعاً} معطوفا على محذوف والتقدير: ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعاً.
وأنت ترى أن السياق لا يساعد على شيء من هذه المعاني، وأن حق المعنى الذي يساعد عليه السياق أن يكون إضراباً عن نفس الشرطية السابقة على تقدير الجزاء نحواً من قولنا: لم يكن لهم أن يهتدوا به إلا أن يشاء الله.
قوله تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} تفريع على سابقه.
ذكر بعضهم أن اليأس بمعنى العلم وهي لغة هوزان وقيل لغة حي من النخع وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي:

أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم

وقول رباح بن عدي:

ألـــم ييأس الأقـــوام أنــي أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

ومحصل التفريع على هذا أنه إذا كانت الأسباب لا تملك من هدايتهم شيئاً حتى قرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، وأن الأمر لله جميعاً فمن الواجب أن يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ هداية الذين كفروا ولو يشاء الله لهدى الناس جميعاً الذين آمنوا والذين كفروا لكنه لم يهد الذين كفروا فلم يهتدوا ولن يهتدوا.
وذكر بعضهم أن اليأس بمعناه المعروف وهو القنوط غير أن قوله: {أفلم ييأس} مضمن معنى العلم والمراد بيان لزوم علمهم بأن الله لم يشأ هدايتهم ولو شاء ذلك لهدى الناس جميعاً ولزوم قنوطهم عن اهتدائهم وإيمانهم.
فتقدير الكلام بحسب الحقيقة: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله لم يشأ هدايتهم ولو يشاء لهدى الناس جميعاً أو لم ييأسوا من اهتدائهم وإيمانهم؟ ثم ضمن اليأس معنى العلم ونسب إليه من متعلق العلم الجملة الشرطية فقط أعني قوله: {لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} إيجازاً وإيثاراً للاختصار.
وذكر بعضهم: إن قوله {أفلم ييأس} على ظاهر معناه من غير تضمين وقوله: {أن لو يشاء الله} الخ، متعلق بقوله: {آمنوا} بتقدير الباء ومتعلق {ييأس} محذوف وتقدير الكلام أفلم ييأس الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً من إيمانهم وذلك أن الذين آمنوا يرون أن الأمر لله جميعاً ويؤمنون بأنه تعالى لو يشاء لهدى الناس جميعاً ولو لم يشأ لم يهد فإذ لم يهد ولم يؤمنوا فليعلموا أنه لم يشأ وليس في مقدرة سبب من الأسباب أن يهديهم ويوفقهم للإِيمان فلييأسوا من إيمانهم.
وهذه وجوه ثلاثة لعل أعدلها أوسطها والآية على أي حال لا تخلو من إشارة إلى أن المؤمنين كانوا يودون أن يؤمن الكفار ولعلهم لمودتهم ذلك لما سمعوا قول الكفار: {لولا أُنزل عليه آية من ربه} طمعوا في إيمانهم ورجوا منهم الاهتداء إن أنزل الله عليهم آية أُخرى غير القرآن فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم على ذلك فأيأسهم الله من إيمانهم في هذه الآيات، وفي آيات أُخرى من كلامه مكية ومدنية كقوله في سورة يس وهى مكية:
{ وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } آية: 10 ، وقوله في سورة البقرة وهى مدنية: { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } آية: 6.
قوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد} سياق الآيات يشهد أن المراد بقوله: {بما صنعوا} كفرهم بالرحمان قبال الدعوة الحقة، والقارعة هي المصيبة تقرع الإِنسان قرعاً كأنها تؤذنه بأشد من نفسها وفي الآية تهديد ووعيد قطعي للذين كفروا بعذاب غير مردود وذكر علائم وأشراط له تقرعهم مرة بعد مرة حتى يأتيهم العذاب الموعود.
والمعنى: ولا يزال هؤلاء الذين كفروا بدعوتك الحقة تصيبهم بما صنعوا من الكفر بالرحمان مصيبة قارعة أو تحل تلك المصيبة القارعة قريباً من دارهم فلا يزالون كذلك حتى يأتي ما وعدهم الله من العذاب لأن الله لا يخلف ميعاده ولا يبدل قوله.
والتأمل في كون السورة مكية على ما يشهد به مضامين آياتها ثم في الحوادث الواقعة بعد البعثة وقبل الهجرة وبعدها إلى فتح مكة يعطي أن المراد بالذين كفروا هم كفار العرب من أهل مكة وغيرهم الذين ردوا أول الدعوة وبالغوا في الجحود والعناد وألحوا على الفتنة والفساد.
والمراد بالذين تصيبهم القارعة من كان في خارج الحرم منهم تصيبهم قوارع الحروب وشن الغارات، وبالذين تحل القارعة قريباً من دارهم أهل الحرم من قريش تقع حوادث السوء قريباً من دارهم فتصيبهم معرتها وتنالهم وحشتها وهمها وسائر آثارها السيئة، والمراد بما وعدهم عذاب السيف الذي أخذهم في غزوة بدر وغيرها.
واعلم أن هذا العذاب الموعود للذين كفروا في هذه الآيات غير العذاب الموعود المتقدم في سورة يونس في قوله تعالى: {ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} إلى قوله ثانياً:
{ وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } [يونس: 46، 54] فإن الذي في سورة يونس وعيد عام للأُمة، والذي في هذه الآيات وعيد خاص بالذين كفروا في أول الدعوة النبوية من قريش وغيرهم، وقد تقدم في قوله: { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } [البقرة: 6] في الجزء الأول من الكتاب أن المراد بقوله: {الذين كفروا} في القرآن إذا أُطلق إطلاقاً المعاندون من مشركي العرب في أول الدعوة كما أن المراد بالذين آمنوا إذا اطلق كذلك السابقون إلى الإِيمان في أول الدعوة.
واعلم أيضاً أن للمفسرين في الآية أقوالاً شتى تركنا إيرادها إذ لا طائل تحت أكثرها وفيما ذكرناه من الوجه كفاية للباحث المتدبر، وسيوافيك بعضها في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
قوله تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} تأكيد لما في الآية السابقة من الوعيد القطعي ببيان نظائر له تدل على إمكان وقوعه أي لا يتوهمن متوهم أن هذا الذي نهددهم به وعيد خال لا دليل على وقوعه كما قالوا:
{ لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين } } [النمل: 68]. وذلك أنه قد استهزئ برسل من قبلك بالكفر وطلب الآيات كما كفر هؤلاء بدعوتك ثم اقترحوا عليك آية مع وجود آية القرآن فأمليت وأمهلت للذين كفروا ثم أخذتهم بالعذاب فكيف كان عقابي؟ أكان وعيداً خالياً لا شيء وراءه؟ أم كان أمراً يمكنهم أن يتقوه أو يدفعوه أو يتحملوه؟ فإذا كان ذلك قد وقع بهم فليحذر هؤلاء وفعالهم كفعالهم أن يقع مثله بهم.
ومن ذلك يظهر أن قولهم: إن الآية تسلية وتعزية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في غير محله.
وقد بدل الاستهزاء في الآية ثانياً من الكفر إذ قيل: {بالذين كفروا} ولم يقل بالذين استهزأوا للدلالة على أن استهزاءهم كان استهزاء كفر كما أن كفرهم كان كفر استهزاء فهم الكافرون المستهزؤن بآيات الله كالذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا مستهزئين بالقرآن وهو آية: لولا نزل عليه آية من ربه.
قوله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا له شركاء} القائم على شيء هو المهيمن المتسلط عليه والقائم بشيء من الأمر هو الذي يدبره نوعاً من التدبير والله سبحانه هو القائم على كل نفس بما كسبت أما قيامه عليها فلأنه محيط بذاتها قاهر عليها شاهد لها، وأما قيامه بما كسبت فلأنه يدبر أمر أعمالها فيحولها من مرتبة الحركة والسكون إلى أعمال محفوظة عليها في صحائف الأعمال ثم يحولها إلى المثوبات والعقوبات في الدنيا والآخرة من قرب وبعد وهدى وضلال ونعمة ونقمة وجنة ونار.
والآية متفرعة على ما تقدمها أي إذا كان الله سبحانه يهدي من يشاء فيجازيه بأحسن الثواب ويضل من يشاء فيجازيه بأشد العقاب وله الأمر جميعاً فهو قائم على كل نفس بما كسبت ومهيمن مدبر لنظام الأعمال فهل يعدله غيره حتى يشاركه في أُلوهيته؟.
ومن ذلك يظهر أن الخبر في قوله: {أفمن هو قائم} الخ، محذوف يدل عليه قوله: {وجعلوا لله شركاء} ومن سخيف القول ما نسب إلى الضحاك أن المراد بقوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} الملائكة لكونهم موكلين على الأعمال والمعنى أفيكون الملائكة الموكلون على الأعمال بأمره شركاء له سبحانه؟ وهو معنى بعيد من السياق غايته.
قوله تعالى: {قل سموهم أم تنبؤنه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} لما ذكر سبحانه قوله: {وجعلوا لله شركاء} عاد إليهم ببيان يبطل به قولهم ذلك مأخوذ من البيان السابق بوجه.
فأمر نبيه بأن يحاجهم بنوع من الحجاج عجيب في بابه فقال: {قل سموهم} أي صفوهم فإن صفات الأشياء هي التي تتعين بها شؤونها وآثارها فلو كانت هذه الأصنام شركاء لله شفعاء عنده وجب أن يكون لها من الصفات ما يسوي لها الطريق لهذا الشأن كما يقال فيه تعالى إنه حي عليم قدير خالق مالك مدبر فهو رب كل شيء لكن الأصنام إذا ذكرت فقيل: هبل أو اللات أو العزى لم يوجد لها من الصفات ما يظهر به أنها شريكة لله شفيعة عنده.
ثم قال: {أم تنبؤنه بما لا يعلم في الأرض} وأم منقطعة أي بل أتنبؤنه بكذا والمعنى أن اتخاذكم الأصنام شركاء له إنباء له في الحقيقة بما لا يعلم فلو كان له شريك في الأرض لعلم به لأن الشريك في التدبير يمتنع أن يخفى تأثيره في التدبير على شريكه والله سبحانه يدبر الأمر كله ولا يرى لغيره أثراً في ذلك لا موافقاً ولا مخالفاً، والدليل على أنه لا يرى لنفسه شريكاً في الأمر أنه تعالى هو القائم على كل نفس بما كسبت، وبعبارة أُخرى أن له الخلق والأمر وهو على كل شيء شهيد بالبرهان الذي لا سبيل للشك إليه، والآية بالجملة كقوله في موضع آخر:
{ قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } } [يونس: 18]. ثم قال: {أم بظاهر من القول} أي بل أتنبؤنه بأن له شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة وهذا كقوله: { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } } [النجم: 23]. وعن بعضهم إن المراد بظاهر من القول ظاهر كتاب نازل من الله تسمى فيه الأصنام آلهة حقة وحاصل الآية نفي الدليل العقلي والسمعي معاً على ألوهيتها وكونها شركاء لله سبحانه وهو بعيد من اللفظ.
ووجه الارتباط بين هذه الحجج الثلاث أنهم في عبادتهم الأصنام وجعلهم لله شركاء مترددون بين محاذير ثلاثة إما أن يقولوا بشركتها من غير حجة إذ ليس لها من الأوصاف ما يعلم به أنها شركاء لله، وإما أن يدعوا أن لها أوصافاً كذلك هم يعلمونها ولا يعلم بها الله وسبحانه، وإما أن يكونوا متظاهرين بالقول بشركتها من غير حقيقة وهم يغرون الله بذلك تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
قال الزمخشري في الكشاف: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف على نفسه انتهى كلامه.
قوله تعالى: {بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد} إضراب عن الحجج المذكورة ولوازمها والمعنى دع هذه الحجج فإنهم لا يجعلون له شركاء لشيء من هذه الوجوه بل مكر زينه لهم الشيطان وصدهم بذلك عن سبيل الله تعالى وذلك أنهم على علم بأنه لا حجة على شركتها وأن مجرد الدعوى لا ينفعهم لكنهم يريدون بترويج القول بألوهيتها وتوجيه قلوب العامة إليها عرض الدنيا وزينتها، ودعوتك إلى سبيل الله مانعة دون ذلك فهم في تصلبهم في عبادتها ودعوة الناس إليها والحث على الأخذ بها يمكرون بك من وجه وبالناس من وجه آخر وقد زين لهم هذا المكر وهو السبب في جعلهم إياها شركاء لا غير ذلك من حجة أو غيرها وصدوا بذلك عن السبيل.
فهم زين لهم المكر وصدوا به عن السبيل والذي زين لهم وصدهم هو الشيطان بإغوائهم، واضلوا والذي أضلهم هو الله سبحانه بإمساك نعمة الهدى منهم ومن يضلل الله فما له من هاد.
قوله تعالى: {لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق} أشق أفعل من المشقة وواق اسم فاعل من الوقاية بمعنى الحفظ.
وفي الآية إيجاز القول فيما وعد الله الذين كفروا من العذاب في الآيات السابقة، وفي قوله: {وما لهم من الله من واق} نفي الشفاعة وتأثيرها في حقهم أصلاً، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتهم الأنهار أُكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} المثل هو الوصف يمثل الشيء.
وفي قوله: {مثل الجنة} الخ بيان ما خص الله به المتقين من الوعد الجميل مقابلة لما أوعد به الذين كفروا وليكون تمهيداً لما يختم به القول من الإِشارة إلى محصل سعى الفريقين في مسيرهم إلى ربهم ورجوعهم إليه، وقد قابل الذين كفروا بالمتقين إشارة إلى أن الذين ينالون هذه العاقبة الحسنى هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون المؤمنين من غير عمل صالح فإنهم مؤمنون بالله كافرون بآياته.
ومن لطيف الإِشارة في الكلام المقابلة بين المؤمنين والمشركين أولا بتعبير (المتقون والذين كفروا) وأخيراً بقوله (الذين اتقوا والكافرون) ولعل فيه تلويحاً إلى أن الفعل الماضي والصفة ههنا واحد مدلولاً ومجموع أعمالهم في الدنيا مأخوذ عملاً واحداً، ولازم ذلك أن يكون تحقق العمل وصدور الفعل مرة واحدة عين اتصافهم به مستمراً، ويفيد حينئذ قولنا: (الكافرون والمتقون) الدالان على ثبوت الاتصاف وقولنا: {الذين كفروا والذين اتقوا} الدالان على تحقق ما للفعل مفاداً واحداً، وهو قصر الموصوف على صفته، وأما من تبدل عليه العمل كأن تحقق منه كفر أو تقوى ثم تبدل بغيره ولم يختتم له العمل بعد فهو خارج عن مساق الكلام فافهم ذلك.
واعلم أن في الآيات السابقة وجوهاً مختلفة من الالتفات كقوله: {كذلك أرسلناك} ثم قوله: {بل لله الأمر} ثم قوله: {فأمليت للذين كفروا} ثم قوله {وجعلوا لله شركاء} والوجه فيه غير خفي فالتعبير بمثل {أرسلناك} للدلالة على أن هناك وسائط كملائكة الوحى مثلاً. والتعبير بمثل {بل لله الأمر جميعاً} للدلالة على رجوع كل أمر ذى وسط أو غير ذي وسط إلى مقام الألوهية القيوم على كل شيء، والتعبير بمثل {فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم} للدلالة على أنه لا واسطة في الحقيقة يكون شريكاً أو شفيعاً كما يدعيه المشركون.
ثم قوله تعالى: {تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} إشارة إلى خاتمة أمر الفريقين وعقباهما - كما تقدم - وبه يختتم البحث في المؤمنين والمشركين من حيث آثار الحق والباطل في عقيدتهما وأعمالهما، فقد عرفت أن هذه الآيات التسع التي نحن فيها من تمام الآيات العشر السابقة المبتدئة بقوله: {أنزل من السماء ماء} الآية.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن خالد بن نجيح عن جعفر بن محمد عليه السلام: في قوله: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فقال بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم تطمئن القلوب وهو ذكر الله وحجابه.
أقول: وفي كلامه تعالى: {قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً}.
وفي الدر المنثور أخرج أبو الشيخ عن أنس قال:
"قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه حين نزلت هذه الآية: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} أتدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: من أحب الله ورسوله وأحب أصحابي" .
وفي تفسير العياشي "عن ابن عباس أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {والذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ثم قال لي: أتدري يابن أم سليم من هم؟ قلت: من هم يا رسول الله؟ قال: نحن أهل البيت وشيعتنا" .
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه "عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} قال: ذاك من أحب الله ورسوله وأحب أهل بيتي صادقاً غير كاذب وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً ألا بذكر الله يتحابون" .
أقول: والروايات جميعاً من باب الانطباق والجري فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والطاهرون من أهل بيته والخيار من الصحابة والمؤمنين من مصاديق ذكر الله لأن الله يذكر بهم، والآية الكريمة أعم دلالة.
وفي تفسير القمي عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام: في حديث الإِسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فإذا شجرة لو أُرسل طائر في أصلها ما دارها سبعمائة سنة وليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن منها فقلت: ما هذه يا جبرئيل؟ فقال هذه شجرة طوبى قال الله تعالى: {طوبى لهم وحسن مآب}.
أقول: وهذا المعنى مروي في روايات كثيرة وفي عدة منها أن جبرئيل ناولني منها ثمرة فأكلتها فحول الله ذلك إلى ظهري فلما أن هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فما قبلت فاطمة إلا وجدت رائحة شجرة طوبى منها.
وفي كتاب الخرائج أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"يا فاطمة إن بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي أن الله عزوجل زوج علياً بفاطمة وأمر رضوان خازن الجنة فهز شجرة طوبى فحملت رقاعاً بعدد محبي أهل بيتي فأنشأ ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك خطاً فإذا استوت القيامة بأهلها فلا تلقى الملائكة محباً لنا إلا دفعت إليه صكاً فيه براءة من النار"
]. أقول: وفي تفسير البرهان عن الموفق بن أحمد في كتاب المناقب بإسناده عن بلال بن حمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله وروى هذا المعنى أيضاً عن ام سلمة وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب وفيها أن الله لما أن أشهد على تزوج فاطمة من علي بن أبي طالب ملائكته أمر شجرة طوبى أن ينثر حملها وما فيها من الحلي والحلل فنثرت الشجرة ما فيها والتقطته الملائكة والحور العين لتهادينه وتفتخرن به إلى يوم القيامة وروى أيضاً ما يقرب منه عن الرضا عليه السلام.
وفي المجمع روى الثعلبي بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: طوبى شجرة أصلها في دار علي في الجنة وفي دار كل مؤمن منها غصن. قال: ورواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي تفسير البرهان عن تفسير الثعلبي يرفع الإِسناد إلى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن طوبى فقال:
"شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة فقالوا: يا رسول الله سألناك فقلت: أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة فقالوا: داري ودار علي واحدة في الجنة بمكان واحد"
]. أقول: ورواه أيضاً في المجمع بإسناده عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله.
أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة مروية من طرق الشيعة وأهل السنة، والظاهر أن الروايات غير ناظرة إلى تفسير الآية، وإنما هي ناظرة إلى بطنها دون ظهرها فإن حقيقة المعيشة الطوبى هي ولاية الله سبحانه وعلى عليه السلام صاحبها وأول فاتح لبابها من هذه الأُمة والمؤمنون من أهل الولاية أتباعه وأشياعه، وداره عليه السلام في جنة النعيم وهي جنة الولاية ودار النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحدة لا اختلاف بينهما ولا تزاحم فافهم ذلك.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريح في قوله: {وهم يكفرون بالرحمان} قال: هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً في الحديبية كتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: لا نكتب الرحمان وما ندرى ما الرحمان؟ وما نكتب إلا باسمك اللهم فأنزل الله: {وهم يكفرون بالرحمان}.
أقول: ورواه أيضاً عن ابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة وأنت تعلم أن الآيات على ما يعطيه سياقها مكية وصلح الحديبية من حوادث ما بعد الهجرة. على أن سياق الآية وحدها أيضاً لا يساعد على نزول جزء من أجزائها في قصة وتقطعه عن الباقي.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عطية العوفي قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه فأنزل الله تعالى: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} الآية إلى قوله: {أفلم ييأس الذين آمنوا} قال: أفلم يتبين الذين آمنوا.
قالوا: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عن سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أقول: وفيما يقرب من هذا المضمون روايات أُخرى.
وفي تفسير القمي قال: لو كان شيء من القرآن كذلك لكان هذا.
وفي الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره عن محمد بن حماد عن أخيه أحمد بن حماد عن إِبراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الأول عليه السلام في حديث: وإن الله يقول في كتابه: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان ويحيى به الموتى. الحديث.
أقول: والحديثان ضعيفان سنداً.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن علي: انه قرأ: (أفلم يتبين الذين آمنوا).
أقول: ورويت هذه القراءة أيضاً عن ابن عباس.
وفي المجمع: قرأ علي عليه السلام وابن عباس وعلي بن الحسين عليه السلام وزيد بن علي وجعفر بن محمد عليه السلام وابن أبي مليكة والجحدري وأبو يزيد المدني: أفلم يتبين والقراءة المشهورة: أفلم ييأس.
وفي تفسير القمي قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام: في قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} وهى النقمة {أو تحل قريباً من دارهم} فتحل بقوم غيرهم فيرون ذلك ويسمعون به والذين حلت بهم عصاة كفار مثلهم ولا يتعظ بعضهم ببعض ولا يزالون كذلك حتى يأتي وعد الله الذي وعد المؤمنين من النصر ويخزي الله الكافرين.